ثم يدفع بعد غروب الشمس من عرفة إلى مزدلفة بسكينة ووقار لقول جابر ﵁ (فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة السكينة)، والقصواء التي قطع طرف أذنها، ولم تكن ناقة رسول الله ﷺ كذلك، وإنما كان لقبًا لها. قال النووي: معنى شنق ضم وضيق وهو بتخفيف النون انتهى. قال في القاموس: شنق البعير يشنقه ويشنقه: كفه بزمامه حتى ألزق ذفراة بقادمة الرجل أو حتى رفع رأسه وهو راكبه انتهى. قال ابن القيم في معنى شنق: ضم إليه زمام ناقته انتهى. قال ابن هشام في السيرة والفاكهي في تاريخ مكة والفاسي وغيرهم كانت الإجازة بالحاج من عرفة إلى مزدلفة ومن منى إلى مكة في بني سعد بن زيد مناة بن تميم. قال ابن إسحاق كان صفوان بن الحارث بن شجنة هو الذي يجيز للناس بالحج من عرفة ثم بنوه من بعده حتى كان آخرهم الذي قام عليه الإسلام كرب بن صفوان بن الحارث بن شجنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وذكر الفاكهي عن الواقدي قال سألت ربيعة بن عثمان التيمي وعبد الله بن جعفر عن آخر المشركين الذي دفع بالناس من عرفة ومن
[ ٢ / ٣٨ ]
منى فقال ربيعة بن عثمان آخرهم كرب وقال عبد الله بن جعفر دفع بهم سنة ثمان، وكرب هو كرب من صفوان على ما ذكره ابن إسحاق في السيرة وقد استوفيت الكلام في هذا المقام في غير هذا الكتاب.
(تنبيه): يجب على الحاج الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس لحديث جابر ﵁ (أن النبي ﷺ لم ينصرف من عرفة حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلًا) . رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة، وحديث علي وأسامة (أن النبي ﷺ دفع حين غابت الشمس) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ويقفون بعرفة إلى غروب الشمس لا يخرجون منها حتى تغرب الشمس انتهى. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فلما غربت الشمس واستحكم غروبها بحيث ذهبت الصفرة أفاض ﷺ من عرفة انتهى. قال في المغني: وقول الخرقي إلى غروب الشمس معناه ويجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس فإن النبي ﷺ وقف بعرفة حتى غابت الشمس في حديث جابر، وفي حديث علي وأسامة (أن النبي دفع حين غربت الشمس) . انتهى ملخصًا، قال في المقنع: ومن وقف بعرفة نهارًا ودفع قبل غروب الشمس فعليه دم، قال في الشرح الكبير: يعني أنه يجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس لأن النبي ﷺ فعل ذلك، رواه جابر وغيره، وقال ﵊: (خذوا عني مناسككم) . انتهى ملخصًا، وقد أجمع الأئمة الأربعة على وجوب الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس مستدلين بالأحاديث الصحيحة الصريحة عن المعصوم ﷺ، فإن قيل حديث عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة الطائي يدل على جواز الدفع من عرفة قبل غروب الشمس ولفظه: قال: (أتيت النبي ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت يا رسول الله إني جئت من جبل طيء
[ ٢ / ٣٩ ]
أكللت راحتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ: من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
