ويصح الحج والعمرة من صغير ذكر أو أنثى ولو ولد لحظة، فإن كان مميزًا أحرم بإذن وليه، وإن لم يكن مميزًا أحرم عنه وليه فيصير الصغير محرمًا بذلك، وهو مذهب المالكية والشافعية.
وقالت الحنفية: لا ينعقد إحرام الصبي ولا يصير محرمًا بإحرام وليه، لأن الإحرام سبب يلزم به حكم فلم يصح من الصبي كالنذر، ودليل من قال بالصحة حديث ابن عباس: (أن امرأة رفعت إلى النبي ﷺ صبيًا فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر) . رواه مسلم.
قال في المنتهى وشرحه: ويُحرم ولي في مال عمن لم يميز لتعذر النية منه، وولي المال الأب أو وصيه أو الحاكم، وظاهره لا يصح من غيرهم بلا إذنهم. قلت إن لم يكن ولي فمن يلي الصغير يعقد له كما ذكره في الإقناع وغيره في قبول زكاة وهبة انتهى.
قال الشيخ محمد الخلوتي: وهذا ظاهر قوله ﷺ: (نعم ولك أجر) حيث لم يستفصل فيسأل هل له أب حاضر أو لا؟ انتهى.
قال الموفق في المغني: فإن أحرمت عنه أمه صح لقول النبي
[ ١ / ١٢ ]
ﷺ: (ولك أجر) ولا يضاف الأجر إليها إلا لونه تبعًا لا في الإحرام، قال الإمام أحمد في رواية حنبل: يحرم عنه أبوه أو وليه واختاره ابن عقيل، وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه لا يحرم عنه إلا وليه، لأنه لا ولاية للأم على ماله، والإحرام يتعلق به إلزام مال فلا يصح من غير ذي ولاية كشراء شيء له، فأما غير الأم والولي من الأقارب كالأخ والعم وابنه فيخرَّج فيهم وجهان بناء على القول في الأم. أما الأجانب فلا يصح إحرامهم عنه وجهًا واحدًا انتهى ملخصًا؛ ومعنى إحرام الولي عنه، نيته لإحرام له فيجرده كما يجرد الكبير نفسه، ويعقد له الإحرام، ويصير الصغير محرمًا سواء كان الولي محرمًا أو حلالًا ممن عليه حجة الإسلام، أو ممن كان قد حج عن نفسه، ولأن الولي يعقد له النكاح ولو كان مع الولي أربع نسوة، ويقع إحرام الصغير لازما، وحكمه كالمكلف نصًا، قال في الغاية وشرحها: ويتجه احتمال قوي الصحة لو أحرم الولي عن نفسه وعن موليه الغير المميز معًا، كما لو جعل لكل إحرامًا على حدته وهو متجه انتهى.
وعليه فيقول: أدخلت نفسي وهذا الصغير في نسك كذا ونحو ذلك، ويعايا بها فيقال: شخص يصح أن يحرم عن غيره بالحج في حال إحرامه عن نفسه، ويجاب عنها فيقال هذا في الولي فإنه يصح أن يحرم عن الطفل المولى عليه ولو كان الولي محرمًا، والله أعلم.
ويحرم مميز بإذن الولي عن نفسه لأنه يصح وضوءه فيصح إحرامه كالبالغ، وليس لولي المميز تحليله إذا أحرم كالبالغ.
ولا يصح إحرام المميز بغير إذن وليه لأنه يؤدي إلى لزوم ما لم يلزم فلم ينعقد بنفسه كالبيع؛ ولا يحرم الولي عن المميز لعدم الدليل على ذلك وكل ما أمكن الصغير، مميزًا كان أو دونه، فعله بنفسه كالوقوف بعرفة والمبيت
[ ١ / ١٣ ]
بمزدلفة وليالي منى لزمه فعله؛ بمعنى أنه لا يصح أن يفعل عنه لعدم الحاجة إليه، لا بمعنى أنه يأثم بتركه لأنه غير مكلف سواء أحضره الولي فيهما، أعني الوقوف والمبيت أو غير الولي أو لم يحضره أحد، ويفعل ولي بنفسه أو نائبه عن مميز وغيره ما يعجزهما من أفعال حج وعمرة، لكن لا يبدأ ولي أو نائبه في رمي جمرات إلا بنفسه كنيابة حج، فإن بدأ برمي عن موليه وقع عن نفسه إن كان محرمًا بفرضه، كمن أحرم عن غيره وعليه حجة الإسلام، قال في المغني: ولا يجوز أن يرمي عنه إلا من قد رمى عن نفسه لأنه لا يجوز أن ينوب عن الغير وعليه فرض نفسه، قال في المنتهى وشرحه: لكن لا يبدأ ولي في رمي جمرات إلا بنفسه كنيابة حج، فإن رمى عن موليه وقع عن نفسه إن كان محرمًا بفرضه انتهى.
