ومن أحرم وأطلق بأن نوع الدخول في نسك ولم يعين نسكا صح إحرامه نص عليه أحمد وفاقا للأئمة الثلاثة كإحرامه بمثل ما أحرم به فلان، وحيث صح مع الإبهام صح مع الإطلاق لتأكده وكونه لا يخرج منه بمحظوراته وله صرف الإحرام إلى ما شاء من الأنساك نص عليه أحمد بالنية لا باللفظ لأن له أن يبتدئ الإحرام بأي الأنساك شاء فكان له صرف المطلق إلى ما أراد، والصرف واجب وإلا يكون متلاعبًا، وما عمل من أحرم مطلقًا من طواف وغيره قبل صرفه لأحد الأنساك فهو لغو لا يعتد به لعدم التعيين لحديث (وإنما لكل امرئ ما نوى) ولأن الطواف وغيره وجد لا في حج ولا عمرة فلم يجزه والأولى صرف إحرامه إلى العمرة لأن التمتع أفضل، وإن أحرم بمثل ما أحرم به فلان أو أحرم بما أحرم به فلا وعلم ما أحرم به فلان، قبل إحرامه أو بعده انعقد
[ ١ / ١٢٢ ]
إحرامه بمثله لحديث جابر: إن عليا قدم من اليمن فقال له النبي ﷺ: (بم أهللت؟ فقال بما أهل به رسول الله ﷺ قال فاهد وامكث حراما) . رواه مسلم وغيره.
(تنبيه): لم يقل علي ﵁ باهلالك، توقيرا وتلذذا بذكر رسول الله ﷺ، والله أعلم، فإن كان الأول أحرم مطلقا كان للثاني الذي أحرم بمثله صرف إحرامه إلى ما شاء من الأنساك كما لو أحرم هو مطلقًا ولا يتعين عليه صرف إحرامه إلى ما يصرفه إليه الأول ولا إلى ما كان صرفه إليه الأول بعد إحرامه مطلقا، ويعمل الثاني بقول الأول إنه أحرم بنسك كذا لا بما وقع في نفسه هو قال الشيخ محمد الخلوتي: وظاهره سواء كان فلان عدلًا أو فاسقا انتهى. فإن جعل من أحرم بما أحرم به فلان أو بمثله إحرام فلان واستمر الجهل فللثاني جعله عمره لصحة فسخ الإفراد والقران إليها وله جعله حجًا أو قرانا، ولو شك الذي أحرم بما أحرم به فلان أو بمثله هل أحرم الأول فكما لو لم يحرم الأول لأن الأصل عدمه فينعقد إحرامه مطلقا فيصرفه لما شاء كما لو أحرم ابتداء مطلقا فإن صرفه قبل طوافه وقع طوافه بعد ذلك إلى صرفه إليه، وإن طاف قبل صرفه إلى نسك معين لم يعتد بطوافه لأنه لا في حج ولا عمرة وتقدم، ولو كان إحرام الأول فاسدًا بأن كان في حال الجنون أو السكر أو الإغماء أو وطئ فيه فكنذره عبادة فاسدة فينعقد إحرام الثاني بمثله من الأنساك إلا أنه يكون على الوجه الصحيح المشروع، ويصح وينعقد إحرام قائل: أحرمت يوما أو أحرمت بنصف نسك ونحوهما كأحرمت نصف يوم أو بثلث نسك لأنه إذا أحرم زمنا لم يصر حلالا فيما بعده حتى يؤدي نسكه ولو رفض إحرامه، وإذا دخل في نسك لزمه إتمامه فيقع إحرامه مطلقا ويصرفه لما شاء، ولا يصح إحرام قائل: إن أحرم زيد مثلا
[ ١ / ١٢٣ ]
فانا محرم لعدم الجزم حيث علق إحرامه، وكذا إن كان زيد محرما فقد أحرمت فلم يكن محرما لعدم جزمه، فإن كان زيد محرما والحالة هذه لم يتعين إحرام الثاني بمثله فيما يظهر، والله أعلم.
(فائدة): إذا خاف الرجل لضيق الوقت أن يحرم بالحج فيفوته فيلزمه القضاء ودم الفوات فالحيلة أن يحرم إحرامًا مطلقًا ولا يعينه فإن اتسع له الوقت جعله حجًا أو قرانًا أو تمتعًا وإن ضاق عليه الوقت جعله عمرة ولا يلزمه غيرها قاله شمس الدين ابن القيم ﵀، ومن أحرم بحجتين أو عمرتين انعقد إحرامه بإحداهما ولغت الأخرى لأن الزمان لا يصلح لهما مجتمعتين فيصح بواحدة منهما مفردة كتفريق الصفقة ولا ينعقد الإحرام بهما معًا كبقية أفعالهما وكنذرهما في عام واحد فإنه يجب عليه إحداهما في ذلك العام لأن الوقت لا يصلح لهما، قال القاضي أبو يعلى وغيره: هو كنية صومين في يوم ولو فسدت هذه المنعقدة لم يلزمه إلا قضاؤها، قال الشيخ منصور: والظاهر أنه لا يلزمه فعل الثانية في العام القابل ولا كفارة لأنه من نذر المحال، والله أعلم انتهى.