قلنا لا يدل حديث عروة هذا على جواز الدفع من عرفة قبل غروب الشمس لوجوه: منها أن قوله ﷺ (وقد وقف بعرفة ليلًا أو نهارًا) يفسره فعله ﷺ فإنه ﷺ وقف بالمسلمين نهارًا إلى غروب الشمس، فعلم من هذا أن الوقوف إلى غروب الشمس واجب ونسك من مناسك الحج لمن وافى عرفة نهارًا، وقد قال ﷺ (خذوا عني مناسككم)، ومنها أن حديث عروة بن مضرس يدل على أنه وقف بعرفة ليلًا لأنه لو كان قد وقف بها نهارًا مع الجمع العظيم ما قال للنبي ﷺ: فهل لي من حج؟ ولما كان عروة وافى عرفة ليلًا صار يتحرى في وقوفه وينتقل من موضع إلى آخر وقال للنبي ﷺ: والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ لأنه قد شك في صحة وقوفه من عدمها فأجابه ﷺ بأنه إذا كان قد وقف بعرفة ليلًا أو نهارًا في زمن الوقوف قبل الزمن الذي سأل رسول الله ﷺ فيه فإن حجه تام. وقد أخذ الفقهاء بهذا حيث قالوا من حصل بعرفة في وقت الوقوف ولو لحظة ولو مارًا بها أو نائمًا أو جاهلًا بأنها عرفة صح حجه، واستدلوا لذلك بعموم حديث عروة هذا حديث جاء فيه (وقد أتى عرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا) وبهذا قال الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم. فهذا الحديث لا يدل على جواز الانصراف من عرفة قبل غروب الشمس وإنما يدل على أن حجه صحيح وهذا متفق عليه بين الأئمة إلا مالكًا، وهذا كما لو ترك الإحرام من الميقات فإنه يحرم
[ ٢ / ٤٠ ]
عليه وحجه صحيح وعليه دم وتقدم.
ومنها أنه لو كان الدفع من عرفة جائزًا قبل غروب الشمس لرخص ﷺ للضعفة أن يتقدموا من عرفة إلى مزدلفة قبل غروب الشمس خوفًا من الزحام الذي لا نظير له في سائر المشاعر كما رخص للضعفة أن يتقدموا بعد غيبوبة القمر من مزدلفة إلى منى فلما لم يرخص لهم في ذلك علم أنه غير جائز، وحيث إن النبي ﷺ لم يدفع من عرفة إلا بعد غروب الشمس واستحكام غروبها وذهاب الصفرة قليلًا علم من فعله وتشريعه أن هذا هو وقت جواز الدفع من عرفة لمن وقف نهارًا، وقد قال ﵊: (خذوا عني مناسككم) فأخذ المسلمون ذلك عنه وتلقوه بالقبول والتسليم وصاروا يدفعون من عرفة كما دفع منها ﷺ بعد غروب الشمس وهو المشرع ﷺ؛ فالذي أفتى عروة بن مضرس بالحديث المتقدم هو الذي وقف بالمسلمين بعرفات إلى غروب الشمس ولم يدفع منها إلا بعد الغروب وأمر الجمع العظيم أن يأخذوا ذلك عنه بأن لا يدفعوا من عرفة إلا بعد غروب الشمس، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة فصلوات الله وسلامه عليه، فإن قيل مقتضى قوله ﷺ (فقد تم حجه) أنه لا نقص فيه ولو انصرف قبل الغروب لأنه وقف بعرفة نهارًا فشمله حديث عروة وأنتم توجبون عليه دم جبران، قلنا معنى قوله ﷺ فقد تم حجه: أي أدرك الوقوف بعرفة ولم يفته الحج بدليل أنه لو انصرف بعد الوقوف إلى أهله ولم يأت بطواف الإفاضة لم يتم حجه ولم تجزئه هذه الحجة عن حجة الإسلام إن كانت باقية عليه فعلم أن معنى تم حجه: أي أدرك الوقوف ولم يفته الحج ونحن نقول بذلك وبأن حجه صحيح وعليه الأئمة الثلاثة رحمهم الله تعالى، ولا ينافي هذا وجوب الدم عليه لقول ابن عباس ﵄: من ترك نسكا أو نسيه فإن يهريق دما، وهذا قد ترك نسكا فعله
[ ٢ / ٤١ ]
ﷺ في حجته ومعه الجمع العظيم وهو الوقوف إلى غروب الشمس وقال ﷺ (خذوا عني
مناسككم) والله ﷾ أعلم. وعند الإمام مالك إذا دفع من عرفة قبل غروب الشمس لا حج له ما لم يعد إلى عرفة نهارًا ويقف بها حتى تغرب الشمس.
