ثم يخرج إلى الصفا من بابه: أي باب المسجد المعروف بباب الصفا، والصفا: طرف جبل أبي قبيس عليه درج وفوقه أزج كإيوان، وبعد العمارة الجديد صار فوقه قبة وأزيل الأزج فيرقى عليه حتى يرى البيت إن أمكنه فيستقبله لحديث أبي هريرة: (إن النبي ﷺ لما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو ما شاء أن يدعو) . رواه مسلم، وفي حديث جابر: (فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة) . الحديث رواه مسلم، ويكبر ثلاثًا ويقول ثلاثًا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده؛ والأحزاب هم الذين تحزبوا على النبي ﷺ في غزوة الخندق: قريش وغطفان واليهود ويقول: لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. اللهم اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك، اللهم جنبني حدودك: أي محارمك، اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهم يسر لي اليسرى وجنبني العسرى واغفر لي في الآخرة والأولى واجعلني من أئمة المتقين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لي خطيئتي يوم الدين، اللهم إنك قلت وقولك الحق: ادعوني أستجب لكم، وإنك لا تخلف الميعاد، اللهم إذ هديتني للإسلام فلا تنزعني منه ولا تنزعه مني حتى تتوفاني على الإسلام، اللهم لا تقدمني للعذاب ولا تؤخرني لسوء الفتن) .
هذا دعاء ابن عمر، قال الإمام أحمد يدعو به، قال نافع بعده: ويدعو دعاء كثيرًا حتى إنه ليملنا ونحن شباب
[ ١ / ٣٠٠ ]
ولا يلبي على الصفا لعدم وروده ويأتي حكم التلبية في السعي إن شاء الله تعالى ثم ينزل من الصفا فيمشي حتى يبقى بينه وبين العلم وهو الميل الأخضر في ركن المسجد على يساره نحو ستة أذرع فيسعى ماش بالتنوين فاعل يسعى سعيًا شديدًا ندبًا بشرط أن لا يؤذي ولا يؤذى حتى يتوسط بين الميلين الأخضرين وهما العلمان أحدهما بركن المسجد والآخر بالوضع المعروف بدار العباس، وقد أزيلت الدار للتوسعة وهما بعد العمارة الجديدة بجداري المسعى، فيترك شدة السعي حتى يأتي المروة، وهي أنف جبل قيقعان فيرقى عليها ويستقبل القبلة ويقول عليها ما قال على الصفا لما في حديث جابر، قال ابن القيم ﵀: (ثم نزل ﷺ من الصفا إلى المروة يمشي فلما انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا جاوز الوادي وأصعد مشى) هذا الذي صح عنه وذلك اليوم قبل الميلين الأخضرين في أول السعي وآخره، والظاهر أن الوادي لم يتغير عن وضعه هكذا، قال جابر عنه في صحيح مسلم: وظاهر هذا أنه كان ماشيًا، وقد روى مسلم في صحيحه عن ابن الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: (طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة ليراه الناس وليشرف ولم يطف رسول الله ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا) .
قال ابن حزم: لا تعارض بينهما لأن الراكب إذا انصب به بعيره فقد انصب كله وانصبت قدماه أيضًا مع سائر جسده، وعندي في الجمع بينهما وجه آخر أحسن من هذا، وهو أنه سعى ماشيًا أولًا ثم أتم سعيه راكبًا وقد جاء ذلك مصرحًا به، ففي صحيح مسلم عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبًا أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة، قال صدقوا وكذبوا: قال قلت: ما قولك صدقوا وكذبوا؟ قال: إن رسول الله
[ ١ / ٣٠١ ]
ﷺ كثير عليه الناس يقولون: هذا محمد حتى خرج عليه العواتق من البيوت قال: وكان رسول الله ﷺ لا يضرب الناس بين يديه قال فلما كثر عليه الناس ركب) والمشي أفضل. انتهى.