قال الشيخ محمد الخلوتي على قول صاحب المنتهى لكن لا يبدأ في رمي إلا بنفسه: أي فيما إذا كان حج فرض كما قيد به في شرحه، قال في الإقناع وشرحه: وما عجز عنه الصغير فعله عنه الولي لكن لا يجوز أن يرمي عنه: أي عن الصغير إلا من رمى عن نفسه كما في النيابة في الحج إن كان الولي محرمًا بفرضه، قاله في المبدع وشرح المنتهى، وإن رمى عن الصغير أولا وقع الرمي عن نفسه كمن أحرم عن غيره وعليه حجة الإسلام، انتهى ملخصًا.
قلت: يفهم من كلامهم أنه إذا كان الولي محرمًا بنفل الحج أنه يجوز له أن يرمي عن موليه قبل رميه عن نفسه، ويقاس عليه النائب في رمي الجمار إذا رمى عن مستنيبه قبل نفسه إذا كان النائب محرمًا بنفل الحج، ويأتي البحث في ذلك مستوفى عند ذكر رمي الجمار، والله الموفق للصواب.
قال الشيخ مرعي في الغاية: ويتجه أنه لا يصح رمي عن صغير من غير موليه كما لا يصح الإحرام من غيره عنه وتقدم وهو متجه، قال شارح الغاية أو من أذن له الولي كبقية أفعال الحج انتهى.
وهو
[ ١ / ١٤ ]
صريح في كلامهم حيث قالوا ويفعل ولي صغير ومميز بنفسه أو نائبه ما يعجزهما من أفعال الحج، قال الموفق في المغني: قال الإمام أحم يرمي عن الصبي أبواه أو وليه انتهى.
وكان ابن عمر ﵄ يحج بصبيانه وهم صغار فمن استطاع منهم أن يرمي رمى، ومن لم يستطع أن يرمي، رمى عنه، وإن كان الولي حلالًا لم يعتد برميه لأنه لا يصح منه لنفسه رمى، فلا يصح عن غيره، ومعنى هذا أنه لا يعتد برمي الحلال وهو من لم يحج في هذه السنة التي رمى فيها لأنه غير متلبس بعبادة الحج في هذه السنة فلم يكن صالحًا لأدائها ولا شيء منها ولذا لم يصح منه الرمي عن نفسه لكونه لم يحج، وإذا لم يصح منه عن نفسه فعن غيره من باب أولى، هذا ما ظهر لي، والله أعلم.
ولا يرد عليه إحرام الولي عمن لم يميز حيث كان يصح إحرامه عنه ولو كان حلالًا، لأنا نقول إذا عقد الولي الإحرام للصغير صار الصغير محرمًا كما تقدم قريبًا، وإن أمكن الصبي أن يناول النائب الحصا ناوله إياه وإلا استحب أن توضع الحصاة في كفه ثم تؤخذ فترمى عنه، فإن وضعها النائب في يده ورمى بها عنه فجعل يده كالآلة فحسن ليوجد منه نوع عمل، وإن أمكن الصغير أن يطوف ماشيًا فعله كالكبير وإلا طيف به محمولًا أو راكبًا كالمريض، ويجوز وإن لم يكن الطفل طاهرًا لأن طهارته ليست شرطًا لصحة طوافه، فيعايا بها فيقال: شخص صح طوافه بلا طهارة ولا تيمم من غير عجز عن استعمال ذلك ولا عدم، ولا فرق بين أن يكون الحامل له حلالا أو حرامًا ممن أسقط الفرض عن نفسه أولًا جعلًا للحامل له بمنزلة المركوب ولوجود الطواف من الصبي كمحمول مريض، ولم يوجد من الحامل إلا النية كحالة الإحرام بخلاف الرمي.