ويكون حال دفعه من عرفة إلى مزدلفة مستغفرًا، وسميت مزدلفة بذلك من الزلف: وهو التقرب، لأن الحجيج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها: أي تقربوا ومضوا إليها، وتسمى أيضًا جمعًا لاجتماع الناس بها، وتسمى أيضًا بالمشعر الحرام. قال في المغني: وللمزدلفة ثلاثة أسماء: مزدلفة، وجمع، والمشعر الحرام انتهى، ويدفع مع الإمام أو نائبه وهو أمير الحجيج على طريق المأزمين لأن النبي ﷺ سلكها وهما جبلان، قال شيخ الإسلام: فإذا أفاض من عرفات ذهب إلى المشعر الحرام على طريق المأزمين، وهو طريق الناس اليوم، وإنما قال الفقهاء على طريق المأزمين لأنه إلى عرفة طريق أخرى تسمى طريق ضب، ومنها دخل النبي ﷺ إلى عرفات وخرج على طريق المأزمين، وكان في المناسك والأعياد يذهب من طريق ويرجع من أخرى فدخل مكة من الثنية العليا وخرج من الثنية السفلى، ودخل المسجد من باب بني شيبة وخرج بعد الوداع من باب حزورة، ودخل إلى عرفات من طريق ضب وخرج من طريق المأزمين، وأتى إلى جمرة العقبة يوم العيد من الطريق الوسطى التي يخرج منها إلى خارج منى ثم يعطف على يساره إلى الجمرة ثم لما رجع إلى موضعه بمنى الذي نحر فيه هديه وحلق رأسه رجع من الطريق المتقدمة التي يسير منها جمهور الناس اليوم انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
قلت: والطريق الوسطى التي ذكرها شيخ الإسلام هي المعروفة الآن بسوق العرب والذي يأتي مع هذه
[ ٢ / ٤٢ ]
الطريق يخرج منها إلى جمرة العقبة، وجمرة العقبة ليست من منى بل هي حد له من جهة مكة، وهذا معنى قول شيخ الإسلام يخرج منها إلى خارج منى، وقوله ثم يعطف على يساره إلى الجمرة: أي لأن أمامه الجبل المسمى بالعقبة التي فوق الجمرة وعلى يساره الوادي الذي يخرج على الجمرة المذكورة وقد أزيلت العقبة للتوسعة وأما الطريق المتقدمة التي ذكرها شيخ الإسلام فهي طريق الناس اليوم التي فيها الجمرات الثلاث، والله أعلم.
قال في النهاية: المأزم المضيق في الجبال حيث يلتقي بعضها ببعض ويتسع ما وراءه والميم زائدة، فكأنه من الأزم القوة والشدة انتهى. قال في القاموس: وال/ازم ويقال المأزمان مضيق بين جمع وعرفة انتهى. فإن دفع قبل الإمام كره لقول الإمام أحمد: ما يعجبني أن يدفع إلا مع الإمام، ولا شيء عليه في الدفع قبله خلافًا للخرقي، ويسرع في الفجوة لقول أسامة (كان رسول الله ﷺ يسير العنق فإذا وجد فجون نص) متفق عليه. والعنق: انبساط السير، والنص: الإسراع، ويلبي في الطريق لقول الفضل بن العباس: إن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة. متفق عليه، ويذكر الله تعالى لأنه في زمن السعي إلى شعائره، فإذا وصل مزدلفة صلى المغرب والعشاء جمعًا، وقال الشيخ منصور البهوتي: إن كان ممن يباح له الجمع انتهى. قلت: الصحيح الذي تدل له السنة هو الجمع والقصر لكافة الحجاج سواء كانوا مكيين أم أفقيين والله أعلم، ويصلي المغرب والعشاء قبل حط رحله، قال في الإقناع وشرحه بإقامة لكل صلاة بلا أذان هذا اختيار الخرقي، قال ابن المنذر هو رواية أسامة وهو أعلم بحال رسول الله ﷺ فإنه كان رديفه وإنما لم يؤذن للأولى هاهنا لأنها في غير وقتها بخلاف
[ ٢ / ٤٣ ]
المجموعتين بعرفة، وظاهر كلام الأكثرين يؤذن للأولى لقول جابر (حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين) وإن إذن وأقام للأولى فقط ولم يقم للثانية فحسن لحديث مسلم عن ابن عمر قال: (جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع فصلى المغرب ثلاثًا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة) لكن السنة أن يقيم لها انتهى كلام الإقناع وشرحه.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في سياق أوهام بعض من وصف حجة النبي ﷺ: ومنها وهم من وهِم في أنه ﷺ صلى الظهر والعصر يوم عرفة والمغرب والعشاء تلك الليلة بأذانين وإقامتين، ووهم من قال صلاهما بإقامتين بلا أذان أصلا، ووهم من قال جمع بينهما بإقامة واحدة، والصحيح أنه صلاهما بأذان واحد وإقامة لكل صلاة انتهى، ولا يتطوع بين المغرب والعشاء المجموعتين لقول أسامة وابن عمر (إن النبي ﷺ لم يصل بينهما) .