(تنبيه): وجه مشروعية السعي الشديد لما روى أحمد في المسند عن حبيبة بنت أبي تجراه قالت: (رأيت رسول الله ﷺ يطف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره وهو يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي) . وحديث حبيبة هذا أخرجه الشافعي أيضًا وغيره من حديث صفية بنت شيبة عن حبيبة، وفي إسناده عبد الله بن المؤمل وهو ضعيف، وله طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة والطبراني عن ابن عباس، قال ابن حجر في الفتح: وإذا انضمت إلى الأولى قويت، قوله بنت أبي تجراه قال في الفتح بكسر المثناة وسكون الجيم بعدها راء ثم ألف ساكنة ثم هاء: وهي إحدى نساء بني عبد الدار، قوله يدور به إزاره وفي لفظ آخر: وإن مئزره ليدور من شدة السعي، والضمير في قوله به يرجع إلى الركبتين أي يدور إزاره بركبتيه انتهى، وفي سنن ابن ماجة عن حبيبة بنت أبي تجراه إحدى نساء بني عبد الدار، قالت: (دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين ننظر إلى رسول الله ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة وإن مئزره ليدور في وسطه من شدة سعيه حتى إني لأقول إني لأرى ركبتيه وسمعته يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي) ذكره في المغني، ولما روت صفية بنت شيبة عن أم ولد شيبة قالت: (رأيت رسول الله ﷺ يسعى بين الصفا والمروة وهو يقول: لا يقطع الأبطح إلا شدًا) ولما روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: (جاء إبراهيم ﵇
[ ١ / ٣٠٢ ]
بهاجر وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يؤمئذ أحد وليس بها ماء ووضع عندهما جرابًا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقًا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا وجعل لا يلتفت إليها فقالت له: آلله الذي أمرك بهذا؟ قال:
نعم، قالت: إذًا لا يضيعنا، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال: (رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك الحرام، حتى بلغ يشكرون) وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقا عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى. أو قال يتلبط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس قال النبي ﷺ فذلك سعى الناس بينهما، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت صهَ، تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضًا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء) وللأثر بقية تأتي إن شاء الله عند الكلام على ماء زمزم وفضله.
ويجب استيعاب ما بين الصفا والمروة لفعله ﵊ وقوله: (خذوا عني مناسككم) فإن لم يرقهما ألصق عقب رجليه بأسفل الصفا وألصق أصابعهما بأسفل المروة ليستوعب ما بينهما وإن كان راكبًا لعذر فعل ذلك
[ ١ / ٣٠٣ ]
بدابته وهذا كان أولًا، أما بعد العمارة الجديدة فالظاهر أنه لا يكون مستوعبًا للسعي إلا إذا رقى على المحل المتسع وهو آخر درجة والله أعلم، ثم ينقلب فينزل عن المروة فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا يفعل ذلك سبعًا، يحتسب بالذهاب سعيه والرجوع سعية، يفتتح بالصفا ويختم بالمروة لخبر جابر، فإن بدأ بالمروة لم يحتسب بذلك الشوط لمخالفته قوله ﵊ (خذوا عني مناسككم)، ولا يسن لأهل مكة الإسراع بين الصفا والمروة، قال الإمام أحمد: ليس على أهل مكة رمل عند البيت ولا بين الصفا والمروة، ذكره في المغني والشرح وتقدم، وليس السعي، أعني الإسراع، بواجب ولا شيء على تاركه فإن ابن عمر قال: (إن أسع بين الصفا والمروة فقد رأيت رسول الله ﷺ يسعى، وإن أمش فقد رأيت رسول الله ﷺ يمشي وأنا شيخ كبير) . رواه أبو داود وابن ماجة، ولأن ترك الرمل في الطواف بالبيت لا شيء فيه فبين الصفا والمروة أولى.
