ثم يرجع من أفاض إلى مكة بعد الطواف والسعي على ما تقدم إلى منى فيبيت بها وجوبًا، قال الشيخ مرعي في غايته: ويتجه المراد معظم الليل انتهى لحديث ابن عباس قال: (لم يرخص النبي ﷺ لأحد يبيت بمكة إلا للعباس لأجل سقايته) رواه ابن ماجة ثلاث ليال إن لم يتعجل في يومين وليلتين إن تعجل ويصلي بها ظهر يوم النحر نصًا، نقله أبو طالب لحديث ابن عمر (أن النبي ﷺ أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى متفق عليه. فإن قيل جاء في حديث جابر: (أن النبي ﷺ انصرف إلى المنحر فنحر، ثم ركب فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر) مختصر من مسلم، وظاهر هذا التنافي قلت: قد جمع النووي بينهما بأنه طاف للإفاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها ثم رجع إلى منى وصلى بها الظهر مرة أخرى إمامًا بأصحابه حين سألوه ذلك فيكون متنفلًا بالظهر الثانية التي بمنى وهذا كما ثبت في الصحيحين في صلاته ﷺ ببطن نخل أحد أنواع صلاة الخوف مرتين مرة بطائفة ومرة بأخرى فروى ابن عمر صلاته بمنى، وجابر صلاته بمكة، وهما صادقان.
[ ٢ / ١٠٥ ]
وذكر ابن المنذر نحوه، ويمكن الجمع بأن يقال إنه صلى بمكة، ثم رجع إلى منى فوجد أصحابه يصلون الظهر فدخل معهم متنفلًا لأمره ﷺ بذلك لمن وجد جماعة يصلون وقد صلى والله أعلم انتهى كلام النووي. قلت وقد ساق المحقق شمس الدين بن القيم ﵀ حديث ابن عمر، وحديث جابر، ثم قال: واختلف في ترجيح أحد هذين القولين على الآخر ثم ذكر الوجوه التي قال بها كل فريق. ومن الوجوه التي احتج بها من رجح حديث ابن عمر الوجه الخامس، وهو أن حديث ابن عمر متفق عليه وحديث جابر من أفراد مسلم فحديث ابن عمر أصح منه، وكذلك هو في إسناده فإن رواته أحفظ وأشهر وأتقن فأين يقع حاتم بن إسماعيل من عبيد الله؟ وأين يقع حفظ جعفر من حفظ نافع انتهى، ثم بعد ذلك رجح ﵀ حديث ابن عمر فإنه لما ساق بعض الأوهام التي ذكرها بعضهم في صفة حجته ﷺ قال: ومنها على القول الراجح وهم من قال إنه صلى الظهر يوم النحر بمكة، والصحيح أنه صلاها بمنى انتهى وما صححه ﵀ هو الذي نص عليه الإمام أحمد، قال في المنتهى وشرحه: ثم يرجع من أفاض إلى مكة فيصلي ظهر يوم النحر بمنى لحديث ابن عمر، قال في الإقناع وشرحه ويصلي بها يعني منى ظهر يوم النحر نصًا نقله أبو طالب لحديث ابن عمر، قال عطاء كان منزل النبي ﷺ بمنى بالخيف قاله في المغني وتقدم.
فائدة: يكبر المحرم في دبر كل صلاة من صلاة الظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، لأنه قبل صلاة الظهر مشغول بالتلبية فلا يقطعها إلا عند رمي جمرة العقبة، وليس بعدها صلاة قبل الظهر فيكبر بعدها ويستوي هو والحلال في آخر مدة التكبير، وهذا ما لم يكن قد دفع من مزدلفة بعد نصف الليل
[ ٢ / ١٠٦ ]
ورمى الجمر قبل الفجر فإنه يقطع التلبية من ابتداء الرمي، وحينئذ يكبر دبر صلاة الفجر والله أعلم. وصفة التكبير ما ذكر في صلاة العيد، وهو أن يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد، ويرمي الجمرات الثلاث بمنى في أيام التشريق وهي أيام منى الثلاثة التي تلي يوم النحر كل يوم بعد الزوال لحديث جابر قال: (رمى النبي ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى وأما بعد فإذا زالت الشمس) . أخرجه الجماعة وقال ابن عمر: (كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا) رواه البخاري وأبو داود، وقوله نتحين: أي نراقب الوقت المطلوب، ولقوله ﷺ (لتأخذوا عني مناسككم) وأي وقت رمى بعد الزوال أجزأه إلا أن المستحب المبادرة إليها حين الزوال لقول ابن عمر. وسميت أيام التشريق بذلك لتشريق الناس لحوم الأضاحي فيها وهو تقديدها ونشرها في الشمس، أو لإشراق نهارها بنور الشمس وليلها بنور القمر. فإن قيل لو كانت الحكمة في تسميتها ذلك لزم أن تسمى كل هذه الأيام الثلاثة في جميع شهور السنة أيام التشريق. قبل حكمة التسمية لا يلزم اطرادها.