قال الشيخ منصور البهوتي لكل لا يبطل جمع التأخير بالتطوع بين المجموعتين بخلاف جمع التقديم كما ذكروه في الجمع انتهى.
قلت: التطوع بينهما خلاف السنة وإن قلنا بعدم البطلان والله أعلم. وإن صلى المغرب في الطريق ترك السنة وأجزأته الصلاة وفاقًا لمالك والشافعي وخلافًا لأبي حنيفة لأن كل صلاتين جاز الجمع بينهما جاز التفريق بينهما كالظهر والعصر بعرفة.
قال في المنتهى وشرحه: وإن فاتته الصلاة مع الإمام بعرفة أو مزدلفة جمع وحده لفعل ابن عمر انتهى، ومقتضى مفهومه أنه لو أراد الصلاة قبل الإمام أنه لا يجمع وليس مرادًا بل مراده أن من لم يصل مع الإمام جمع وحده سواء كان ذلك قبل الإمام أم بعده وإن كان معه رفقة صلى بهم جمعًا وقصرًا لتحصل لهم فضيلة صلاة الجماعة ثم يبيت بمزدلفة حتى يصبح ويصلي الفجر لقول جابر
[ ٢ / ٤٤ ]
(ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة) قال شيخ الإسلام: فإذا وصل إلى مزدلفة صلى المغرب قبل تبريك الجمال إن أمكن، ثم إذا بركوها صلوا العشاء، وإذا أخر العشاء لم يضره ذلك ويبيت بمزدلفة ومزدلفة كلها يقال لها المشعر الحرام، وهي ما بين مأزمي عرفة إلى بطن محسر فإن بين كل مشعرين حدا ليس منهما، فإن بين عرفة ومزدلفة بطن عرنة أي وبطن نمرة، وبين مزدلفة ومنى بطن محسر، قال النبي ﷺ: (عرفة كلها موقف وارفعوا عن بطن عرنة، ومزدلفة كلها موقف وارفعوا عن بطن محسر، ومنى كلها منحر، وفجاج مكة كلها طريق) والسنة أن يبيت بمزدلفة إلى أن يطلع الفجر فيصلي بها الفجر في أول الوقت ثم يقف بالمشعر الحرام إلى أن يسفر جدًا قبل طلوع الشمس، فإن كان من الضعفة كالنساء والصبيان ونحوهم فإنه يتعجل من مزدلفة إلى منى إذا غاب القمر: ولا ينبغي لأهل القوة أن يخرجوا من مزدلفة حتى يطلع الفجر فيصلوا بها الفجر ويقفوا بها، ومزدلفة كلها موقف لكن الوقوف عند قزح أفضل وهو جبل الميقدة وهو المكان الذي يقف الناس فيه اليوم قد بني عليه بناء وهو المكان الذي يخصه كثير من الفقهاء باسم المشعر الحرام انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. قال في الدر المختار للحنفية: وينزل عند جبل قزح، والأصح أنه المشعر الحرام وعليه ميقدة انتهى، ويأتي الكلام على تسميته بجبل الميقدة إن شاء الله قبيل الفصل.