وتعتبر النية من الطائف به، فإن لم ينو الطواف عن الصبي لم يجزئه، قال في الإقناع: وتعتبر النية
[ ١ / ١٥ ]
من الطائف به، قال الشيخ منصور: ولعله إذا كان دون التمييز وإلا فلا بد من النية منه كالإحرام انتهى.
قال في المنتهى: ويعتبر نية طائف به انتهى، قال الشيخ محمد الخلوتي: لعله في غير المميز على قياس الإحرام، وعلى قياسه أيضًا أنه إذا كان مميزًا يأتي به لنفسه بنيته بإذن وليه انتهى.
ويعتبر كونه ممن يصح أن يعقد له الإحرام بأن يكون وليه أو نائبه لأن الطواف تعتبر له النية فلما تعذرت من الصغير اعتبرت ممن له النيابة عنه بالشرع، بخلاف الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ومنى، فإن نوى الطائف بالصغير الطواف عن نفسه وعن الصبي وقع الطواف عن الصبي كالكبير يطاف به محمولًا لعذر، لأن الطواف فعل واحد لا يصح وقوعه عن اثنين، ونفقه الحج التي تزيد على نفقة الحضر وكفارته في مال وليه إن كان وليه أنشأ السفر به تمرينًا على الطاعة لأنه السبب فيه وكما لو أتلف مال غيره بأمره قال ابن عقيل، ولا حاجة إلى التمرن على الحج لأنه لا يجب في العمر إلا مرة واحدة وقد لا يجب إذا فقدت شروطه أو أحدهما.
وأما نفقة الحضر، ففي مال الصبي بكل حال لأنه لا بد له منها مقيمًا كان أو مسافرًا، وأما سفر الصبي مع الولي للتجارة أو الخدمة أو إلى مكة ليستوطنها أو ليقيم بها لعلم أو غيره مما يباح للولي السفر بالصبي في وقت الحج وغيره ومع الإحرام وعدمه، فلا نفقة على الولي بل هي على الصبي قال في المبدع رواية واحدة، وعمد صغير وعمد مجنون لمحظور خطأ لا يجب فيه إلا ما يجب في خطأ المكلف أو في نسيانه لعدم اعتبار قصدهما فلا يجب بفعلهما شيء إلا فيما يجب على المكلف في خطأ ونسيان كإزالة الشعر وتقليم الظفر وقتل الصيد والوطء، بخلاف الطيب ولبس المخيط وتغطية الرأس.
قال الشيخ الخلوتي: أي إذا طرأ جنونه بعد إحرامه وإلا فسيأتي أن الإحرام لا ينعقد مع الجنون ولا الإغماء
[ ١ / ١٦ ]
ولا السكر انتهى.
قلت: يأتي ذلك في باب الإحرام وتقدم شيء منه، وإن فعل الولي بهما فعلًا لمصلحة كتغطية رأس الصغير أو المجنون المحرم لبرد أو حر أو تطيبه لمرض أو حلق رأسه لأذى، فكفارته على الولي إذا كان الولي أنشأ السفر به تمرينا على الطاعة، أما لو سافر به لتجارة ونحوها فهي في مال الصبي كما لو فعله الصبي نفسه، هذا مقتضى ما نقله في الفروع والمبدع، وشرح المنتهى لمؤلفه الفتوحي عن المجد واقتصروا عليه، فأما إن فعله الولي لا لعذر فكفارته عليه بكل حال كمن حلق رأس محرم بغير إذنه، قال في المنتهى وشرحه: وإن وجب في كفارة على ولي بأن أنشأ السفر به تمرينا على الطاعة صوم صام الولي عنه لوجوبها عليه ابتداء كصوم عن نفسه، وعلم منه أن الكفارة لو لم تجب على الولي ودخلها صوم لم يصم الولي، لأن الواجب بأصل الشرع لا تدخله النيابة انتهى.
قال الشيخ منصور في حاشيته على المنتهى: قوله وإن وجب في كفارة على ولي إلى آخره، يعني إذا وجبت الكفارة على الولي لكونه أنشأ السفر به تمرينا على الطاعة وكان فيها صوم فللولي الصوم لوجوبها عليه ابتداء كصومه عن نفسه، وعلم منه أنه لا يصوم في كفارة عن الصبي حيث وجبت عليه لأن الواجب بأصل الشرع لا تدخله النيابة كما مر، هذا مفهوم كلامه في الفروع.
