والتلبية سنة لفعله ﷺ وأمره بها، وهي ذكر في الإحرام فلم تجب كسائر الأذكار، ويسن ابتداء التلبية عقب إحرامه على الأصح لقول جابر: فأهلَّ رسول الله ﷺ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، الحديث وهذه تلبية رسول الله ﷺ وجاء ذلك في الصحيحين رواه البخاري عن عائشة ومسلم عن جابر، وقيل إا استوى على راحلته وجزم به في المقنع وغيره وتبعهم في المختصر ومشى على الأول في المنتهى والإقناع وغيرهما، ويسن ذكر نسكه فيها وذكر العمرة قبل الحج للقارن فيقول لبيك عمرة وحجًا لحديث أنس، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لبيك عمرة وحجًا) متفق عليه.
وقال جابر قدمنا مع رسول الله ﷺ ونحن نقول لبيك بالحج الحديث، وقال ابن عباس: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال: (حل كله) متفق عليه. ومعنى الإهلال: رفع الصوت بالتلبية، من قولهم استهل الصبي إذا صاح، ويسن الإكثار من التلبية لخبر سهل بن سعد (ما من مسلم يلبي إلى لبى ما عن يمينه وشماله من شجر أو حجر أو مدر حتى تنقطع
[ ١ / ١٢٨ ]
الأرض من ههنا وههنا. رواه الترمذي بإسناد جيد، وابن ماجة من رواية إسماعيل بن عياش عن المدنيين، وهو ضعيف عنهم، ويسن جهر ذكر بالتلبية لقول أنس: (سمعتهم يصرخون بها صراخا) رواه البخاري، وخبر السائب ابن خلاد قال: قال رسول الله ﷺ: (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية) أسانيده جيدة رواه الخمسة وصححه الترمذي وأخرجه مالك في الموطأ والشافعي عنه وابن حبان والحاكم والبيهقي وصححوه، قال الترمذي في جامعه: باب ما جاء في رفع الصوت بالتلبية وساق بسنده حديث خلاد ثم قال حديث خلاد عن أبيه حديث حسن صحيح وهو خلال بن السائب بن خلاد بن سويد الأنصاري عن أبيه انتهى. ولا يجهد نفسه في رفع صوته زيادة على الطاقة خشية ضرر يصيبه، ولا يستحب إظهار التلبية في مساجد الحل وأمصاره، قال أحمد إذا أحرم في مصره لا يعجبني أن يلبي حتى يبرز، لقول ابن عباس لمن سمعه يلبي بالمدينة: إن هذا لمجنون إنما التلبية إذا برزت يعني إذا خرجت من العمران إلى البراز، واحتج القاضي وأصحابه بأن إخفاء التطوع أولى خوف الرياء على من لا يشاركه في تلك العبادة بخلاف البراري وعرفات والحرم ومكة، ولا يستحب إظهارها في طواف القدوم والسعي بعده خوف اشتغال الطائفتين والساعين عن أذكارهم، ولا بأس بالتلبية سرًا للمفرد والقارن في طواف القدوم والسعي بعده.