قال ابن القيم ﵀ تعال (ثم رجع ﷺ بعد الإفاضة إلى منى من يومه ذلك فبات بها فلما أصبح انتظر زوال الشمس فلما زالت مشى من رحله إلى الجمار ولم يركب فبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة يقول مع كل حصاة: الله أكبر ثم يقدم على الجمرة أمامها حتى أسهل فقام مستقبل القبلة ثم رفع يديه ودعا دعاء طويلًا بقدر سورة البقرة ثم أتى إلى الجمرة الوسطى فرماها كذلك ثم انحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فوقف مستقبل القبلة رافعًا يديه يدعو قريبًا من وقوفه الأول ثم أتى الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة فاستبطن الوادي واستعرض الجمرة فجعل
[ ٢ / ١٠٧ ]
البيت عن يساره ومنى عن يمينه فرماها بسبع حصيات كذلك ولم يرمها من أعلاها كما يفعل الجهال ولا جعلها عن يمينه واستقبل البيت وقت الرمي كما ذكره غير واحد من الفقهاء، فلما أكمل الرمي رجع من فوره ولم يقف عندها) فقيل لضيق المكان بالجبل، وقيل وهو أصح إن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها (فلما رمى جمرة العقبة فرغ الرمي، والدعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها أفضل منه بعد الفراغ منها إلى أن قال: ولم يزل في نفسي هل كان يرمي قبل صلاة الظهر أو بعدها، والذي يغلب على الظن أنه كان يرمي قبل الصلاة ثم يرجع فيصلي لأن جابرًا وغيره قالوا كان يرمي إذا زالت الشمس فعقبوا زوال الشمس برميه، وأيضًا فإن وقت الزوال للرمي أيام منى كطلوع الشمس لرمي يوم النحر والنبي ﷺ يوم النحر لما دخل وقت الرمي لم يقدم عليه شيئًا من عبادات ذلك اليوم، وأيضًا فإن الترمذي وابن ماجة رويا في سننهما عن ابن عباس ﵄ (كان رسول الله ﷺ يرمي الجمار إذا زالت الشمس) زاد ابن ماجة (قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر)، وقال الترمذي حديث حسن ولكن في إسناد حديث الترمذي الحجاج بن أرطأة، وفي إسناد حديث ابن ماجة إبراهيم بن عثمان بن
شيبة ولا يحتج به ولكن ليس في الباب غير هذا. وذكر الإمام أحمد أنه كان يرمي يوم النحر راكبًا وأيام منى ماشيًا في ذهابه ورجوعه انتهى كلام ابن القيم. قال في الإقناع وشرحه: ويستحب الرمي أيام منى قبل صلاة الظهر لقول ابن عباس (كان رسول الله ﷺ يرمي الجمار إذا زالت الشمس قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر) رواه ابن ماجة انتهى، وفي إسناده ما تقدم، وللسقاة والرعاة الرمي ليلا ونهارا للعذر ولو كان رميهم في يوم واحد، أو في ليلة واحدة من أيام التشريق،
[ ٢ / ١٠٨ ]
وإن رمى غير السقاة والرعاة قبل الزوال، أو ليلًا لم يجزئه الرمي فيعيده نصًا وبه قال مالك والشافعي، ورخص إسحاق وأصحاب الرأي في الرمي يوم النفر قبل الزوال ولا ينفر إلا بعد الزوال، وعن أحمد مثله. قال في الإنصاف وعنه يجوز رمي متعجل قبل الزوال وينفر بعده، ونقل ابن منصور: إن رمى عند طلوعها متعجل، ثم نفر كأنه لم ير عليه دما وجزم به الزركشي انتهى، والمذهب الأول، لأن النبي ﷺ إنما رمى بعد الزوال، وآخر وقت رمى كل يوم من أيام الرمي الأربعة إلى المغرب لأنه آخر النهار.
ويستحب أن لا يدع الصلاة مع الإمام في مسجد منى وهو مسجد الخيف لفعله ﵊ وفعل أصحابه، فإن كان الإمام غير مرضي لفسق أو نحوه، صلى المرء برفقته محافظة على الجماعة، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ويستحب أن لا يدع الصلاة في مسجد منى وهو مسجد الخيف مع الإمام فإن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يصلون بالناس قصرًا بلا جمع بمنى ويقصر الناس كلهم خلفهم أهل مكة وغير أهل مكة، وإنما روى عن النبي ﷺ أنه قال (يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفرٌ) لما صلى بهم بمكة نفسها، فإن لم يكن للناس إمام عام صلى الرجل بأصحابه، والمسجد بنى بعد النبي ﷺ لم يكن على عهده انتهى كلامه، ويرمي كل جمرة من الثلاث بسبع حصيات واحدة بعد واحدة كما تقدم في رمي جمرة العقبة، فيبدأ بالجمرة الأولى، وهي أبعدهن من مكة وتلى مسجد الخيف في القرب فيجعلها عن يساره ويرميها بسبع حصيات، ثم يتقدم قليلًا لئلا يصيبه الحصا فيقف ويدعو رافعًا يديه ويطيل، ثم يأتي الوسطى فيجعلها عن يمينه ويرميها كذلك بسبع حصيات ويقف عندها بعد أن يتقدم قليلًا لئلا يصيبه الحصا ويدعو ويرفع يديه ويطيل، ثم يأتي جمرة
[ ٢ / ١٠٩ ]
العقبة ويجعلها عن يمينه ويستبطن الوادي: أي يأتي من بطنه عند مريها ولا يقف عندها، هكذا ذكر فقهاؤنا ﵏. والصحيح أنه يستعرض جمرة العقبة عند الرمي ويجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه وتقدم، وعن عائشة ﵂ قالت: (أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عند الأولى وعند الثانية فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة، ولا يقف عندها) . رواه أحمد وأبو داود.
قال ابن القيم ﵀: حديث عائشة هذا ليس بالبين في أنه ﷺ صلى الظهر بمكة يومئذ، وأين هذا في صريح الدلالة إلى قول ابن عمر (أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى) متفق عليه، وحديث عائشة من رواية محمد بن إسحاق، وابن إسحاق مختلف في الاحتجاج به ولم يصرح بالسماع بل عنعنه انتهى، وتمامه في زاد المعاد، وعن ابن عمر: (أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم يتقدم فيسهل فيقوم مستقبل القبلة طويلًا ويدعو ويرفع يديه ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل فيقوم مستقبل القبلة، ثم يدعو ويرفع يديه ويقوم طويلًا، ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف، ويقول: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله) . رواه أحمد والبخاري، وروى أبو داود أن ابن عمر كان يدعو بدعائه الذي دعا به بعرفه ويزيد (وأصلح وأتم لنا مناسكنا) وقال ابن المنذر: كان ابن عمر وابن مسعود يقولان عند الرمي: اللهم اجعله حجًا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا، وعن ابن عمر: (أن النبي ﷺ كان إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهبًا وراجعًا) رواه الترمذي وصححه، وفي لفظ عنه (أنه كان يرمي الجمرة
[ ٢ / ١١٠ ]
يوم النحر راكبًا وسائر ذلك ماشيًا ويخبرهم أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك) . رواه أحمد. وأخرج نحو أبو داود عنه بلفظ (كان يأتي الجمار في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر ماشيًا ذاهبا وراجعًا ويخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك) وعن ابن عباس (أن النبي ﷺ كان يمشي إلى الجمار) .