ويكثر من الدعاء والذكر فيما بين الصفا والمروة، ومنه ما ورد عن ابن مسعود ﵁ أنه كان إذا سعى بين الصفا والمروة قال: رب اغفر وارحم واعف عما تعلم وأنت الأعز الأكرم، وقال ﷺ: (إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله) قال الترمذي حديث حسن صحيح، قال في الإقناع وشرحه: ولا يسن السعي بينهما أي بين الصفا والمروة إلا في حج أو عمرة فهو ركن كما يأتي فليس السعي كالطواف في أنه يسن كل وقت لعدم ورود التطوع به مفردًا انتهى، قال في المنتهى وشرحه: ويشترط كونه أي السعي بعد طواف لنسك ولو مسنونًا كطواف القدوم انتهى، قال في الإقناع وشرحه: ويشترط تقدم الطواف عليه ولو كان الطواف الذي تقدم عليه مسنونًا كطواف القدوم، لأن النبي ﷺ
[ ١ / ٣٠٤ ]
إنما سعى بعد الطواف وقال لنا: (خذوا عني مناسككم) انتهى، وعبارة المنتهى وكونه بعد طواف ولو مسنونًا انتهى. قال الشيخ منصور في حاشية المنتهى قوله وكونه بعد طواف ولو مسنونًا: يعني إذا كان في نسك من حج أو عمرة أو قران، ولو قال ولا يصح إلا بعد طواف نسك لكان أصوب، ولا يستحب السعي مع كل طواف، ولا يصح إذا لم يكن طواف نسك كما نبه عليه الحجاوي في الحاشية انتهى، قال الخلوتي في حاشية المنتهى قوله وكونه بعد طواف: أي طواف نسك كما نبه عليه الحجاوي في حاشية التلقيح مع أنه لم يتنبه له في الإقناع فأطلق فتدبر انتهى. وقال الخلوتي أيضًا قوله ولو مسنونًا وهو طواف القدوم لأنه يصدق عليه أنه مسنون، وطواف نسك وتمامه فيه. قلت: إذا سلم الخلوتي أن طواف القدوم يصدق عليه أنه مسنون وطواف نسك سقط قوله إن الحجاوي لم يتنبه له في الإقناع لأن عبارة الإقناع هذا نصها: ويشترط تقدم الطواف عليه ولو مسنونًا كطواف القدوم. انتهى.
(تنبيه): تقدم في الإقناع وشرحه في باب المواقيت ما نصه: وحيث لزم الإحرام من الميقات لدخول مكة أو الحرم لا لنسك طاف وسعى وحلق وحل من إحرامه انتهى، فعبارة الإقناع وشرحه في باب المواقيت مناقضة لعبارته هنا التي نصها ولا يسن السعي بينهما إلا في حج أو عمرة انتهى، ومناقضة أيضًا لما في حاشيته على التنقيح وملا قاله منصور في شرح المنتهى وحاشيته عليه ولما قاله الخلوتي في حاشيته على المنتهى والذي يظهر لي أن الصواب هو ما في متن الإقناع والمنتهى هنا من صحة السعي بعد الطواف المسنون كطواف القدوم فشمل كلامهما ما إذا أحرم من الميقات لدخول مكة أو الحرم لا لنسك فإنه يسن له الطواف والسعي: وقد يقال إذا أحرم من الميقات لدخول مكة أو الحرم لا لنسك وطاف وسعى وحلق أو قصر فإنه يكون في حكم المعمر
[ ١ / ٣٠٥ ]
فيصدق عليه أنه سعى بعد طواف نسك، والله أعلم.
ويستحب أن يسعى طاهرًا من الحدث الأكبر والأصغر ومن النجاسة في بدنه وثوبه ساترًا لعورته، بمعنى أنه لو سعى عريانا أجزأه وإلا فكشف العورة محرم وسترها واجب مطلقًا، ويشترط للسعي النية والموالاة، وقال في المغني: فأما السعي بين الصفا والمروة فظاهر كلام أحمد أن الموالاة غير مشروطة فيه، فإنه قال في رجل كان يسعى بين الصفا والمروة فلقيه قادم يعرفه يقف يسلم عليه ويسأله، قال نعم أمر الصفا سهل إنما كان يكره الوقوف في الطواف بالبيت، فأما بين الصفا والمروة فلا بأس. وقال القاضي: تشترط الموالاة فيه قياسًا على الطواف، وحكاه أبو الخطاب رواية عن أحمد والأول أصح، لأنه نسك لا يتعلق بالبيت فلم تشترط له الموالاة كالرمي والحلاق، وقد روى الأثرم: أن سودة بنت عبد الله بن عمر امرأة عروة بن الزبير سعت بين الصفا والمروة فقضت طوافها في ثلاثة أيام وكانت ضخمة، وكان عطاء لا يرى بأسًا أن يستريح بينهما، ولا يصح قياسه على الطواف لأن الطواف يتعلق بالبيت وهو صلاة، ويشترط له الطهارة والستارة فاشترطت له الموالاة، بخلاف السعي انتهى كلام المغني ومثله في الشرح ومشى في المنتهى والإقناع وغيرهما على اشتراط الموالاة للسعي وهو المذهب. والمرأة لا ترقى الصفا ولا المروة ولا تسعى بين العلمين سعيًا شديدًا لقول ابن عمر: (ليس على النساء رمل بالبيت ولا بين الصفا والمروة، وقال: لا تصعد المرأة فوق الصفا والمروة، ولا ترفع صوتها بالتلبية) .
