ويحرم قطع شجر الحرم المكي حتى ما فيه مضرة كشوك وعوسج بفتح العين والسين المهملتين معروف ذو شوك لعموم قوله ﷺ (ولا يعضد شجرها)، وقال أكثر الأصحاب: لا يحرم ما فيه مضرة كشوك وعوسج لأنه مؤذٍ بطبعه كالسياع ذكره في المبدع، ويحرم قطع حشيش الحرم لقوله ﷺ (لا يختلى خلاها) حتى شوك وورق وسواك ونحوه ويضمن القاطع ذلك كما يأتي إلا اليابس من شجر وحشيش وورق ونحوها
[ ١ / ٢٣٠ ]
لأنه بمنزلة الميت، وإلا ما زال بفعل غير آدمي فيجوز الانتفاع به نص عليه لأن الخبر في القطع وإلا ما انكسر ومل يبن أي ينفصل فإنه كظفر منكسر، وإلا الإذخر لقول العباس: (يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوتهم قال: إلا الإذخر) وهو بكسر الخاء والهمزة: نبت طيب الرائحة، والقين الحداد، وإلا الكمأة والفقع لأنهما ليسا بشجر ولا حشيس، والفقع نوع من الكمأة وهو الأبيض الرخو، وإلا الثمرة لأنها تستخلف، وإلا ما زرعه آدمي من بقل ورياحين وزرع وشجر غرس من غير شجر الحرم فيباح أخذه والانتفاع به لأنه مملوك الأصل كالأنعام وقوله ﷺ: (ولا يقطع شجرها) المراد ما لا يملكه أحد لأن هذا يضاف إلى مالكه، ويباح رعي حشيش الحرم، لأن الهدايا كانت تدخل الحرم فتكثر فيه، ولم ينقل سد أفواهها، ولدعاء الحاجة إليه أشبه قطع الإذخر، بخلاف الاحتشاش لها فإنه لا يجوز.
قال الجوهري: الحشيش والهشيم: اليابس من الكلأ والخلا مقصور، والعشب: الرطب منه، قال ابن نصر الله البغدادي في حواشي المحرر: فكان ينبغي للمصنف أن يقول في رعي عشبه لأن الحشيش دخل في قوله إلا اليابس، وكأن المصنف أطلق اسم الحشيش على الرطب تجوزًا باعتبار ما يئول إليه انتهى.
ويباح انتفاع بما زال من شجر الحرم أو انكسر من أغصانه بغير فعل آدمي نصًا ولو لم يبن أي ينفصل لتلفه فصار كالظفر المنكسر وتقدم، ويجوز الانتفاع بالورق الساقط، وإذا قطع الآدمي ما يحرم قطعه من شجر الحرم وحشيشه ونحوه حرم انتفاعه به، وحرم انتفاع غيره به لأنه ممنوع من إتلافه لحرمة الحرم فإذا قطعه من يحرم عليه لم ينتفع به كصيد ذبحه محرم لا يحل له ولا لغيره، ومن قطع شجر الحرم وحشيشه ونحوه ضمن الشجرة الكبيرة والمتوسطة عرفا ببقرة وضمن الصغيرة عرفا بشاة لما روي عن ابن عباس
[ ١ / ٢٣١ ]
(في الدوحة بقرة وفي الجزلة شاة) وقاله عطاء، والدوحة الشجرة العظيمة والجزلة الصغيرة، ويخير من وجب عليه جزاء شجر الحرم وحشيشه وصيده بين الشاة أو البقرة فيذبحها ويفرقها أو يطلقها لمساكين الحرم وبين تقويم البقرة أو الشاة بدراهم ويفعل بقيمتها كجزاء صيد بأن يشتري بها طعامًا يجزئ في فطرة فيطعم كل مسكين مدبر أو نصف صاع من غيره، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يومًا، ويضمن الحشيش والورق بقيمته نص عليه الإمام أحمد لأن الأصل وجوب القيمة ويتخير فيها كجزاء صيد لا مثل له ويفعل بالقيمة كما سبق، ويضمن الغصن بما نقص أصله كأعضاء الحيوان وكما لو جنى على مال آدمي فنقص، وبفعل بأرشه كما مر، فإن استخلف الغصن والحشيش والورق ونحوه سقط الضمان كما لو قطع شعر آدمي ثم نبت أو ريش صيد فعاد.
