قال شيخ الإسلام ﵀ وإذا دخل المدينة قبل الحج أو بعده فإنه يأتي مسجد النبي ﷺ ويصلي فيه، والصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، ولا تشد الرحال إلا إليه وإلى المسجد الحرام والمسجد الأقصى، هكذا ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وهو مروي من طرق أخر، ومسجده كان أصغر مما هو اليوم وكذلك المسجد الحرام لكن زاد فيه الخلفاء الراشدون ومن بعده، وحكم الزيادة حكم المزيد في جميع الأحكام، ثم يسلم على النبي ﷺ وصاحبيه فإنه قد قال: (ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇) رواه أبو داود وغيره، وكان عبد الله بن عمر إذا دخل المسجد يقول: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك
[ ٢ / ١٤٥ ]
يا أبا بكر السلام عليك يا أبت ثم ينصرف، وهكذا كان الصحابة يسلمون عليه، ويسلمون عليه مستقبلي الحجرة مستدبري القبلة عند أكثر العلماء كمالك والشافعي وأحمد، واتفقوا على أنه لا يستلم الحجرة ولا يقبلها ولا يطوف بها ولا يصلي إليها، وإذا قال في سلامه السلام عليك يا رسول الله يا خيرة الله من خلقه يا أكرم الخلق على ربه يا إمام المتقين فهذا كله من صفاته بأبي هو وأمي ﷺ، وكذلك إذا صلى عليه مع السلام عليه فهذا مما أمر الله به، ولا يدعو هناك مستقبلًا للحجرة فإن هذا كله منهي عنه باتفاق الأئمة، ولا يقف عند القبر للدعاء لنفسه فإن هذا بدعة ولم يكن أحد من الصحابة يقف عنده يدعو لنفسه ولكن كانوا يستقبلون القبلة ويدعون في مسجده فإنه ﷺ قال: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد) وقال: (لا تجعلوا قبري عيدًا ولا تجعلوا بيوتكم قبورًا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني) فأخبر ﷺ أنه يسمع الصلاة والسلام من القريب وأنه مبلغ ذلك من البعيد، وزيارة القبور على وجهين زيارة شرعية وزيارة بدعية، فالشرعية المقصود بها السلام على
الميت والدعاء له كما يقصد في الصلاة على جنازته، فزيارته بعد موته من جنس الصلاة عليه، فالسنة فيها أن يسلم على الميت ويدعو له، سواء كان نبيًا أو غير نبي كما كان النبي ﷺ يأمر أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا واغفر لنا ولهم، وهكذا يقول إذا زار أهل البقيع ومن به من الصحابة أو غيرهم أو زار شهداء أُحد وغيرهم، والزيارة البدعية أن يكون مقصود الزائر أن يطلب حوائجه من ذلك الميت أو يقصد الدعاء عند قبره أو يقصد الدعاء به فهذا ليس من سنة النبي ﷺ
[ ٢ / ١٤٦ ]
ولا استحبه أحد من سلف الأمة بل هو من البدع المنهي عنها باتفاق سلف الأمة وأئمتها، والأحاديث المذكورة في هذا الباب مثل قوله: (من زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحد ضمنت له على الله الجنة) وقوله (من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي، ومن زارني بعد مماتي حلت عليه شفاعتي) ونحو ذلك كلها أحاديث ضعيفة بل موضوع ليست في شيء من دواوين المسلمين التي يعتمد عليها ولا نقلها إمام من أئمة المسلمين لا الأئمة الأربعة ولا نحوهم، لكن روى بعضها البزار والدارقطني ونحوهما بأسانيد ضعيفة، لأن من عادة الدارقطني وأمثاله يذكرون هذا في السنن ليعرف وهو وغيره يثبتون ضعف الضعيف من ذلك، فإذا كانت هذه الأمور التي فيها شرك وبدعة ينهى عنها عند قبره وهو أفضل الخلق، فالنهي عن ذلك عند قبر غيره أولى وأحرى ويستحب أن يأتي مسجد قباء ويصلي فيه فإن النبي ﷺ قال: (من تطهر في بيته فأحسن الطهور ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان له كأجر عمرة) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة، وقال النبي ﷺ: (الصلاة في مسجد قباء كعمرة) قال الترمذي حديث حسن
والسفر إلى المسجد الأقصى والصلاة فيه والدعاء والذكر والقراءة والاعتكاف مستحب في أي وقت شاء سواء كان عام الحج أو بعده، ولا يفعل فيه ولا في مسجد النبي ﷺ إلا ما يفعل في سائر المساجد، ليس فيها شيء يتمسح به ولا يقبل ولا يطاف به، هذا كله ليس إلا في المسجد الحرام خاصة.