وعبارة التنقيح وتبعه في الإقناع: وإن وجب في كفارة صوم صام الولي فعمومه يتناول ما إذا كانت الكفارة على الولي أو الصبي، وهل هو مراد لكون الصوم إذًا من توابع الحج فتدخله النيابة تبعًا كركعتي الطواف، ويكون مخالفًا لكلام الفروع كما هو مقتضى قوله، يعني صاحب التنقيح في أول خطبته: وإن وجدت فيه شيئًا مخالفًا لأصله أو غيره فاعتمده فإنه وضع عن تحرير أوْ لا لكونه جزم في الإنصاف بما قاله في الفروع غير حاكٍ فيه خلافًا، ولعل
[ ١ / ١٧ ]
هذا هو حكمة عدول المصنف، يعني الشيخ محمد بن أحمد الفتوحي في المنتهى عما في التنقيح مع كونه التزمه أولًا انتهى.
قال الشيخ محمد الخلوتي في حاشية المنتهى: قوله وإن وجب في كفارة إلى آخره هذه العبارة تبع المصنف فيها ظاهر كلام الفروع وهو مخالف لظاهر عبارة التنقيح، وعبارته في التنقيح: وإن وجب في كفارة صوم صام الولي وتبعه في الإقناع في التعبير، وكل من العبارتين مشكل، أما الأولى فلما فيها من التناقض بحسب الظاهر لأن صدرها يقتضي أن الكفارة استقرت على الولي، وقوله عنه يقتضي أنها وجبت على مَوليه، وأما الثانية فلأن إطلاقها يقتضي أنه متى وجب في الكفارة صوم سواء كانت وجبت على الولي أو الصغير لزم الولي الصوم، فيقتضي أن ما وجب في الصوم بأصل الشرع تدخله النيابة. فإن قلت: أي العبارتين أولى؟ قلت: الأولى. ويجاب عن التناقض اللازم عليها بأن قوله صام عنه ليس لكون الكفارة استقرت على الصبي بل لكون الوجوب جاء من جهته لأن أصل الفعل عنه، وبأن الضمير في عنه راجع للواجب لا للصغير وإن كان هذا خلال حل شيخنا، يعني خاله الشيخ منصورًا في شرحه. وعبارة المبدع، فإذا وجبت على الولي ودخل فيها الصوم فصومها عن نفسه انتهى.
وهي معينة للمراد من عبارة المصنف، يعني صاحب المنتهى، ولو أسقط يعني صاحب المنتهى لفظ عن لكان أظهر للمراد انتهى كلام الخلوتي.
قال الشيخ عثمان بن قائد في حاشية المنتهى: قوله صام عنه؛ المتبادر من عبارته أن الصوم عن الصغير، وهو مناقض لقوله وجب على ولي. والحاصل أن صوم كفارة واجبة على ولي واجب على الولي، وصوم كفارة في مال الصبي واجب على الصبي إذا بلغ كما ذكره منصور. وفي المبدع: متى دخل في الكفارة اللازمة للولي صوم صام عن نفسه، وهي ظاهرة لا غبار
[ ١ / ١٨ ]
عليها فيتعين حمل ما نهى على ذلك بأن يراد بقوله عنه: أي عن ذلك الواجب، اللهم إلا أن يقال معنى كونه عن الصغير أن الوجوب إنما جاء من جهته فنسب إليه، وفي التنقيح والإقناع وإن وجب في كفارة صوم صام الولي وفيها عموم غير مراد بقرينة أنه جزم في الإنصاف بما قاله في الفروع الذي جزم به المصنف، يعني صاحب المنتهى هنا غير حاك فيه خلافًا، قال منصور: ولعل هذا حكمة عدول المصنف عما في التنقيح مع كونه التزمه أولًا فما هنا أولى من عبارتهما على ما فيه فتأمل انتهى كلام عثمان.
قال الشيخ منصور في شرح الإقناع بعد كلام سبق: وعلى هذا لو كانت الكفارة على الصبي ووجب فيها صوم لم يصم الولي عنه بل يبقى في ذمته حتى يبلغ. فإن مات أطعم عنه كقضاء رمضان وهذا مقتضى كلامه أيضًا في المبدع وشرح المنتهى لمؤلفه.