قال الأزرقي في تاريخ مكة والماوردي وغيرهما: حد مزدلفة ما بين مأزمي عرفة ووادي محسر، وليس الحدان منها ويدخل في مزدلفة جميع تلك الشعاب الداخلة في الحد المذكور انتهى. وفي حديث جابر المتقدم ما يدل على أن المشعر الحرام قزح حيث جاء فيه (حتى أتى المزدلفة فصلى
[ ٢ / ٤٥ ]
بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئًا، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام) الحديث. قال النووي: المراد بالمشعر الحرام هنا قزح بضم القاف وفتح الزاي وبحاء مهملة وهو جبل معروف في مزدلفة، وهذا الحديث حجة للفقهاء في أن المشعر الحرام هو قزح، وقال جماهير المفسرين وأهل السير والحديث: المشعر الحرام جميع مزدلفة انتهى، وتقدم في كلام الموفق وشيخ الإسلام أن المزدلفة تسمى بالمشعر الحرام قال الموفق والشارح: حد مزدلفة من مأزمي عرفة إلى قرن محسر وما على يمين ذلك وشماله من الشعاب، ففي أي موضع وقف منها أجزأه لقول النبي ﷺ: كل المزدلفة موقف. رواه أبو داود وابن ماجة، وعن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: (وقفت هاهنا بجمع وجمع كلها موقف) وليس وادي محسر من مزدلفة لقوله (وارفعوا عن بطن محسر) انتهى.
قال في الإقناع وشرحه: فإذا أصبح بمزدلفة صلى الصبح بغلس أول وقتها لما تقدم من حديث جابر وليتسع وقت الوقوف عند المشعر الحرام ثم يأتي المشعر الحرام، سمي بذلك لأنه من علامات الحج: وتسمى أيضًا المزدلفة بذلك تسمية للكل باسم البعض واسمه في الأصل قزح، وهو جبل صغير بالمزدلفة فيقف عنده ويحمد الله تعالى ويهلله ويكبره ويدعو ويقول: اللهم كما وقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم) ثم لا يزال يدعو إلى أن يسفر جدًا انتهى. قال في المغني: والمستحب الاقتداء
[ ٢ / ٤٦ ]
برسول الله ﷺ في المبيت إلى أن يصبح ثم يقف حتى يسفر، ولا بأس بتقديم الضعفة والنساء، وممن كان يقدم ضعفة أهله عبد الرحمن بن عوف وعائشة، وبه قال عطاء والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفًا، ولأن فيه رفقًا بهم ودفعًا لمشقة الزحام عنهم واقتداء بفعل نبيهم ﷺ انتهى. قال في الإقناع وشرحه: وله الدفع قبل الإمام وليس له الدفع قبل نصف الليل: ويباح الدفع من مزدلفة بعده: أي بعد نصف الليل ولا شيء عليه كما لو وافاها بعده؛ أي بعد نصف الليل لقول ابن عباس (أنا ممن قدم النبي ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله) . متفق عليه. قلت: الضعفة بفتح الضاد المعجمة والعين المهملة والفاء جمع ضعيف: النساء والصبيان والمشايخ العاجزون وأصحاب الأمراض ليرموا قبل الزحمة والله أعلم. وعن عائشة قالت: (أرسل رسول الله ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت) . رواه أبو داود انتهى كلام الإقناع وشرحه.