والدين مبني على أصلين: أن لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له ولا يعبد إلا بما شرع لا نعبده بالبدع كما قال تعالى: (فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)، ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول
[ ٢ / ١٤٧ ]
في دعائه: اللهم اجعل عملي صالحًا واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل فيه لأحد شيئًا، وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) قيل أخلصه وأصوبه، قيل: يا أبا علي ما أخلصه وأصوابه؟ قال إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإن كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة إلى أن قال: ولهذا كان أئمة العلماء يعدون من جملة البدع المنكرة السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين، وهذا في أصح القولين غير مشروع حتى صرح بعض من قال ذلك أن من سافر هذا السفر لا يقصر فيه الصلاة لأنه سفر معصية، وكذلك من يقصد بقعة لأجل الطلب من مخلوق هي منسوبة إليه كالقبر والمقام أو لأجل الاستعاذة به ونحو ذلك فهذا شرك وبدعة إلى أن قال: ولهذا نهى العلماء عما فيه عبادة لغير الله وسؤال من مات من الأنبياء والصالحين مثل من يكتب رقعة ويعلقها عند قبر نبي أو صالح أو يسجد لقبره أو يدعوه ويرغب إليه. قلت: ما ذكره شيخ الإسلام هنا من قوله ولهذا نهى العلماء إلخ، لا ينافي أنه شرك بالله أكبر لأن الشرك بالله أعظم المنهيات.
قال الشيخ: ورفع الصوت في المساجد منهي عنه وهو في مسجد النبي ﷺ أشد، وقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى رجلين يرفعان أصواتهما في المسجد فقال: لو أعلم أنكما من أهل البلد لأوجعتكما ضربًا، إن الأصوات لا ترفع في مسجده ﷺ، فما يفعله بعض جهال العامة من رفع الصوت عقب الصلاة من قولهم: السلام عليكم يا رسول الله بأصوات عالية من أقبح المنكرات ولم يكن أحد من السلف يفعل شيئًا من ذلك عقب الصلاة لا بأصوات عالية ولا منخفضة، بل ما في الصلاة من قول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته هو
[ ٢ / ١٤٨ ]
المشروع، كما أن الصلاة عليه مشروعة في كل زمان ومكان، قلت هذا في زمن شيخ الإسلام ﵀ فكيف لو رأى زمننا هذا الذي قل فيه العلم النافع وكثر في الجهل واتبع فيه الهوى فإنه قد زاد رفع الصوت في مسجده ﷺ من هؤلاء الجهلة الزائرين فإنه بعد كل صلاة يقومون جماعات في قبلّي المسجد ويكون مع كل جماعة مزوِّر يرفع صوته لجماعته فيرفعون أصواتهم بما يقول وهكذا كل جماعة ترفع صوتها فيصير لهم ضجة في المسجد يذوب من سماعها قلب الموحد (فإنا لله وإنا إليه راجعون) قال الشيخ: وفي سنن سعيد بن منصور: أن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب رأى رجلًا ينتاب قبر النبي ﷺ للدعاء عنده فقال يا هذا إن رسول الله ﷺ قال: (لا تتخذوا قبري عيدًا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني) فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء انتهى كلام شيخ الإسلام ملخصًا من منسكه الأخير.
وقال في المنتهى وشرحه: قال الشيخ تقي الدين: واتفقوا على أنه لا يقبل الحجرة ولا يتمسح بها فإنه من الشرك قال: والشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، وكذا مس القبر أو حائطه ولص صدره به وتقبيله انتهى. وتستحب الصلاة بمسجده ﷺ، وهي بألف صلاة والصلاة بالمسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة، وحسنات الحرم في المضاعفة كصلاته لحديث ابن عباس مرفوعًا (من حج من مكة ماشيًا حتى يرجع إلى مكة كتب الله له بكل خطوة سبعمائة حسنة كل حسنة مثل حسنات الحرم، قيل له: وما حسنات الحرم؟ قال: بكل حسنة مائة ألف حسنة) رواه ابن خزيمة في صحيحه والحاكم كلاهما من رواية عيسى بن سوادة، وقال الحاكم صحيح الإسناد، وقال ابن خزيمة: إن صح الخبر فإن في القلب
[ ٢ / ١٤٩ ]
من عيسى بن سوادة، قال المنذري قال البخاري: هو منكر الحديث انتهى قال في الإقناع: وتعظم السيئات به انتهى. سئل أحمد في رواية ابن منصور: هل تكتب السيئة أكثر من واحدة؟ قال: لا إلا بمكة لتعظيم البلد؛ ولو أن رجلًا بعدن وهم أن يقتل عند البيت أذاقه الله من العذاب الأليم. انتهى.