رواه الدارقطني، ولأن المطلوب منها الستر، وفي ذلك تعرّض للانكشاف، والقصد بشدة السعي إظهار الجلد وليس ذلك مطلوبًا في حقها، وإن سعى على غير طهارة بأن سعى محدثًا أو نجسًا كره له ذلك وأجزأه لأنه عبادة لا تتعلق بالبيت أشبه الوقوف ويشترط تقدم الطواف
[ ١ / ٣٠٦ ]
على السعي ولو كان الطواف الذي تقدم عليه مسنونًا كطواف القدوم للمفرد والقارن وتقدم، لأن النبي ﷺ إنما سعى بعد الطواف وقال: (خذوا عني مناسككم) فإن سعى بعد طوافه الواجب أو المسنون ثم علم أنه طاف غير متطهر لم يجزئه السعي لبطلان الطواف الذي تقدمه فوجوده كعدمه، ولا تسن عقب السعي صلاة لعدم وروده، وإن سعى المفرد أو القارن مع طواف القدوم لم يعد السعي مع طواف الإفاضة لأنه لا يشرع تكراره، وإن لم يكن سعي مع طواف القدوم، أو كان متمتعًا سعى بعد طواف الإفاضة ليأتي بركن الحج، فإذا فرغ من السعي فإن كان متمتعًا ليس معه هدى حلق أو قصر من جميع شعره وقد حل ولو كان ملبدًا رأسه فيستبيح جميع محظورات الإحرام، والأفضل هنا التقصير ليتوفر الحلق للحج، ولا يسن تأخير التحلل لحديث ابن عمر قال: (تمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج فلما قدم رسول الله ﷺ مكة قال: من كان معه هدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجة ومن لم يكن معه هدي فليطف بالبيت والصفا والمروة وليقصر وليحلل) . متفق عليه. فإن ترك التقصير والحلق فعليه دم، فإن وطيء قبله فعمرته صحيحة وعليه دم، روى عن ابن عباس وبهذا قال مالك وأصحاب الرأي، قال أحمد فيمن وقع على امرأته قبل تقصيرها من عمرتها تذبح شاة، قيل: عليه أو عليها؟ قال: عليها هي، وهذا محمول على أنها طاوعته، وتقدم في الثامن من محظورات الإحرام بأبسط من هذا فليراجع.
(فائدة): ذكر الفقهاء أنه إذا دخلت عشر ذي الحجة حرم على من يضحي أو يُضحَّى عنه أخذ شيء من شعره أو ظفره أو بشرته لحديث أم سلمة مرفوعًا (إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره
[ ١ / ٣٠٧ ]
وأظفاره) . رواه الجماعة إلا البخاري، ولفظ أبي داود وهو لمسلم والنسائي أيضًا (من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره وأظفاره حتى يضحي) وفي رواية لمسلم (ولا من بشرته) .