انتهى كلام الشيخ منصور وفي الغاية للشيخ مرعي: وإن وجب في كفارة مطلقًا صوم صام ولي خلافا للمنتهي في تفصيله، إذ الصوم لا يصح ممن لم يميز ومن مميز نفل انتهى.
قال الشيخ سليمان بن علي في منسكه: وإن وجب في كفارة صوم صام ولي إذ الصوم من الطفل لا يصح ومن المميز نفل انتهى.
تبنيه: تبين من العبارات المتقدمة حصول الخلاف في هذه المسألة فصاحب الفروع والإنصاف فيه والمبدع والمنتهى وشرحيه للمؤلف ومنصور. وحاشية الشيخ منصور على المنتهى وشرحه على الإقناع، والشيخ محمد الخلوتي في حاشيته على المنتهى، والشيخ عثمان بن قائد النجدي في حاشيته على المنتهى يرون أنه إذا وجبت الكفارة على الولي ودخلها صوم صام الولي، وإن وجبت الكفارة على الصبي فلا يصوم الولي عنه؛ وأما صاحب التنقيح فيه وصاحب الإقناع والغاية وسليمان بن علي فيرون أنه إذا وجب في كفارة صوم صام الولي
[ ١ / ١٩ ]
سواء كانت الكفارة على الولي أو الصبي.
فإن قيل: أي القولين أولى؟ قلت الأول. ويكون حكم المسألة في هذا كما قاله الشيخ منصور حيث قال: وعلى هذا لو كانت الكفارة على الصبي ووجب فيها صوم لم يصم الولي عنه بل يبقى في ذمته حتى يبلغ، فإن مات أطعم عنه كقضاء رمضان انتهى كلام منصور، والله أعلم.
ووطء الصبي كوطء البالغ ناسيًا، فإن كان قبل التحلل الأول أفسد حجه وإلا فلا ويمضي في فاسده ويلزمه القضاء بعد البلوغ نصًا، ويعايا بها فيقال: صبي مميز كلفناه بالحج في صباه مع أنه لا يصح إلا بعد البلوغ ويجاب عنها فيقال: هذا فيما إذا أحرم بالحج بإذن وليه ثم أفسده بالجماع فإنه يلزمه القضاء لكن لا يصح إلا بعد البلوغ في المنصوص، فلو قضاه قبل بلوغه لم يصح نص عليه لأنه إفساد لإحرام لازم وذلك يقتضي وجوب القضاء، ونية الصبي تمنع التكليف بفعل العبادات البدنية لضعفه عنها، ونظير ذلك وجود الاحتلام أو الوطء من المجنون، فإنه يوجب الغسل عليه لوجود سببه ولا يصح منه إلا بعد الإفاقة لفقد أهليته للغسل في الحال.
وكذا الحكم إذا تحلل الصبي من إحرامه لفوات وقت الوقوف فإن يقتضيه إذا بلغ، وفي الهدي التفصيل السابق أو تحلل الصبي لإحصار، وقلنا يجب القضاء يقضيه إذا بلغ والفدية على ما سبق، ويأتي أن المحصر لا يلزمه قضاء، لكن إذا أراد الصبي القضاء، بعد البلوغ لزمه أن يقدم حجة الإسلام على المقضية كالمنذورة، فلو خالف وقدم المقضية على حجة الإسلام فهو كالحر البالغ يحرم قبل الفرض بغيره فينصرف نفله إلى حجة الإسلام ثم يقضي بعد ذلك، ومتى بلغ الصبي في الحجة الفاسدة التي وطيء فيها في حال يجزئه عن حجة الفرض لو كانت صحيحة بأن بلغ وهو بعرفة أو بعده وعاد فوقف في وقته ولم يكن سعى
[ ١ / ٢٠ ]
بعد طواف القدوم لحجة أو قرانه فإنه يمضي في تلك الحجة التي بلغ في أثنائها ثم يقضيها فورًا ويجزئه ذلك الحج القضاء عن حجة الإسلام والقضاء كما يأتي نظيره في العبد، أما إن كان قد سعى بعد طواف القدوم، فقد تقدم في الشرط الثالث من شروط الحج الكلام في ذلك فراجعه إن أردت، وذكر الموفق في المغني وجهًا أن الصبي لا يجب عليه القضاء إذا أفسد حجه لئلا تجب عبادة بدنية على من ليس من أهل التكليف، وهذا الوجه وجيه، والله أعلم.