رواه الترمذي، قال في المنتهى والإقناع والغاية وغيرها من كتب الأصحاب: ويستقبل القبلة في الجمرات كلها، والصحيح الذي تدل عليه السنة أنه في رمي جمرة العقبة يجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه وهو اختيار شيخ الإسلام وابن القيم رحمهما الله وتقدم التنبيه على ذلك غير مرة، وترتيب الجمرات شرط بأن يرمي أولًا الجمرة التي تلي في القرب مسجد الخيف ثم الوسطى ثم العقبة، فإن نكس الرمي بأن قدم على الأولى غيرها لم يجزئه ما قدمه على الأولى نص عليه لأن النبي ﷺ رتبها في الرمي، وقال: (لتأخذوا عني مناسككم) ولأنه نسك متكرر فاشترط الترتيب فيه كالسعي، قال في المنتهى وشرحه: وترتيب الجمرات شرط، فلو نكس فبدأ بغير الأولى لم يحتسب له إلا بها ويعيد الأخرتين مرتبتين كالعدد أي السبع حصيات فهو شرط لكل واحدة منها لأنه ﵊ رمى كلا منها بسبع، فإن أخل الرامي بحصاة من الأولى لم يصح رمي الثانية ولا الثالثة، وإن أخل بحصاة من الثانية لم يصح رمي الثالثة لإخلاله بالترتيب انتهى ملخصًا، وإن جهل الرامي محلها بأن جهل من أي جمرة ترك الحصاة بني على اليقين، فإن شك أمن الأولى أو ما بعدها، جعله من الأولى، أو شك في كونه من الثانية أو الثالثة جعله من الثانية لتبرأ ذمته بيقين كما لو تيقن ترك ركن وجهل محله.
فائدة: هل تجب الموالاة في الرمي أم لا؟ قال الشيخ مرعي في غايته ويتجه
[ ٢ / ١١١ ]
أنه لا تجب موالاة رمي انتهى، قال الشيخ محمد الخلوتي: الظاهر أنه لا تشترط الموالاة ويدل عليه قولهم وإن جهل من أيها تركت بني على اليقين أي فيجعلها من الأولى فيذهب إليها فيرميها بحصاة واحدة فقط ثم يعيد رمي ما بعدها فإنه لو كانت الموالاة معتبرة لأعاد رمي الأولى كاملًا لطول الزمن انتهى. قلت: قال في المغني: فأما السعي بين الصفا والمروة، فظاهر كلام أحمد أن الموالاة غير مشترطة فيه، وقال القاضي: تشترط الموالاة، والأول أصح فإنه نسك لا يتعلق بالبيت فلم تشترط له الموالاة كالرمي والحلاق انتهى ملخصا، فجعل صاحب المغني الرمي والحلاق أصلا في عدم اشتراط الموالاة فيهما وقاس عليهما السعي بين الصفا والمروة ومثله في الشرح الكبير، ومن هذا يتضح صحة ما بحثه الشيخ مرعي ومحمد الخلوتي والله أعلم، ثم يرمي في اليوم الثاني ثلاث الجمرات مرتبة على صفة ما تقدم، ويرمي في اليوم الثالث كذلك إن لم يتعجل في اليوم الثاني، وعدد الحصا لكل جمرة سبع حصيات لما تقدم، وأما جميع حصا الجمار فسبعون إن لم يتعجل يرمي منها جمرة العقبة يوم النحر بسبع حصيات وباقيها في أيام التشريق كل يوم إحدى وعرين حصاة في الجمرات الثلاث كل جمرة بسبع حصيات وتقدم ذلك.
أما من تعجل فعدد الحصا في حقه تسع وأربعون حصاة لأن اليوم الثالث يسقط عنه رميه، وكل هذا ظاهر لا غبار عليه، وإن أخر الرمي كله مع رمي يوم النحر بأن أخر رمي جمرة العقبة يوم النحر، وأخّر رمي الأول والثاني من أيام التشريق فرماها بعد الزوال آخر أيام التشريق أجزأه أداء لأن أيام الرمي كلها بمثابة اليوم الواحد لأنها كلها وقت للرمي، ومعنى ذلك أن أيام الرمي الأربعة كيوم واحد منها للرمي تأخيرًا لا تقديمًا، فلو رمى جمرات الأيام الثلاثة مرتبًا في أول يوم من أيام التشريق مثلًا لم يجزئه، ولو أخر الرمي كله إلى آخر يوم منها ورمى مرتبًا بعد الزوال أجزأه لكنه بتأخير الرمي إلى آخر أيام التشريق تارك للأفضل وهو الإتيان بالرمي في مواضعه المتقدمة، قال في المنتهى وشرحه: وإن أخر رمي يوم ولو كان المؤخر رميه يوم النحر إلى غده أو أكثر أجزأه أداء، أو أخر رمي الكل إلى آخر أيام التشريق ورماها بعد الزوال
[ ٢ / ١١٢ ]
أجزأه رميه أداء لأن أيام التشريق كلها وقت للرمي، فإذا أخره عن أول وقته إلى آخره أجزأه كتأخير وقوف بعرفة إلى آخر وقته، ويجب ترتيبه أي الرمي بالنية كمجموعتين وفوات الصلاة، فإذا أخر الكل مثلًا بدأ بجمرة العقبة فرمى فنوى رميها ليوم النحر، ثم يأتي الأولى ثم الوسطى ثم العقبة ناويًا عن أول يوم من أيام التشريق، ثم يعود فيبدأ من الأولى حتى يأتي على الأخيرة ناويًا عن الثاني وهكذا عن الثالث انتهى. وإن أخر الرمي كله عن أيام التشريق أو أخر جمرة العقبة عن أيام التشريق أو ترك المبيت بمنى ليلة أو أكثر من ليالي أيام التشريق غير الثالثة لمن تعجل فعليه دم لقول ابن عباس: من ترك نسكًا أو نسيه فإنه يهريق دما. قال الشيخ منصور في شرح الإقناع: وعلم منه أنه لو ترك دون ليلة فلا شيء عليه وظاهره ولو أكثرها انتهى، قال في شرح المنتهى: ولعل المراد لا يجب استيعاب الليلة بالمبيت بل كمزدلفة على ما سبق انتهى.