قال الشيخ مرعي في الغاية: ويتجه هذا في غير متمتع حل من عمرته، انتهى، يعني فإنه يحلق أو يقصر وجوبًا ولا يتناوله التحريم: ولو ضحى أو ضُحِّي عنه، لأن الحلق والتقصير نسك على الصحيح وفعل هذا النسك واجب والله أعلم، وإن كان مع المتمتع هدي أدخل الحج على العمرة، وليس له أن يحل ولا أن يحلق أو يقصر حتى يحج فيحرم بالحج بعد طوافه وسعيه لعمرته ويحل من الحج والعمرة يوم النحر نص عليه أحمد، وإن كان الذي طاف وسعى لعمرته معتمرًا غير متمتع فإنه يحلق أو يقصر وقد حل ولو كان معه هدي سواء كان في أشهر الحج ولم يقصد الحج من عامه أم كان في غير أشهر الحج ولو قصده من عامه لأن النبي ﷺ اعتمر ثلاث عمر سوى عمرته التي مع حجته وكان يحل منها، ومتى كان معه هدي نحره عند المروة كذا قال الأصحاب، لكن في هذا الزمن لا يمكنه النحر عندها وحيث نحره من الحرم جاز، وإن كان الذي طاف وسعى حاجًا مفردًا أو قارنًا بقي على إحرامه حتى يتحلل يوم النحر لفعله ﵊، ومن كان متمتعًا أو معتمرًا قطع التلبية إذا شرع في طواف العمرة لحديث ابن عباس يرفعه: (كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر) قال الترمذي حسن صحيح: والمراد من ذلك أن المحرم بالعمرة يقطع التلبية إذا شرع في طوافها، أما المحرم بالحج فلا يقطعها إلا إذا رمى جمرة العقبة سواء كان قارنًا أم متمتعًا أم مفردًا ولا بأس بالتلبية في طواف القدوم للمفرد والقارن سرًا نص عليه، قال الموفق يكره الجهر بها لئلا يختلط على الطائفين وكذا السعي بعده انتهى.
[ ١ / ٣٠٨ ]
(تنبيه): قال في الغاية: شروط السعي تسعة: إسلام وعقل ونية معينة وموالاة ويتجه كطواف ومشي القادر وتكميل السبع واستيعاب ما بين الصفا والمروة وكونه بعد طواف صحيح ولو مسنونًا أو في غير أشهر الحج ويتجه وبدء بأوتار من الصفا وإشفاع من المروة. وسننه طهارة حدث وخبث وستر عورة وذكر ودعاء وإسراع ومشى بمواضعه ورقي وموالاة بينه وبين طواف، فإن طاف في يوم وسعى في آخر فلا بأس ولا يسن عقبه صلاة انتهى كلام الغاية.
(فائدة): الصحيح من المذهب اشتراط المشي في السعي للقادر، وقال الموفق في المغني: فأما السعي راكبًا فيجزئه لعذر ولغير عذر، لأن المعنى الذي منع الطواف راكبًا غير موجود فيه ومثله في الشرح وتقدم عند الكلام على الطواف راكبًا فليراجع، قال في المغني: واختلفت الرواية في السعي، فروى عن أحمد أنه ركن لا يتم الحج إلا به وهو قول عائشة وعروة ومالك والشافعي لما روى عن عائشة قالت: (طاف رسول الله ﷺ وطاف المسلمون، يعني بين الصفا والمروة فكانت سنة ولعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة) رواه مسلم. ولأنه نسك في الحج والعمرة فكان ركنا فيهما كالطواف بالبيت، وروى عن أحمد أنه سنة لا يجب بتركه دم، روى ذلك عن ابن عباس وأنس وابن الزبير وابن سيرين لقول الله تعالى: (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) ونفى الحرج عن فاعله دليل على عدم وجوبه فإن هذا رتبة المباح وإنما تثبت سنيته بقوله: (من شعائر الله)، وقال القاضي: هو واجب وليس بركن إذا تركه وجب عليه دم وهو مذهب الحسن وأبي حنيفة والثوري وهو أولى لأن دليل من أوجبه دل على مطلق الوجوب لا على كونه لا يتم الحج إلا به.