وظاهر كلام الإقناع أن المضاعفة في الكيف لا الكم وهو كلام الشيخ تقي الدين، وظاهر كلام الفتوحي في المنتهى تبعًا للقاضي أبي يعلى وغيره أن المضاعفة في الكم كما هو ظاهر نص الإمام أحمد وكلام ابن عباس: ما لي وبلد تتضاعف فيها السيئات كما تتضاعف الحسنات، قال منصور البهوتي: وهو خاص فلا يعارضه عموم الآيات بل تخصص به لأن مثله لا يقال من قبل الرأي فهو بمنزلة المرفوع انتهى، قلت: الذي يترجح عند هو ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى من أن مضاعفة السيئات في الكيف لا الكم حتى لا يتعارض مع قوله جل وعلا (ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) وتقدم البحث في ذلك بأبسط من هذا في فصل: ومكة أفضل من المدينة من باب صيد الحرمين ونباتهما ويسن أن يأتي مسجد قباء، بضم القاف، يقصر ويمد ويصرف على ميلين من المدينة من جهة الجنوب فيصلي فيه لما في الصحيحين أنه ﷺ كان يأتيه راكبًا وماشيًا فيصلي فيه ركعتين، وفي الصحيحين أيضًا كان يأتيه كل سبت راكبًا وماشيًا، وكان ابن عمر يفعله، وتقدم كلام شيخ الإسلام في ذلك.
قال الإمام أحمد: وإذا حج الذي لم يحج قط، يعني من غير طريق الشام لا يأخذ على طريق المدينة لأني أخاف أن يحدث به حدث فينبغي أن يقصد مكة من أقصر الطرق ولا يتشاغل بغيره انتهى، ويستحب لمن دخل المسجد أن يقدم رجله اليمنى، ثم يقول: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي
[ ٢ / ١٥٠ ]
وافتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج قدم رجله اليسرى، وقال مثل ذلك إلا أنه يقول: وافتح لي أبواب فضلك، قال في المغني والشرح الكبير: ثم تأتي القبر فتولي ظهرك القبلة وتستقبل وسطه وتقول: السلام عليكم أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام عليك يا نبي الله وخيرته من خلقه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أشهد أنك ق بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وعبدت الله حتى أتاك اليقين فصلى الله عليك كثيرًا كما يحب ربنا ويرضى اللهم اجز عنا نبينا أفضل ما جزيت أحدًا من النبيين والمرسلين، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته يغبطه به الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم اجعله أول الشافعين وأنجح السائلين وأكرم الآخرين والأولين برحمتك يا أرحم الراحمين. ثم يتقدم قليلًا ويقول: السلام عليكم يا أبا بكر الصديق، السلام عليك يا عمر الفاروق، السلام عليكما يا صاحبي رسول الله ﷺ وضجيعيه ووزيريه ورحمة الله وبركاته، اللهم اجزهما عن نبيهما وعن الإسلام خيرًا (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) . انتهى ملخصًا.
قال الإمام أبو عبد الله الحليمي الشافعي: لولا أن رسول الله ﷺ قال: (لا تطروني) لوجدنا فيما نثني عليه ما تكل الألسن عن بلوغ مداه، ولكن امتثال نهيه خصوصًا بحضرته أولى فليعدل عن التوسع في ذلك انتهى، قلت: ولقد عمت البلوى فكان بعض الجهلة بالتوحيد الذي بعث الله به سيد المرسلين يأتي في زيارته للنبي ﷺ ولغيره من شهداء أُحد وأهل البقيع بكلام غير مشروع بل
[ ٢ / ١٥١ ]
هو من الشرك كقول بعضهم عند الحجرة: يا رسول الله أتيناك زائرين مستجيرين مستغيثين فلا تردنا خائبين، المدد يا رسول الله، الغوث يا أكرم الخلق على الله يا رسول الله خذ بأيدينا، ونحو ذلك من الكلام الذي هو من الشرك الأكبر (فإن لله وإنا إليه راجعون) فيجب على كل من أراد نجاة نفسه التنبه لذلك وتنبيه الجاهل واستعمال السلام المشروع، والله الموفق الهادي إلى سواء السبيل.
ويسن أن يقول عند منصرفه من حجه متوجهًا إلى بلده: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، آيبون: أي راجعون، تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، لما في الصحيحين عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول فذكره. قال في الإقناع وشرحه: ولا بأس أن يقال للحاج إذا قدم (تقبل الله نسكك وأعظم أجرك وأخلف نفقتك) . رواه سعيد عن ابن عمر قال في المستوعب: وكانوا يغتنمون أدعية الحاج قبل أن يتلطخوا بالذنوب، وفي الخبر: اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج.