وقال الشيخ مرعي: ويتجه المراد أي من البيتوتة بمنى معظم الليل، وتقدم
ولا يأتي بالرمي بعد أيام التشريق كالبيتوتة بمنى لياليها إذا تركها لا يأتي بها لفوات وقته واستقرار الفداء الواجب فيه، قال في المنتهى وشرحه: وفي ترك حصاة واحدة ما في إزالة شعرة طعام مسكين، وفي ترك حصاتين ما في إزالة شعرتين مثل ذلك، وهذا إنما يتصور في آخر جمرة من آخر يوم وإلا لم يصح رمي ما بعدها وفي أكثر من حصاتين دم لما تقدم في حلق الرأس انتهى، قال
[ ٢ / ١١٣ ]
الخلوتي: قوله وفي ترك حصاة، إلخ بشرط أن يكون من الأخيرة، وأن يكون سائر ما قبلها من الجمرات وقع تامًا وأن تكون أيام التشريق قد مضت، فإنه لو كان الترك من غير الأخير لم يصح رمي ما بعد الجمرة التي ترك منها ولو كان ما قبل المتروك منها ناقصًا لم يصح رميه ولم يصح رمي ما بعده بالمرة ولو كان الترك من الأخيرة ولم تمض جميع أيام التشريق وجب عليه أن يعيد ولم يجزئه الإطعام لبقاء وقت الرمي كما تقدم جميع ذلك فافهم تسلم انتهى. وعن الإمام أحمد يجزئه خمس حصيات، وفي رواية أخرى ست، قال في المغني: والأولى أن لا ينقص في الرمي عن سبع حصيات لأن النبي ﷺ رمى بسبع حصيات فإن نقص حصاة أو حصاتين فلا بأس ولا ينقص أكثر من ذلك نص عليه لما روى ابن أبي نجيح قال: سئل طاووس عن رجل ترك حصاة قال: يتصدق بتمرة أو لقمة فذكرت ذلك لمجاهد فقال إن أبا عبد الرحمن لم يسمع قول سعد يعني ابن مالك قال سعد: (رجعنا من الحجة مع رسول الله ﷺ بعضنا يقول رميت بست وبعضنا يقول بسبع، فلم يعب بعضنا على بعض) .
رواه الأثرم وغيره، ومتى أخل بحصاة واجبة من الأولى لم يصح رمي الثانية حتى يكمل الأولى، فإن لم يدر من أي الجمار تركها بنى على اليقين، وإن أخل بحصاة غير واجبة لم يؤثر تركها انتهى من المغني ملخصا ومثله في الشرح الكبير، والمذهب ما قدمناه من أن عدد السبع شرط، وحديث سعد ها رواه أيضًا أحمد والنسائي ورجاله رجال الصحيح؛ ولكن لا يكون دليلا بمجرد ترك إنكار بعض الصحابة على البعض الآخر إلا أن يثبت أن النبي ﷺ اطلع على ذلك وأقره وقد رمى ﷺ بسبع حصيات وقال: (لتأخذوا عني مناسككم) والله أعلم، وليس على أهل سقاية الحجيج وهم سقاة زمزم على ما في المطلع لابن أبي
[ ٢ / ١١٤ ]
الفتح والمستوعب للسامري والمبدع وغيرها من كتب الأصحاب ولا على الرعاء مبيت بمنى ولا مزدلفة لما روى ابن عمر (أن العباس استأذن النبي ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له) متفق عليه، وعن عاصم بن عدي (أن رسول الله ﷺ رخص لرعاة الإبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر ثم يرمون يومين ثم يرمون يوم النفر) . رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان. قوله يرمون يوم النحر: أي جمرة العقبة ثم يخرجون ولا يبيتون بمنى. قوله ثم يرمون يومين: أي يرمون اليوم الثاني عشر لذلك اليوم واليوم الذي فاتهم الرمي فيه وهو اليوم الحادي عشر.
قوله ثم يرمون يوم النفر: أي اليوم الثالث عشر إن لم يتعجلوا والله أعلم، وفي رواية (رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما) رواه أبو داود والنسائي، وفي الموطأ بسنده عن عاصم بن عدي بلفظ (إن رسول الله ﷺ رخص لرعاء الإبل في البيتوتة خارجين عن منى يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد، ومن بعد الغد ليومين، ثم يرمون يوم النفر)، قال مالك: تفسير الحديث الذي أرخص فيه رسول الله ﷺ لرعاء الإبل في تأخير رمي الجمار فيما نرى، والله أعلم أنهم يرمون يوم النحر فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد، وذلك يوم النفر الأول فيرمون لليوم الذي مضى ثم يرمون ليومهم ذلك لأنه لا يقضي أحد شيئًا حتى يجب عليه فإذا وجب عليه ومضى كان القضاء بعد ذلك فإن بدا لهم النفر فقد فرغوا وإن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفر الآخر ونفروا انتهى.
فائدة: المراد بالسقاة أهل زمزم خاصة، وأما السقاة في غير زمزم كالذين يذهبون إلى المياه ويرجعون بالماء إلى الحجيج بمنى فحكمهم حكم أهل الأعذار وليسوا بالسقاة المشار إليهم في الحديث والله أعلم، فإن غربت الشمس وأهل
[ ٢ / ١١٥ ]
سقاية الحج والرعاة بمنى لزم الرعاء المبيت لانقضاء وقت الرعي وهو النهار دون أهل السقاية فلا يلزمهم المبيت ولو غربت وهم بمنى لأنهم يسقون بالليل.