وأما المتمتع والمعتمر فيقطعان التلبية إذا شرعا في طواف العمرة، ويكره رفع الصوت بها حول البيت وإن لم يكن طائفا لئلا يشغل الطائفين عن طوافهم وأذكارهم المشروعة لهم، ويستحب أن يلبي عن أخرس ومريض وصغير ومجنون ومغمى عليه، وزاد بعضهم ونائم تكميلًا لنسكهم وكالأفعال التي
[ ١ / ١٢٩ ]
يعجزون عنها، ويسن الدعاء بعد التلبية فيسأل الله الجنة ويعوذ به من النار لما روى خزيمة بن ثابت (أن رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله ﷿ رضوانه الجنة واستعاذ برحمته من النار) رواه الشافعي والدارقطني، وفي إسناده صالح بن محمد بن أبي زائدة وهو مدني ضعيف، ويدعو بما أحب لأنه مظنة إجابة الدعاء، ويسن عقبها الصلاة على النبي ﷺ لأنه موضع شرع فيه ذكر الله تعالى فشرع فيه ذكر رسوله ﷺ كالصلاة والأذان ولا يرفع صوته بالدعاء والصلاة عليه ﷺ عقب التلبية لعدم وروده، وصفة التلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
وتقدم في حديث عائشة وجابر والمشهور في (والنعمة) النصب. قال عياض ويجوز الرفع على الابتداء ويكون الخبر محذوفا، والتقدير إن الحمد لك والنعمة مستقرة لك، قاله ابن الأنباري والمشهور نصب والملك ويجوز الرفع وتقديره والملك كذلك انتهى من فتح الباري، قال الطحاوي والقرطبي: أجمع العلماء على هذه التلبية انتهى، وهي مأخوذة من لب بالمكان إذا لزمه فكأنه قال أنا مقيم على طاعتك، وكررت لأنه أراد إقامة بعد إقامة، ولبيك لفظه مثنى وليس بمثنى حقيقة لأنه لا واحد له في لفظه، ولم يقصد به التثنية بل التكثير كحنانيك، أي رحمة بعد رحمة أو مع رحمة، وقيل معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم حين نادى بالحج، وقيل محمد عليهما من الله أفضل الصلاة والسلام، قال في تصحيح الفروع: أكثر العلماء على أنه إبراهيم ﷺ وقد قطع به البغوي وغيره من أهل التفسير انتهى. قلت: الصحيح أن الداعي هو الله ﷿ وأن الخطاب في لبيك الله ﷾ لدلالة ما بعده من
[ ١ / ١٣٠ ]
اللفظ اللهم ولا شريك لك وإثبات الحمد والنعمة والملك له سبحانه لا شريك له ويأتي قريبًا ما يؤيد ذلك عن شيخ الإسلام ﵀.
وسن لمن رأى ما يعجبه أو يكرهه أن يقول: لبيك إن العيش عيش الآخرة، قاله ﷺ حين وقف بعرفات ورأى جمع المسلمين. رواه الشافعي وغيره عن مجاهد مرسلا. وقاله ﷺ في أشد أحواله في حفر الخندق. رواه الشافعي أيضا، لكن ليس فيه لبيك بل قال: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، ومعناه أن الحياة المطلوبة الهنيئة الدائمة هي حياة الدار الآخرة. والله أعلم.
قال شيخ الإسلام ﵀: فإذا أحرم لبى بتلبية رسول الله ﷺ: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وإن زاد على ذلك لبيك ذا المعارج أو لبيك وسعديك ونحو ذلك جاز كما كان الصحابة يزيدون ورسول الله ﷺ يسمعهم فلا ينهاهم، وكان هو يداوم على تلبيته ويلبي من حين يحرم سواء ركب دابته أو لم يركبها، والتلبية هي إجابة دعوة الله لخلقه حين دعاهم إلى حج بيته على لسان خليله إبراهيم ﷺ، والملبي هو المستسلم المنقاد لغيره كما ينقاد الذي لبب وأخذ بلبته؛ والمعنى إنا مجيبون لدعوتك مستسلمون لحكمك مطيعون لأمرك مرة بعد مرة دائمًا لا نزال على ذلك، والتلبية شعار الحج فأفضل الحج العَج والثَّج، فالعج رفع الصوت بالتلبية، والثج إراقة دماء الهدي، ولهذا يستحب رفع الصوت بها للرجل بحيث لا يجهد نفسه، والمرأة ترفع صوتها بحيث تسمع رفيقتها، ويستحب الإكثار منها عند اختلاف الأحوال مثل أدبار الصلوات ومثل ما إذا صعد نشزا أو هبط واديا أو سمع ملبيا أو أقبل الليل والنهار أو التقت الرفاق، وكذلك إذا فعل ما نهى عنه.