قلت: حديث ابن عباس هذا يدل على الرخصة للضعفة لا غير، وأما حديث عائشة فيأتي كلام ابن القيم ﵀ أنه منكر، وإن جاء مزدلفة بعد الفجر فعليه دم لتركه نسكًا واجبًا، وإن دفع غير رعاة وسقاة قبل نصف الليل فعليه دم إن لم يعد إليها قبل الفجر سواء كان عالمًا بالحكم أم جاهلًا ذاكرًا أم ناسيًا لأنه ترك نسكًا واجبًا، والنسيان إنما يؤثر في جعل الموجود كالمعدوم لا في جعل المعدوم كالموجود، فإن عاد إلى مزدلفة قبل الفجر فلا دم عليه كمن لم يأت مزدلفة إلا في النصف الثاني من الليل لأنه لم يدرك فيها جزءًا من النصف الأول فلم يتعلق به حكمه كمن لم يأت عرفة إلا ليلًا، قال في المغني: ومن لم يواف مزدلفة إلا في النصف الأخير من الليل فلا شيء عليه لأنه لم يدرك جزءًا من النصف
[ ٢ / ٤٧ ]
الأول فلم يتعلق به حكمه كمن أدرك الليل بعرفات دون النهار انتهى ومثله في الشرح، وأما الرعاة والسقاة فلا دم عليهم بالدفع قبله لأن النبي ﷺ رخص للرعاة والسقاة فلا دم عليهم بالدفع قبله لأن النبي ﷺ رخص للرعاة في ترك البيتوتة لحديث عدي (ورخص للعباس في ترك البيتوتة لأجل سقايته) ولأن عليهم مشقة لحاجتهم إلى حفظ مواشيهم وسقي الحاج فكان لهم ترك المبيت بمزدلفة كليالي منى، قال الشيخ سليمان بن علي في منسكه: وأما الرعاة فهم رعاة الإبل، وأما السقاة فالظاهر إنهم الذين يأتون بالماء للحاج وليس كذلك، وإنما هذه الرخصة لسقاة زمزم لأن الرخصة إنا وقعت للعباس وهو صاحب زمزم انتهى.
قلت: ويدل لذلك قوله في المنتهى وشرحه: وفيه أي الدفع من مزدلفة قبله: أي نصف الليل على غير رعاة وغير سقاة زمزم دم انتهى، قال في الشرح الكبير: وليس له الدفع قبل نصف الليل، فإن فعل فعليه دم، وإن دفع بعده فلا شيء عليه وبه قال الشافعي، وقال مالك: إن مر بها ولم ينزل فعليه دم، وإن نزل فلا دم عليه متى ما دفع. ولنا أن النبي ﷺ بات بها وقال (لتأخذوا عني مناسككم) وإنما أبيح الدفع بعد نصف الليل بما ورد من الرخصة فيه انتهى ومثله في المغني. قلت: حكم المبيت بمزدلفة يشتمل على صور: الأولى أتى مزدلفة في النصف الأول من الليل ودفع منها قبل مضي نصف الليل ولم يعد إليها قبل الفجر، الثانية لم يأت مزدلفة إلا بعد الفجر، الثالثة أتى مزدلفة في النصف الأول من الليل ودفع منها بعد نصف الليل، الرابعة أتى مزدلفة في النصف الآخر من الليل ودفع منها قبل أن يبيت بها، الخامسة دفع من مزدلفة قبل نصف الليل الأول وعاد إليها قبل الفجر؛ فعليه في الأولى والثانية دم على غير سقاة ورعاة وليس عليه في الثالثة والرابعة والخامسة شيء هذا مقتضى كلام فقهائنا ﵏، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٨ ]
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ثم سار ﷺ حتى أتى المزدلفة فتوضأ وضوء الصلاة ثم أمر المؤذن بالاذان فأذن المؤذن ثم أقام فصلى المغرب قبل حط الرحال وتبريك الجمال فلما حطوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة ثم صلى عشاء الآخرة بلا أذان ولم يصل بينهما شيئًا ثم نام حتى أصبح ولم يحيي تلك الليلة ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيدين شيء، وأذن في تلك الليلة لضعفة أهله أن يتقدموا إلى منى قبل طلوع الفجر وكان ذلك عند غيبوبة القمر وأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس. حديث صحيح صححه الترمذي وغيره، وأما حديث عائشة ﵂ (أرسل رسول الله ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله ﷺ يعني عندها) . رواه أبو داود، فحديث منكر أنكره الإمام أحمد وغيره ثم ذكر ما يدل على إنكاره، ثم قال: ومما يدل على بطلانه ما ثبت في الصحيحين عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: (استأذنت سودة رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة أن تدفع قبله وقبل حطمة الناس وكانت امرأة ثبطة قالت فأذن لها فخرجت قبل دفعه وحبسنا حتى أصبحنا فدفعنا بدفعه، ولأن أكون استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة أحب إليّ من مفروح به) فهذا الحديث الصحيح يبين أن نساءه غير سودة إنما دفعن معه. فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أم حبيبة (أن رسول الله ﷺ بعث بها من جمع بليل) قيل قد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قدم تلك الليلة ضعفة أهله وكان ابن عباس فيمن قدم، وثبت أنه قدم سودة، وثبت أنه حبس نساءه عنده حتى دفعن بدفعه، وحديث أم حبيبة انفرد به مسلم فإن كان محفوظًا فهي إذًا من الضعفة التي قدمها.