فائدة: قال المحب بن نصر الله في حواشي الكافي: لزوم المبيت للرعاء إذا غربت الشمس هل هو مطلقًا أو بشرط أن لا تكون إبلهم في المرعى، فإن كانت فيه كان لهم الخروج من منى بعد الغروب إليها لم أجد فيه نقلا، والظاهر أنهم إن خافوا عليها جاز لهم الخروج وإلا فلا انتهى، قال في الإنصاف والمريض، ومن له مال يخاف عليه ونحوه كغيره يعني في لزوم البيتوتة بمنى، هذا المذهب وعليه الأصحاب، ثم قال: وقيل أهل الأعذار من غير الرعاء كالمرضى ومن له مال يخاف ضياعه ونحوهم حكمهم حكم الرعاء في ترك البيتوتة جزم به المصنف، يعني الموفق والشارح وابن تميم، قال في الفصول: وكذا خوف فوات ماله وموت مريض، ثم قال: قلت هذا والذي قبله هو الصواب، قال الشارح: وأهل الأعذار كالمرضى ومن خاف ضياع ماله ونحوهم كالرعاء، لأن الرخصة لهؤلاء تنبيه على غيرهم انتهى. قال ابن القيم ﵀: وإذا كان النبي ﷺ قد رخص لأهل السقاية وللرعاء في ترك البيتوة، فمن له مال يخاف ضياعه أو مريض يخاف من تخلفه عنه أو كان مريضًا لا تمكنه البيتوتة سقطت عنه بتنبيه النص على هؤلاء والله أعلم انتهى. وإن كان مريضًا أو محبوسًا أو له عذر جاز أن يستنيب من يرمي عنه كالمعضوب يستنيب في الحج كله إذا عجز عنه والأولى أن يشهده إن قدر على الحضور ليتحقق الرمي. ويستحب أن يضع المريض ونحوه الحصا في يد النائب ليكون له عمل في الرمي، ولو أغمي على المستنيب لم تبطل النيابة بذلك فله الرمي عنه كما لو استنابه في الحج ثم أغمى عليه وهذا فيما إذا كان الحج فرضًا، أما إن كان نفلًا جاز له أن يستنيب من يرمي عنه ولو
[ ٢ / ١١٦ ]
لغير عذر لما تقدم أول الكتاب أن النيابة في حج النفل تجوز للقادر في كله وفي بعضه، فتنبه لهذا ولا تغفل، والله أعلم.
فائدة جليلة: ذكر الأصحاب أنه لا يجوز للنائب في رمي الجمار أن يرمي عن مستنيبه قبل رميه عن نفسه، وقيدوا ذلك بما إذا كان محرما بفرضه، قال في المغني: ولا يجوز أن يرمى عنه إلا من قد رمى عن نفسه لأنه لا يجوز أن ينوب عن الغير وعليه فرض نفسه انتهى. قال في الشرح الكبير: ولا يجوز أن يرمي إلا من قد رمى عن نفسه لأنه لا يجوز أن ينوب عن الغير وعليه فرض نفسه كالحج انتهى، قال في المنتهى وشرحه: لكن لا يبدأ ولي في رمي جمرات إلا بنفسه كنيابة حج، فإن رمى عن موليه وقع عن نفسه إن كان محرمًا بفرضه انتهى، قال الشيخ محمد الخلوتي في حاشيته على قول صاحب المنتهى: لكن لا يبدأ في رمي إلا بنفسه: أي فيما إذا كان حج فرض كما قيد به في شرحه انتهى، قال في الإقناع وشرحه لكن لا يجوز أن يرمي عنه: أي عن الصغير إلا من رمى عن نفسه كما في النيابة في الحج إن كان الولي محرما بفرضه قاله في المبدع وشرح المنتهى انتهى، فمفهوم عبارة المغني والشرح وشرح المنتهى وحاشية الخلوتي والإقناع وشرحه أنه لو كان الولي أو النائب محرما بنفل أنه يجوز أن يرمي عن مستنيبه أو موليه قبل أن يرمي عن نفسه، وإذا قلنا بعدم جواز رمي النائب عن مستنيبه أو الولي عن موليه قبل رميه عن نفسه فيما إذا كان حجه فرضا فهل إذا رمى النائب عن نفسه أو الولي عن موليه الجمرة الأولى في أيام التشريق يجوز أن يرميها عن مستنيبه أو موليه في ذلك اليوم قبل رمي الجمرة الوسطى وجمرة العقبة عن نفسه، أو لا يجوز؟ لم أر لأصحابنا الحنابلة كلاما في ذلك، وجواز ذلك لا يبعد فيما يظهر لأنه إنما رمى الجمرة الأولى عن مستنيبه أو مواليه بعد رميها
[ ٢ / ١١٧ ]
عن نفسه ولأنه ليس فيه إخلال بالترتيب المشترط في رمي الجمار، والمنع من القول بالجواز يحتاج إلى دليل، والله أعلم.
ونسوق الآن بعض عبارات أصحاب المذاهب، فنقول: قال ابن حجر الهيتمي الشافعي: فلو رمى الجمرة الأولى لم يصح أن يرمي عن المستنيب قبل أن يرمي الجمرتين الباقيتين عن نفسه على الأوجه عندي من احتمالين للأسنوي خلافًا للزركشي حيث رجح مقابله، قال لأن الموالاة بين الجمرات لا تشترط، وكما له أن يطوف عن غيره إذا كان قد طاف عن نفسه وبقي عليه أعمال الحج انتهى، والفرق أن الطواف ركن مستقل بنفسه لا ارتباط له بما بعده فحيث فعله جاز له فعله عن غيره، وأما رمي الجمرات الثلاث فهو واجب واحد له أجزاء كما أن الطواف كذلك، فكما ليس له الطواف عن غيره ما بقي عليه من طوافه شيء وإن لم تجب الموالات فيه كذلك ليس له الرمي عن غيره ما بقي عليه من رميه شيء، ويدل لما ذكرته قوله: من عليه رمى اليوم الثاني مثلا لو رمى في اليوم الثالث لكل جمرة أربع عشرة حصاة لم يقع شيء منها عن يومه لأن رمي أمسه لم يتم، ولو كان الأمر كما ذكره لزمه الوقوع عن يومه لأن رمي أمسه لم يتم، ولو كان الأمر كما ذكره لزمه الوقوع عن يومه لأن رمي أمسه بالنسبة لكل جمرة تم قبل الشروع في الجمرة الثانية، فدل كلامهم على أن الجمرات كالجمرة الواحدة وهو صريح فيما ذكرته إلى أن قال: وبما تقرر يعلم أنه لو استناب من عليه رمي أول أيام التشريق في ثانيها من رمي أولها عن نفسه تخير النائب بين أن يقدم رمي نفسه عند كل جمرة أو رمي مستنيبه لأنه قد فعل ما استنيب فيه انتهى كلام ابن حجر المذكور، وقال أيضًا في تحفة المحتاج: فرع له أنا جماعة في الرمي عنهم جاز كما هو ظاهر لكن هل يلزمه الترتيب بينهم بأن لا يرمي عن الثاني مثلا إلا بعد استكمال رمي الأول، أو لا يلزمه ذلك فله أن
[ ٢ / ١١٨ ]
يرمي الأولى عن الكل ثم الوسطى كذلك ثم الأخيرة كذلك ثم الأخيرة كذلك؟ كل محتمل والأول أقرب قياسًا على ما لو استنيب عن آخر وعليه رمي لا يجوز له أن يرمي عن مستنيبه إلا بعد كمال رميه عن نفسه كما تقرر.