ومن أحرم بنسك تمتع أو إفراد أو قران ونسيه أو أحرم بنذر ونسى ما نذره قبل طواف صرفه إلى عمره استحبابًا لأنها اليقين لأنه يسن له فسخ الحج والقران إليها من العلم فمع النسيان أولى، ويجوز صرف إحرامه إلى غير العمرة لعدم تحقق المانع فإن صرفه إلى قران أو إفراد صح حجًا فقط دون العمرة فيما إذا صرفه إلى قران لأنه يحتمل أن يكون المنسي حجًا مفردًا فلا يصح إدخال العمرة عليه فصحة العمرة مشكوك فيها فلا تسقط من ذمته بالشك ولا دم عليه لأنه لم يتحقق أنه قارن ولا يجب الدم مع الشك في سببه وإن جعل المنسي عمرة فكفسخ حج إلى عمرة فيصح إن لم يقف بعرفة ولم يسق هديا ويلزمه دم المتعة بشروط للآية ويحزئه تمتعه عن الحج والعمرة جميعًا لصحتهما على كل تقدير لأن غايته أن يكون أحرم قارنا أو مفردًا وفسخهما سنة كما تقدم، وإن نسى ما أحرم به أو ما نذره بعد الطواف ولا هدي معه يتعين صرفه إلى العمرة ولا يجعله حجًا ولا قرانا لاحتمال أن يكون المنسي عمرة، وتقدم أنه لا يجوز إدخال الحج على العمرة بعد طوافها لمن لا هدى معه فيسعى ويحلق أو يقصر، ثم يحرم بالحج مع بقاء وقته ويتمه ويسقط عنه فرضه لتأديته إياه ويلزمه دم بكل حال لأنه إن كان المنسي حجا أو قرانا فقد حلق فيه في غير أوان الحلق، وفي الحلق قبل أوانه دم جبران، وإن كان معتمرًا فقد تحلل ثم حج وعليه دم المتعة
[ ١ / ١٢٤ ]
بشروطه، قال الشيخ منصور: لكن إن فسخ نية الحج إلى العمر قبل حلقه فلا دم عليه.
قلت وهو كما قال لأن فسخ المفرد والقارن نيتهما بحج إلى عمرة سنة كما تقدم، ومراد منصور بقوله فلا دم عليه أي للحق، وأما دم التمتع فيلزمه إذا فسخ بشروطه والله أعلم، قال الشيخ مرعي في الغاية فيسعى ويحلق ثم يحرم بحج مع بقاء وقت وقوف ويتمه ويتجه ولا دم للحلق إن تبين أنه حاج خلافًا لهما: يعني للإقناع والمنتهى، لأن الحج فسخ بالصرف انتهى كلام مرعي، قلت: أما دم التمتع فيلزمه إذا فسخ كما تقدم والله أعلم، وإذا خالف ما وجب عليه من صرفه إلى العمرة بعد الطواف بأن صرف إحرامه مع نسيانه بعد طواف ولا هدى معه إلى حج أو إلى قران لم يصح ويتحلل بفعل حج لاحتمال أن يكون حجا ولم يجزه فعل ذلك عن واحد من الحج والعمرة لاحتمال أن يكون المنسي عمرة فلا يصح إدخال الحج عليها بعد طوافها لمن لا هدى معه أو يكون المنسي حجًا فلا يصح إدخال العمرة عليه ولا دم عليه ولا قضاء للشك في سببهما الموجب لهما والأصل براءته لكن إن كان عليه حجة الإسلام
[ ١ / ١٢٥ ]
أو عمرته فإنها تستمر باقية بذمته، قال في المنتهى وشرحه: ومن كان معه هدى وطاف ثم نسى ما أحرم به صرفه إلى الحج وجوبًا وأجزأه حجه عن حجة الإسلام لصحته بكل حال ولا يجوز له التحلل قبل إتمام نسكه انتهى، وإن أحرم عن اثنين استناباه في حج أو عمرة وقع عن نفسه أو أحرم عن أحدهما لا بعينه وقع إحرامه ونسكه عن نفسه دونهما لعدم إمكان وقوعه عنهما ولا مرجح لأحدهما ويضمن ما أخذه منهما ليحج به عنهما فيرد لهما بدله وكذا يقع عن نفسه لو أحرم عنه وعن غيره بطريق الأولى ويرد ما أخذه من الغير، ومن أهلّ لعامين بأن قال: لبيك العام وعام قابل حج من عامه واعتمر من قابل قاله عطاء حكاه عنه أحمد ولم يخالفه، قال الشيخ مرعي: ويتجه احتمال أن ذلك ندب انتهى، ومن أخذ من اثنين حجتين ليحج عنهما في عام واحد أدب على فعله ذلك لفعله محرمًا نصًا، وقال في الإنصاف قلت قد قيل إنه يمكن فعل حجتين في عام واحد بأن يقف بعرفة ثم يطوف
للزيارة بعد نصف ليلة النحر بيسير ثم يدرك الوقوف بعرفة ثانيًا قبل طلوع الفجر ليلة النحر انتهى، قلت قوله بيسير وذلك لأجل دخول وقت طواف الزيارة لأنه سيأتي أن وقته يدخل بمضي نصف ليلة النحر لمن وقف بعرفة قبل وإلا يكن وقف بعرفة فوقته بعد الوقوف بعرفة فلا يعتد بالطواف قبل الوقوف.