وقد روى (إنه من لبى حتى تغرب
[ ١ / ١٣١ ]
الشمس فقد أمسى مغفورًا له، وإن دعا عقب التلبية وصلى على النبي ﷺ وسأل الله رضوانه، واستعاذ برحمته من سخطه والنار فحسن، انتهى كلام شيخ الإسلام، وفي حديث جابر: (كان رسول الله ﷺ يلبي في حجته إذا لقي راكبًا أو علا أكمة أو هبط واديا وفي أدبار الصلوات المكتوبة وفي آخر الليل)، وأما استحبابها فيما إذا فعل محظورًا ناسيا، ثم ذكره فلتدارك الحج واستشعار إقامته عليه ورجوعه إليه، وكسر همزة إن أولى من فتحها عند الجماهير، قال ثعلب: من كسر فقد عم، يعني حمد الله على كل حال، ومن فتح فقد خص، أي لبيك لأن الحمد لك أي لهذا السبب الخاص، قال في الفروع، ويقول: لبيك إن أي بكسر الهمزة عند أحمد، قال شيخنا: يعني شيخ الإسلام هو أفضل عند أصحابنا والجمهور انتهى.
وقول الأسنوي: إن الزمخشري نقل عن الشافعي اختيار الفتح رده الأذرعي بأن اختيارات الشافعي لا تؤخذ من الزمخشري لأن أصحاب الشافعي أدرى باختياراته من غيرهم ولم ينقلوا ذلك عنه انتهى. ولا تسن الزيادة على تلبية رسول الله ﷺ لأنه ﷺ لزم تلبيته هذه فكررها ولم يزد عليها ولا تكره الزيادة عليها، نص عليه أحمد لأن ابن عمر كان يلبي تلبية رسول الله ﷺ، ويزيد معها: (لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل) . متفق عليه، يروي في والرغباء فتح الراء والمد وضم الراء مع القصر، وزاد عمر: لبيك ذا النعماء والفضل لبيك لبيك مرغوبًا ومرهوبا إليك لبيك. رواه الأثرم.
وروى أن أنسًا كان يزيد لبيك حقًا حقًا تعبدا ورقًا.
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال في تلبييه: (لبيك إله الحق لبيك) حديث حسن رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وصححه ابن حبان والحاكم. ولا يستحب تكرار التلبية في حالة واحدة قاله
[ ١ / ١٣٢ ]
أحمد، قال في المستوعب وغيره: وقال له الأثرم: ما شيء تفعله العامة يلبون دبر الصلاة ثلاثا؟ فتبسم وقال لا أدري من أين جاءوا به؟
قلت أليس يجزئه مرة؟ قال: بلى لأن المروي التلبية مطلقًا من غير تقييد وذلك يحصل بمرة، وقال الموفق وتبعه الشارح: تكرارها ثلاثا في دبر الصلاة حسن: فإن الله وتر يحب الوتر انتهى.
ولا تشرع التلبية بغير العربية لقادر على التلبية بها لأنها ذكر مشروع فلم تشرع بغير العربية مع القدرة كالآذان والأذكار المشروعة في الصلاة، وإن لم يكن قادرا على العربية لبى بلغته كالتكبير في الصلاة، وقالت الحنفية: وتجوز التلبية بالعربية والفارسية والتركية والهندية وغيرها بأن لسان كان انتهى.
ويستحب التلبية في مكة والمسجد الحرام وسائر مساجد الحرم كمسجد منى وفي عرفات أيضًا وسائر بقاع الحرم لأنها مواضع النسك، قال في الفروع: ولبى النبي ﷺ بمزدلفة قاله ابن مسعود. رواه مسلم، ولبى ابن مسعود من منى إلى عرفة فقيل له ليس اليوم يوم تلبية بل يوم تكبير فقال: (أجهل الناس أم نسوا؟ خرجت مع رسول الله ﷺ فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلا أنه يخالطها تكبير أو تهليل) . رواه أحمد انتهى. ولا بأس أن يلبي الحلال لأنها ذكر مستحب للمحرم فلم تركه لغيره كسائر الأذكار، تلبي المرأة استحبابا لدخولها في العمومات، ويعتبر أن تسمع نفسها التلبية لأنها لا تكون متلفظة بذلك إلا كذلك ويكره جهرها أكثر من سماع رفيقتها، قال ابن المنذر أجمع العلماء على أنه السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها انتهى، وإنما كره لها رفع الصوت مخافة الفتنة بها، ويقطع الحاج التلبية عند رمي أول حصاة من جمرة العقبة، قال الإمام أحمد يلبي حتى يرمي جمرة العقبة يقطع عند أول حصاة وفاقًا للحنفية والشافعية لأن في الصحيحين عن ابن عباس (أن أسامة كان ردف النبي صلى الله عليه
[ ١ / ١٣٣ ]
وسلم من عرفة إلى المزدلفة ثم أردف الفضل من مزدلفة إلى منى فكلاهما قال لم يزل النبي ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة)، وللنسائي فلما رمى قطع التلبية، ورواه حنبل: قطع عند أول حصاة، وأصح الروايتين عن مالك قطع التلبية إذا زالت الشمس من يوم عرفة.