وكذا لو رد شجرة قلعها من الحرم إليه فنبتت فلا ضمان عليه لأنه لم يتلفها ويضمن نقصها إن نبتت ناقصة لتسببه فيه، وإن قلع شجرة من الحرم فغرسها في الحل لزمه ردها إلى الحرم لإزالة حرمتها فإن تعذر ردها أو يبست ضمنها لأنه أتلفها، أو قلعها من الحرم فغرسها في الحرم فيبست ضمنها فإن قلع الشجرة المنقولة من الحرم إلى الحل غير الغارس لها بالحل ضمنها القالع وحده لأنه المتلف لها.
قال في الغاية: فلو قلعها غيره من الحل ضمنها الغير، ويتجه مع إمكان رد لا بدونه وأنه ينتفع بها إذا انتهى، ويضمن من نفر صيدًا من الحرم فخرج إلى الحل فقتله غيره فيه لتفويت المنفر حرمته بإخراجه إلى الحل ولا ضمان على قاتله بالحل، قال مرعي في الغاية: ويتجه مع قصد تنفير انتهى، يعني أن من نفر صيدًا من الحرم إلى الحل فقتله غيره يضمن مع قصد التنفير. وهذا الاتاه وجيه لأنه إذا لم يقصد تنفيره لا يكون مؤاخذًا به، والله أعلم.
ويضمن من أخرج صيدًا من الحرم إلى الحل إذا قتل به إن لم يرده إلى
[ ١ / ٢٣٢ ]
الحرم فإن رده إليه فلا ضمان، والفرق بين الشجر والصيد أن الشجر لا ينتقل بنفسه ولا تزول حرمته بإخراجه إلى الحل: ولهذا وجب على مخرجه رده فكان جزاؤه على متلفه بخلاف الصيد فإن تنفيره يفوت حرمته بإخراجه إلى الحل فلزم منفره أو مخرجه جزاؤه، فلو فداه أي الصيد الذي نفره أو أخرجه إلى الحل ثم ولد الصيد وقتل ولده لم يضمن منفره أو مخرجه ولده لأنه ليس من صيد الحرم.
قال الخلوتي لعله ما لم تكن حاملًا قبل الإخراج انتهى، ويضمن من قطع غصنًا في هواء الحل أصل الغصن أو بعض أصله بالحرم لتبعيته لأصله بخلاف ما لو قتل الحلال صيدًا على غصن في الحل أصله في الحرم فلا جزاء فيه لتبعية الهواء للقرار وقراره حل فلا يكون صيده معصومًا وتقدم، ولا يضمن ما قطعه من غصن بهواء الحرم وأصله كله بالحل لتبعيته لأصله بخلاف ما لو قتل صيدًا على غصن في الحرم وأصله في الحل فإنه يضمنه لأن الهواء تابع للقرار فهو من صيد الحرم وتقدم.
قال الخلوتي على قوله في المنتهى ولا يضمن ما قطعه من غصن بهواء الحرم وأصله بالحل لأن الغصن تابع لأصله يرد عليه ما تقدم فيما إذا قتل صيدًا على غصن بالحرم وأصله بالحل فتدبر، وقد يفرق بأن الصيد لما كان معتمدًا على الغصن الذي هو بالحرم جعل كأنه أصله وهواؤه تابع لقراره هو، وأما الغصن نفسه فهو تابع لأصله لا لقراره فتدبر، انتهى.
ْْْْْْْْْْْ