[ ٢ / ٤٩ ]
فإن قيل: فما تصنعون بما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس (أن النبي ﷺ بعث به مع أهله إلى منى يوم النحر فرموا الجمرة مع الفجر) قيل نقدم عليه حديثه الآخر الذي رواه أيضًا الإمام أحمد والترمذي وصححه (أن النبي ﷺ قدم ضعفة أهله وقال لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس) ولفظ أحمد فيه (قدمنا رسول الله ﷺ أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات لنا من جمع فجعل يلطح أفخاذنا ويقول أبيني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس) لأنه أصح منه، وفيه (نهى النبي ﷺ عن رمي الجمرة قبل طلوع الشمس) وهو محفوظ بذكر القصة فيه. قلت وقد رواه الخمسة وصححه الترمذي ولفظه: (قدم ضعفة أهل وقال لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس) وأخرجه أيضًا الطحاوي وابن حبان وصححه وحسنه الحافظ في الفتح وله طرق، وقوله أغيلمة منصوب على الاختصاص أو على الندب، والمراد بهم الصبيان، وحمرات بضم الحاء المهملة والميم جمع لحمر وحمر جمع لحمار، ويلطح بفتح الياء التحتية والطاء المهملة وبعدها حاء مهملة قال الجوهري: اللطح الضرب اللين على الظهر ببطن الكف انتهى. وإنما فعل ﷺ ذلك ملاطفة لهم، وقوله أبيني بضم الهمزة وفتح الباء الموحدة وسكون ياء التصغير وبعدها نون مكسورة ثم ياء النسبة المشددة قاله ابن رسلان في شرح السنن، قال في النهاية: الأبيني بوزن الأعيمي تصغير الأبناء بوزن الأعمى وهو جمع ابن انتهى.
رجعنا إلى كلام ابن القيم ﵀، قال: ثم تأملنا فإذا أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث فإنه أمر الصبيان أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس فإنه لا عذر لهم في تقديم الرمي، أما من قدمه من النساء فرمين قبل طلوع الشمس للعذر والخوف عليهن من مزاحمة الناس وحطمتهم، وهذا الذي دلت عليه السنة
[ ٢ / ٥٠ ]
جواز الرمي قبل طلوع الشمس للعذر بمرض أو كبر يشق عليه مزاحمة الناس لأجله، وأما القادر الصحيح فلا يجوز له ذلك. وفي المسألة ثلاثة مذاهب: أحدها الجواز بعد نصف الليل مطلقًا للقادر والعاجز كقول الشافعي وأحمد رحمهما الله. والثاني لا يجوز إلا بعد طلوع الفجر كقول أبي حنيفة ﵀.