قال الشيخ منصور: ولا يصح ممن أحرم بالحج ووقف بعرفة ثم طاف وسعى ورمى جمرة العقبة وحلق في نصف الليل الثاني أن يحرم بحجة أخرى ويقف بعرفة قبل الفجر لأن رمى أيام التشريق عمل واجب بالإحرام السابق فلا يجوز مع بقائه أن يحرم بغيره هذا معنى كلام القاضي أبي يعلى وسلم الإجماع على أنه لا يجوز حجتان في عام واحد انتهى.
قال في المنتهى والإقناع وشرحهما: ومن استنابه اثنان في عام
[ ١ / ١٢٦ ]
بنسك فأحرم عن أحدهما بعينه ولم ينسه صح إحرامه عنه ولم يصح إحرامه للآخر بعده نصًا في ذلك العام بحج ولو بعد طوافه للزيارة بعد نصف ليلة النحر ورميه لأن توابع الإحرام الأول من المبيت ليالي منى، ورمي الجمار أيامها باقية فلا يصح إدخال إحرام على إحرام انتهى بتصرف وجيه وتقدم قريبًا، وإن نسي المعين بالإحرام من مستنيبيه وتعذر علمه فإن فرط نائب كأن تعذر علمه من تفريطه بأن كان يمكنه كتابة اسمه أو ما يتميز به فلم يفعل أعاد الحج عنهما فيحج عن كل واحد حجة لتفريطه ولا يكون الحج لأحدهما بعينه لعدم أولويته، وإن فرط موصى إليه بذلك بأن لم يسمِّه للنائب غرم موصى إليه نفقة إعادة الحج عنهما، وإلا يفرط نائب ولا موصى إليه بأن سماه الموصى إليه للنائب وعينه ابتداء ولم يحصل منه تفريط في نسيانه لكنه نسيه فالغرم لذلك من تركة موصييه المستناب عنهما لعدم التفريط لأن الحج عنهما فنفقته عليهما ولا موجب لضمانه عنهما، قال في الإقناع وشرحه: هذا إن كان النائب غير مستأجر لذلك أي للحج عنهما لأنه أمين، وإلا بأن كان مستأجرًا له إن قلنا تصح الإجارة للحج لزماه: أي لزم النائب الأجير أن يحج عنهما ليوفي بما استؤجر له انتهى، وتقدم الكلام على الاستنابة في الحج وعلى ضمان الحجة بأجرة في فصل الاستنابة في الحج والعمر فليراجع عند الحاجة فإنه مفيد جدًا.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: والمستحب أن يأخذ الحاج عن غيره ليحج، لا أن يحج ليأخذ فمن كان قصده إبراء ذمة الميت أو الشوق إلى الحج أو رؤية المشاعر فهذا آخذ ليحج ومثله كل رزق أخذ على عمل صالح، ففرق بين من يقصد الدين فقط والدنيا وسيلة وبين من يقصد الدنيا والدين وسيلة؛ فالأول لا بأس به والأشبه أن الثاني ليس له في الآخرة من خَلاق انتهى.
[ ١ / ١٢٧ ]
(فائدة) لا يصح حج وصي، قال في الإنصاف: لا يصح أن يحج وصي بإخراجها، ولا يصح أن يحج وارث على الصحيح من المذهب انتهى.
قال في الشرح الكبير: إذا كان فيها فضل إلا بإذن الورثة وإن لم يكن فيها فضل جاز لأنه لا محاباة فيها انتهى. وما قاله الشارح وجيه والله أعلم.