وأما الآية فإنها نزلت لما تحرج ناس من السعي في الإسلام لما كانوا يطوفون بينهما في الجاهلية لأجل
[ ١ / ٣٠٩ ]
صنمين كانا على الصفا والمروة، كذلك قالت عائشة انتهى ملخصًا، والصحيح من المذهب هو الرواية الأولى أن السعي ركن ومشى عليه المتأخرون من الحنابلة قال ابن القيم ﵀، وقال ابن حزم: وطاف رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة سبعًا راكبًا على بعيره يخب ثلاثًا ويمشي أربعًا، وهذا من أوهامه وغلطه ﵀ فإن أحدًا لم يقل هذا قط غيره ولا رواه أحد عن النبي ﷺ البتة وهذا إنما هو في الطواف بالبيت فغلط أبو محمد ونقله إلى الطواف بين الصفا والمروة، وأعجب من ذلك استدلاله عليه بما رواه من طريق البخاري عن ابن عمر أن النبي ﷺ طاف حين قدم مكة واستلم الركن أول شيء ثم خب ثلاث أطواف ومشى أربعًا فركع حين قضى طوافه بالبيت وصلى عند المقام ركعتين ثم سلم فانصرف، فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أشواط وذكر باقي الحديث، قال: ولم نجد عدد الرمل بين الصفا والمروة منصوصًا ولكنه متفق عليه هذا لفظه.
قلت: المتفق عليه السعي في بطن الوادي في الأشواط كلها، وأما الرمل في الثلاثة الأول خاصة فلم يقله ولا نقله فيما نعلم غيره، وسألت شيخنا عنه؟ فقال هذا من أغلاطه وهو لم يحج رحمه الله تعالى، وقال ابن القيم أيضًا فلما أكمل ﷺ سعيه عند المروة أمر كل من لا هدي معه أن يحل حتما ولا بد قارنًا كان أو مفردًا وأمرهم أن يحلوا الحل كله من وطء النساء والطيب ولبس المخيط وأن يبقوا كذلك إلى يوم التروية ولم يحل هو من أجل هديه، وهناك قال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة) إلى أن قال: ولم يحل أبو بكر ولا عمر ولا علي ولا طلحة ولا الزبير من أجل الهدي، وأما نساؤه ﷺ فأحللن وكن قارنات إلا عائشة فإنها لم تحل من أجل تعذر الحل عليها بحيضها، وفاطمة حلت لأنها لم يكن معها هدي وعلي رضي
[ ١ / ٣١٠ ]
الله عنه لم يحل من أجل هديه وأمر من أهلّ بإهلال كإهلاله ﷺ أن يقيم على إحرامه إن كان معه هدي وأن يحل إن لم يكن معه هدي، وتقدم الكلام على هذا في فصل: ويسن لمن كان قارنًا أو مفردًا فسخ نبتهما بالحج وينويان بإحرامهما ذلك عمرة مفردة، وعلى ما ذكره ابن القيم ﵀ هنا وفيما تقدم يتضح أنه يرى وجوب فسخ القارن والمفرد حجهما إلى عمرة إذا لم يسوقا هديًا، والله أعلم.
(فائدة): إن قيل قد ورد عنه ﷺ ما يقتضي المنع من قول (لو) حيث قال ﵊ (لو تفتح عمل الشيطان) قلنا الممنوع استعمالها في التلهف على أمور الدنيا إما طلبًا كقوله لو فعلت كذا حصل لي كذا، وإما هربًا كقوله لو كان كذا وكذا لما حصل علي كذا وكذا لما في ذلك من عدم التوكل، أما تمني القربات كما في هذا الحديث فلا محذور في ذلك لانتفاء المعنى المذكور والله أعلم، وقد ساق ابن القيم ﵀ الأوهام التي توهمها بعض الناس في حجته ﷺ وذكر منها وهم من قال إنه ﷺ حل بعد طوافه وسعيه، كما قال القاضي أبو يعلى وأصحابه، قال وقد بينا أن مستند هذا الوهم وهم معاوية أو من روى عنه أنه قصر عن رسول الله ﷺ بمشقص على المروة في حجته انتهى.
والحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تم الجزء الأول من كتاب: مفيد الأنام، ويليه الجزء الثاني وأوله باب صفة الحج.
ْْْْْْْْْْْْ
[ ١ / ٣١١ ]