فإن قلت ما عليه لازم له فوجب الترتيب فيه، بخلاف ما على الأول في مسألتنا. قلت: قصد الرمي له صيرة كأنه ملزوم به فلزمه الترتيب رعاية لذلك انتهى كلام صاحب التحفة. وفي حاشية الشيخ أحمد بن قاسم الشافعي أن ما ذكره صاحب التحفة أحد احتمالين، والثاني أنه لا يتوقف على رمي الجميع بل إن رمى الجمرة الأولى صح أن يرمي عقبه عن المستنيب قبل أن يرمي الجمرتين الباقيتين عن نفسه، وفي الخادم أنه الظاهر انتهى مخلصا. وقال في لباب المناسك وشرحه من كتب الحنفية: ولو رمى بحصاتين إحداهما عن نفسه والأخرى عن غيره جاز ويكره؛ أي لتركه السنة فإن ينبغي أن يرمي السبع عن نفسه أولًا ثم يرميها عن غيره نيابة انتهى. وقال في توضيح المناسك من كتب المالكية: ويستحيب لمن يرمي عن غيره أن يرمي أولًا عن نفسه ثم عمن ناب عنه، فإن رمى جمرة بتمامها أولا عن نفسه ثم رماها عمن ناب عنه أو العكس أجزأه وترك المندوب وهو التتابع بين الجمرات الثلاث من غير فصل بشيء؛ ولو رمى حصاة عن نفسه وحصاة عمن ناب عنه أجزأه أيضًا وترك المندوب وهو تتابع الحصيات من غير فصل خلافا للقابسي القائل إنه يعيد عن نفسه وعن غيره ولا يعتد من ذلك ولا بحصاة واحدة، ومنه على الظاهر لو رمى عن نفسه حصاتين أو أكثر وعن الآخر مثله أو دون أو أكثر كما في البناني؛ وأما إن شرك بينه وبين من ناب عنه في الحصاة الواحدة لم يجزئه عن واحد مهما وكذا لو رمى بحصاتين قصد بهما عن نفسه ومن ناب عنه انتهى، ومن هذا يظهر الجواز في مسألتنا هذه لدى الحنفية والإجزاء لدى المالكية والصحة
[ ٢ / ١١٩ ]
لدى الشافعية في أحد الاحتمالين للأسنوي ورجحه الزركشي الشافعي واستظهره في الخادم، والله أعلم. وتقدم الكلام في ذلك في فصل ويصح الحج والعمرة من صغير.
فائدة: ذكر الأصحاب أنه لا يعتد برمي حلال ومرادهم بذلك والله أعلم من لم يحج في تلك السنة التي رمى فيها لأنه غير متلبس بتلك العبادة فلم يكن صالحًا لأدائها عن نفسه فعن غيره من باب أولى، والله أعلم، وتقدم في فصل الاستبانة في الحج والعمرة وفي فصل ومن أحرم وأطلق شيئًا من مسائل النيابة فليعاود عند الاحتياج إليه.
ويستحب للإمام أو نائبه أن يخطب في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال خطبة يعلمهم فيها حكم التعجيل والتأخير والتوديع لحاجة الناس إلى تعليمهم ذلك لحديث سراء بنت نبهان قالت: (خطبنا رسول الله ﷺ يوم الرؤوس فقال: أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: أليس أوسط أيام التشريق) . رواه أبو داود وسكت عنه، وسكت عنه المنذري، وقال في مجمع الزوائد رجاله ثقات، وعن ابن أبي نجيحعن أبيه عن رجلين من بني بكر قالا: (رأينا رسول الله ﷺ يخطب بين أوسط أيام التشريق ونحن عند راحلته وهي خطبة رسول الله ﷺ التي خطب بمنى) . رواه أبو داود وسكت عنه، وسكته عنه المنذري والحافظ في التلخيص ورجاله رجال الصحيح. وعن أبي نضرة قال: حدثني من سمع خطبة النبي ﷺ في أوسط أيام التشريق فقال: (يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى أبلَّغتُ؟ قالوا: بلَّغَ رسول الله ﷺ) رواه أحمد، قال في مجمع الزوائد: رجاله رجال الصحيح، وسمي اليوم الثاني
[ ٢ / ١٢٠ ]
من أيام التشريق بيوم الرؤوس لأنهم كانوا يأكلون فيه رؤوس الأضاحي، والله أعلم.
فائدة: الخطب المشروعة في الحج ثلاث: أولها ببطن عرنة يوم عرفة، وثانيها بمنى يوم النحر بكرة، وثالثها بمنى أيضًا في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال والله أعلم. ولكل حاج ولو أراد الإقامة بمكة التعجيل إن أحب لقوله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى) . قال عطاء: هي للناس عامة: يعني أهل مكة وغيرهم، ولقوله ﷺ: (أيام منى ثلاث فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه) . رواه أبو داود وابن ماجة إلا الإمام المقيم للمناسك فليس له التعجيل لأجل من يتأخر من الناس، والأفضل التأخير.