والثالث لا يجوز لأهل القوة إلا بعد طلوع الشمس كقول جماعة من أهل العلم، والذي دلت عليه السنة إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر لا نصف الليل، وليس مع من حده بالنصف دليل والله أعلم، ثم ذكر حديث عروة بن مضرس الطائي ثم قال وبهذا احتج من ذهب إلى أن الوقوف بمزدلفة والمبيت بها ركن كعرفة وهو مذهب اثنين من الصحابة: ابن عباس وابن الزبير ﵃، وإليه ذهب إبراهيم النخعي والشعبي وعلقمة والحسن البصري وهو مذهب الأوزاعي وحماد بن أبي سليمان وداود الظاهري وأبي عبيد القاسم بن سلام، واختاره المحمدان: ابن جرير، وابن خزيمة، وهو أحد الوجوه للشافعية، واحتج من لم يره ركنا بأمرين: أحدهما أن النبي ﷺ مد وقت الوقوف بعرفة إلى طلوع الفجر، وهذا يقتضي أن من وقف بعرفة قبل طلوع الفجر بأيسر زمان صح حجه، ولو كان الوقوف بمزدلفة ركنا لم يصح حجه، الثاني أنه لو كان ركنا لاشترك فيه الرجال والنساء فلما قدم رسول الله ﷺ النساء بالليل علم أنه ليس بركن، وفي الدليلين نظر فإن النبي ﷺ إنما قدمهن بعد المبيت بمزدلفة وذكر الله تعالى بها لصلاة عشاء الآخرة والواجب هو ذلك، وأما توقيت بعرفة إلى الفجر فلا ينافي أن يكون المبيت بمزدلفة ركنا وتكون تلك الليلة وقتًا لهما كوقت المجموعتين من الصلوات، وتضييق القوت لإحداهما لا يخرجه عن أن يكون وقتًا لهما حال القدرة انتهى. كلام ابن القيم رحمه
[ ٢ / ٥١ ]
الله ملخصًا، قلت: قد يقال وقت المجموعتين من الصلوات يحصل أداؤهما فيه، بخلاف الوقوف بعرفة مع الفجر فإنه ينتفي الوقوف بمزدلفة لضيق الوقت فلم يحصل أداء في وقتهما إلا لواحد منهما وهو الوقوف بعرفة فقط، بخلاف المجموعتين فإنه يحصل أداؤها معًا في وقتهما، فالفارق موجود والقياس غير مطابق مع الاعتراف بفضل شمس الدين بن القيم وتحقيقه وعلو رتبته رحمه الله تعالى.
(تنبيه): الميقدة المذكورة في كلام شيخ الإسلام المتقدم قد ذكرها الأزرقي فقال: هي إسطوانة من حجارة مدورة تدويرها أربعة وعشرون ذراعًا وطولها اثنا عشر ذراعًا وفيها خمس وعشرون درجة، وهي على أكمة مرتفعة كان يوقد عليها في خلافة هارون الرشيد الشمع ليلة مزدلفة، وكانت قبل ذلك توقد عليها النار بالحطب، وبعد أن توفي هارون الرشيد وضع عليها مصابيح، قال وبين مسجد مزدلفة وبين قزح أربعمائة ذراع وعشرة أذرع انتهى كلام الأزرقي ملخصًا، قلت: المشاهد في زمننا هذا هو أن المشعر الحرام المسمى قزح في نفس مسجد مزدلفة، وقزح: جبل صغير جدًا عليه الآن منارة تجعل فيها تلك الليلة السرج بالكهرباء، وطول مسجد مزدلفة تسعة وخمسون مترًا ونصف، وعرضه سبعة وثلاثون مترًا، وقد قسمت طوله وعرضه فصار كما ذكرته وذلك سنة تسع وستين وثلاثمائة وألف، وقد تقدم عن الأزرقي بسنده عن نافع عن ابن عمر أن النار كانت توقد على عهد رسول الله ﷺ بالمزدلفة بعد الرجوع من عرفة، وتقدم عن شيخ الإسلام أن الإيقاد بمزدلفة خاصة بعد الرجوع من عرفة فليراجع عند الحاجة إليه.
[ ٢ / ٥٢ ]