(تنبيه): المحرم لا يخلو من أربع حالات لأنه إما أن يكون محرما بعمرة متمتعا بها إلى الحج أو مفردًا أو قارنا أو معتمرا عمرة، ففي حالة إحرامه بعمرة متمتعًا بها إلى الحج أو بعمرة مفردة يقطع التلبية إذا شرع في طواف العمرة، وفي حالة إفراده بالحج أو قرانه بين الحج والعمرة له أن يلبي سرًا في طواف القدوم والسعي بعده ويكره له رفع الصوت بالتلبية لئلا يشغل الطائفين عن طوافهم وأذكارهم، وفي حالة ما إذا كان حاجًا سواء كان متمتعًا أو مفردا أو قارنا فإنه يقطع التلبية عند رمي أول حصاة من جمرة العقبة، والله أعلم، قال الإمام أحمد ﵀: إذا حج عن رجل يقول أول ما يلبي: عن فلان ثم لا يبالي أن لا يقول بعد، وذلك لقول النبي ﷺ للذي سمعه يلبي عن شبرمة (لب عن نفسك ثم لب عن شبرمة) وقد بوب للحديث أبو البركات المجد ابن تيمية في المنتقى. فقال: باب من حج عن غيره ولم يكن حج عن نفسه، ثم قال عن ابن عباس: (إن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة قال: مَن شبرمة؟ قال أخ لي أو قريب لي قال حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) . رواه أبو داود وابن ماجة، وقال: فاجعل هذه عن نفسك ثم احجج عن شبرمة، والدارقطني، وفقيه قال: (هذه عنك وحج عن شبرمة) . انتهى، وقد أخرج هذا الحديث أيضًا ابن حبان وصححه والبيهقي وقال إسناده صحيح، وليس في هذا الباب أصح منه.
قال في
[ ١ / ١٣٤ ]
نيل الأوطار: وقد روى موقوفًا والرفع زيادة يتعين قبولها إذا جاءت من طريق ثقة، وهي ههنا كذلك لأن الذي رفعه عبدة بن سليمان، قال الحافظ وهو ثقة محتج به في الصحيحين وقد تابعه على رفعه محمد بن بسر ومحمد بن عبيد الله الأنصاري وكذا رجح عبد الحق، وابن القطان رفعه، ورجح الطحاوي أنه موقوف وتمامه فيه، وعند الشافعية التلبية سنة وليست واجبة وفاقا لنا، وعند أبي حنيفة أنها من شرط الإحرام لا يصح إلا بها كالتكبير للصلاة، وعند المالكية أنها واجبة يجب بتركها دم. والله أعلم.
(تنبيه مهم جدًا): ينبغي أن يحذر الملبي في حال تلبيته من أمور يفعلها بعض الغافلين: من الضحك واللعب ونحو ذلك، وليكن مقبلًا على ما هو بصدده بسكينة ووقار وليشعر نفسه أنه يجيب ربه وبارئه ﷾، فإن أقبل على الله بقلبه مخلصا له في القول والعمل خائفًا من ربه راجيًا له أقبل الله عليه وأثابه فإن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وإن أعرض عن الله تعالى وتعلق على غيره وارتكب شيئًا من البدع أو الفسوق أو العصيان أو الرياء أو المباهاة، أعرض الله عنه وأحبط عمله، عياذًا بالله من الخذلان، ومن نزغات الشيطان، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.