قال شيخ الإسلام ﵀ بعد كلام له سبق: ثم إن شاء رمى في اليوم الثالث وهو الأفضل، وإن شاء تعجل في اليوم الثاني بنفسه قبل غروب الشمس كما قال تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى) ولا ينفر الإمام الذي يقيم للناس المناسك، بل السنة أن يقيم إلى اليوم الثالث انتهى.
قال ابن القيم في زاد المعاد: ولم يتعجل ﷺ في يومين، بل تأخر حتى أكمل رمي أيام التشريق الثلاثة انتهى. فإن أحب غير الإمام أن يتعجل في ثاني أيام التشريق، وهو النفر الأول خرج من منى قبل غروب الشمس لظاهر الآية والخبر، ولا يضر رجوعه إلى منى بعد ذلك لحصول الرخصة؛ ومعنى هذا أن من تعجل في اليوم الثاني من منى ثم رجع إلى منى وغربت الشمس وهو بمنى لم يلزمه المبيت فيها، والله أعلم، وليس على المتعجل لليوم
[ ٢ / ١٢١ ]
الثالث رمي نص عليه، قال في الإقناع وشرحه: ويدفن بقية الحصا وهو حصا اليوم الثالث، قال في الفروع في الأشهر زاد بعضهم في المرمى انتهى. قلت: وله طرحه بالأرض لعدم الدليل على دفنه هذا إن كان قد جمعه، وإن غربت الشمس وهو بمنى لزمه المبيت والرمي من الغد بعد الزوال.
قال ابن المنذر: ثبت أن عمر قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس ولأنه بعد إدراكه الليل لم يتعجل في يومين، أما من تعجل في يومين ثم رجع إلى منى وأدركه الغروب بها لم يلزمه المبيت فيها كما تقدم، والله أعلم، وقال أبو حنيفة: له أن ينفر ما لم يطلع فجر اليوم الثالث لأنه لم يدخل اليوم الآخر فجاز له النفر كما قبل الغروب، وحجة الحنابلة قوله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه) واليوم اسم للنهار، فمن أدركه الليل فما تعجل في يومين كما تقدم عن عمر ﵁. قلت: لكن لو نوى التعجل وقام بطرح خيامه وحملها مع أثاثه، ثم عرض له ما يمنعه من الخروج من منى كمثل توقف سير السيارات وما أشبه ذلك وغربت الشمس وهو بمنى، فالظاهر أنه لا يلزمه المبيت والرمي من الغد لما فيه من الضرر والخرج، لا سيما بعد حمل خيامه وأثاثه على السيارات والله أعلم، ثم رأيت النووي صرح بذلك حيث قال ولو ارتحل فغربت الشمس قبل انفصاله منى فله النفر ولو غربت وهو في شغل الارتحال انتهى. ثم ينفر الإمام في اليوم الثالث، وهو النفر الثاني وينفر معه في ذلك اليوم من لم ينفر في اليوم الثاني.
ويستحب إذا نفر من منى نزوله بالأبطح وهو المحصب والخيف والبطحاء والحصبة، قال في الإقناع: وحدّه ما بين الجبلين إلى المقبرة انتهى: يعني مقبرة مكة وهي المعلاة، والله أعلم، فيصلي به الظهرين والعشاءين ويهج يسيرًا ثم يدخل مكة، لحديث أنس (أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به)، رواه
[ ٢ / ١٢٢ ]
البخاري، وعن ابن عمر (أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء ثم هجع هجعة ثم دخل مكة وكان ابن عمر يفعله) رواه أحمد وأبو داود والبخاري بمعناه، وعن الزهري، عن سالم: أن أبا بكر وعمر وابن عمر كانوا ينزلون الأبطح، قال الزهري: وأخبرني عروة عن عائشة (أنها لم تكن تفعل ذلك وقالت إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان منزلًا أسمح لخروجه) رواه مسلم، وعن عائشة قالت: (نزول الأبطح ليس بسنة إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج) متفق عليه، وعن ابن عباس قال (التحصيب ليس بشيء إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ) متفق عليه. وقول ابن عباس: ليس بشيء أي ليس بسنة والله أعلم. قلت: ويترجح أن النزول بالمحصب مستحب لتقريره ﷺ على ذلك وفعله، وقد فعله الخلفاء الراشدون بعده كما رواه مسلم عن سالم، وقال ابن عمر (كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان ينزلون الأبطح) . قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ويدل لاستحباب التحصيب ما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث أسامة بن زيد: (أن النبي ﷺ قال: نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث قاسمت قريشًا على الكفر) يعني بخيف بني كنانة المحصب وذلك أن بني كنانة حالفت قريشًا على بني هاشم أن لا يناكحوهم ولا يؤووهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ.
قال الزهري: والخيف الوادي، وحكى النووي عن القاضي عياض أنه مستحب عند جميع العلماء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ثم إذا نفر من منى، فإن بات بالمحصب وهو الأبطح وهو ما بين الجبلين إلى المقبرة ثم نفر بعد ذلك فحسن، فإن النبي ﷺ بات به وخرج ولم يقم بمكة بعد صدوره من منى لكنه
[ ٢ / ١٢٣ ]
ودّع البيت انتهى، قال ابن القيم: ونفر ﷺ من منى في حجته يوم الثلاثاء بعد الظهر إلى المحصب وهو الأبطح وهو خيف بني كنانة فوجد أبا رافع قد ضرب فيه قبته هنالك وكان على ثقله توفيقًا من الله ﷿ دون أن يأمره به رسول الله ﷺ فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة ثم نهض إلى مكة فطاف للوداع ليلا سحرًا ولم يرمل في هذا الطواف، ثم خرج من أسفلها إلى المدينة ولم يرجع إلى المحصب، وفي الصحيحين عن عائشة (خرجنا مع رسول الله ﷺ) وذكرت الحديث، قالت: (حين قضى الله الحج ونفرنا من منى فنزلنا بالمحصب دعا عبد الرحمن بن أبي بكر فقال له اخرج بأختك من الحرم ثم افرغا من طوافكما ثم ائتياني هاهنا بالمحصب، قالت: فقضى الله العمرة وفرغنا من طوافنا في جوف الليل، فأتيناه بالمحصب، فقال فرغتما؟ قلنا نعم، فأذن في الناس بالرحيل فمر بالبيت فطاف به، ثم ارتحل متوجهًا إلى المدينة) فهذا من أصح حديث على وجه الأرض.
وقد اختلف السلف في التحصيب هل هو سنة أو منزل اتفاق على قولين، فقالت طائفة: هو من سنن الحج، فإن في الصحيحين عن أبي هريرة (أن رسول الله ﷺ، قال حين أراد أن ينفر من منى: نحن نازلون غدًا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر) يعني بذلك المحصب، وذلك أن قريشًا وبني كنانة تقاسموا على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يكون بينهم شيء حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ، فقصد النبي ﷺ إظهار شعائر الإسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر والعداوة لله ورسوله، وهذه كانت عادته صلاة الله وسلامه عليه أن يقيم شعائر التوحيد في مواضع شعائر الكفر والشرك، كما أمر النبي ﷺ أن يبنى مسجد الطائف موضع اللات،
[ ٢ / ١٢٤ ]
قالوا وفي صحيح مسلم عن ابن عمر (أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا ينزلونه) وفي رواية لمسلم عنه (أنه كان يرى التحصيب سنة) وقال البخاري عنه (كان يصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويهجع، ويذكر أن رسول الله ﷺ فعل ذلك)، وذهب آخرون منهم ابن عباس وعائشة إلى أنه ليس بسنة وإنما هو منزل اتفاق، ففي الصحيحين عن ابن عباس (ليس المحصب بشيء وإنما هو منزل نزل به رسول الله ﷺ ليكون أسمح لخروجه) وفي صحيح مسلم عن أبي رافع (لم يأمرني رسول الله ﷺ أن أنزل بمن معي بالأبطح، ولكن أنا ضربت قبته، ثم جاء فنزل فأنزله الله فيه بتوفيقه تصديقًا لقول رسوله: نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة) وتنفيذًا لما عزم عليه وموافقة منه لرسول صلاة الله وسلامه عليه انتهى كلام ابن القيم ملخصًا. قلت: نزول المحصب حسن ومستحب، لأن رسول الله ﷺ عازم على نزوله حين أراد أن ينفر من منى كما في حديث أبي هريرة المتفق عليه وتقدم.
قال الحافظ بن حجر في فتح الباري: والحاصل أن من نفى أن التحصيب سنة كعائشة وابن عباس أراد أنه ليس من المناسك فلا يلزم بتركه شيء، ومن أثبته كابن عمر أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله ﷺ لا الإلزام بذلك انتهى. قال بعضهم: المحصب داخل في حدود مني واحتج لذلك بقول الشافعي وهو عالم بمكة وأقطارها:
يا راكبا قف بالمحصب من منى واهتف بقاطن خيفها والناهض
وهذا الاحتجاج ليس بشيء بل هو وهم، لأن قوله: من منى متعلق ب (راكبًا) وليس قوله من منى في موضع الصفة للمحصب كما توهمه هذا المحتج فافهم تسلم، ويحتمل أن قوله قف بالمحصب من منى، أي قف عند الجمرات التي تحصب أي
[ ٢ / ١٢٥ ]
ترمى بالجمار، قال جرير:
كأن في الخدِّ قرنَ الشمس طالعة لما دَنَى من جمار الناس تحصيب.
أراد يوم منى وحصب الجمار رميها، وهذا أظهر من معنى البيت المذكور، والله أعلم.
قال الشيخ سليمان بن علي في منسكه: ويسن إذا نزل من منى نزوله بالأبطح وهو المحصب، وحدُّه ما بين الجبلين إلى المقبرة فيصلي به الظهرين والعشائين ويهج يسيرًا ثم يدخل مكة، كذا ذكر في الإقناع والمنتهى وشرحه وغيرهم، فدلَّ هذا على أن الأبطح ليس من مكة: فلو أقام به من ودَّع أو اتجر لم تجب عليه إعادة الوداع، لأنها إقامة كمن خرج من مكة إلى بعض بقاع الحرم؛ ويؤيد ذلك ما في المغني قال: وإن أحرم خارجًا منها (أي مكة) من الحرم جاز لقول جاب: (فأهللنا من الأبطح) انتهى. إذا تقرر هذا فالأبطح ليس من مكة انتهى كلام الشيخ سليمان. قلت: الظاهر والله أعلم أنه لم يكن في زمن الشيخ سليمان بنيان بالأبطح ولم تصل دور مكة إليه، وأما في زمننا هذا فقد جاوز العمران الأبطح فصار الأبطح بذلك من مكة لاتصال دور مكة به ومجاوزتها له، وأما ما ذكره صاحب المغني من قوله: وإن أحرم خارجًا منها: أي مكة من الحرم إلخ، فذلك كان في وقته حيث لم يصل العمران إلى الأبطح، فعلى هذا من ودع البيت ثم أقام بالأبطح أو اتجر فيه لزمه إعادة الوداع لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدما، هذا ما ظهر لي، والله أعلم.
تتمة: قال بعضهم: اعلم أن منى بها خمس خصال: إحداها أن ما قبل من حصا الجمار يرفع كما تقدم، ذكر ذلك عن السلف. الثانية اتساعها للحجيج مع ضيقها في الأعين. الثالثة كون الحدأة لا تخطف منها اللحم. الرابعة كون
[ ٢ / ١٢٦ ]
الذباب لا يقع في الطعام وإن كان من شأنه أن لا ينفك عنه كالعسل والسكر. الخامسة قلة البعوض بها، ونظمها بعضهم فقال:
وآي منى خمس فمنها اتساعها لحجاج بيت الله لو جاوزوا الحدَّا.
ومنع حداة من تخطف لحمها وقلة وجدان البعوض بها عدّا.
وكون ذباب لا يقع في طعامها ورفع الحصا المقبول دون الذي ردّا.