تنبيه:
قد ذكر بعض الفقهاء والمؤلفين في المناسك أحاديث ضعيفة بل موضوعة في زيارة قبره ﷺ، فمنها حديث (من زار قبري وجبت له شفاعتي) . رواه الدارقطني والبيهقي، وهو حديث منكر ضعيف الإسناد وقد تفرد به موسى بن هلال العبدي المجهول الحال عن عبد الله بن عمر العمري المشهور بسوء الحفظ وشدة الغفلة، ومنها حديث (من حجج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي) .
رواه الدارقطني في سننه وغيرها وهو حديث منكر المتن ساقط الإسناد، وذكر بعض العلماء أنه من الأحاديث الموضوعة
[ ٢ / ١٥٢ ]
والأخبار المكذوبة وهو من رواية حفص بن سليمان، قال عثمان بن سعيد الدارمي وغيره، عن يحيى بن معين ليس بثقة، وقال الإمام أحمد متروك الحديث، وقال البخاري تركوه، وقال مسلم بن الحجاج متروك، وقال علي بن المديني ضعيف وتركته على عمد، وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه، ومنها حديث (من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني) رواه ابن عدي في الكامل، وهو حديث منكر جدًا لا أصل له بل هو من المكذوبات والموضوعات وهو كذب موضوع وقد عده ابن الجوزي في الموضوعات، قال ابن حبان في كتاب الضعفاء: النعمان بن شبل أبو شبل من أهل البصرة يروى عن أبي عوانه ومالك والبصريين والحجازيين روى عنه ابن ابنه محمد بن محمد بن النعمان بن شبل حدثنا عنه الحسن بن سفيان أنه يأتي عن الثقات بالطامات وعن الإثبات بالمقلوبات، وروى عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال، قال رسول الله ﷺ: (من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني)، ومن المعلوم عند أهل الحديث أن تفرد مثل محمد بن محمد بن النعمان بن شبل المتهم بالكذب والوضع عن جده النعمان بن شبل الذي لم يعرف بعدالة ولا ضبط من أبين الأدلة على ضعف ما تفرد به وكذبه ورده، ونسخه مالك عن نافع عن ابن عمر محفوظة رواها عنه أصحابه رواة الموطأ وليس هذا الحديث منها بل لم يروه مالك قط ولا طرق سمعه ولو كان من حديثه لبادر إلى روايته عنه بعض أصحاب الثقات بل لو تفرد برواية هذا الحديث عنه ثقة معروف من بين سائر أصحاب مالك لأنكره الحفاظ عليه ولعدوه من الأحاديث المنكرة الشاذة فكيف وهو حديث لم يروه عنه ثقة قط، ومنها حديث: (من زار قبري) أو قال: (من زارني كنت له شفيعًا أو شهيدًا) رواه أبو داود الطيالسي في مسنده، قال:
[ ٢ / ١٥٣ ]
حدثنا سوار بن ميمون أبو الجراح العبدي، قال حدثني رجل من آل عمر عن عمر قال سمعت رسول الله
ﷺ يقول: (من زار قبري) أو قال: (من زارني كنت له شفيعًا أو شهيدًا، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله ﷿ من الآمنين يوم القيامة) وهذا الحديث ليس بصحيح لانقطاعه وجهالة إسناده واضطرابه، وقد خرجه البيهقي في كتاب شعب الإيمان، وفي كتاب السنن الكبرى، وقال في كتاب السنن بعد تخرجه: هذا إسناد مجهول انتهى، وسوار بن ميمون شيخ أبي داود الطيالسي يقلبه بعض الرواة ويقول ميمون بن سوار وهو شيخ مجهول لا يعرف بعدالة ولا ضبط، وأما شيخ سوار في رواية أبي داود هذه فإنه شيخ مهم وهو أسوأ حالًا من المجهول، فكل هذه الأحاديث التي ذكرناها ليس فيها حديث صحيح بل كلها ضعيفة أو موضوعة لا أصل لها، وأجود ما روى في أحاديث الزيارة ما روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده من حديث أبي هريرة قال: حدثنا عبد الله بن يزيد هو أبو عبد الرحمن المقريء حدثنا حيوة، حدثنا أبو صخر أن يزيد بن عبد الله بن قسيط أخبره عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله ﷿ علي روحي حتى أرد ﵇) وهذا الحديث هو الذي اعتمد عليه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما من الأئمة في مسألة الزيارة، ومع هذا فإنه لا يسلم من مقال في إسناده ونزاع في دلالته.
أما المقال في إسناده فمن جهة تفرد أبي صخر به عن ابن قسيط، وأبو صخر هو حميد بن زياد وهو ابن أبي المخارق المدني الخراط صاحب العبا، سكن مصر، ويقال حميد بن صخر، واختلف الأئمة في عدالته فوثقه بعضهم وتكلم فيه آخرون، واختلفت الرواية عن يحيى بن معين فيه فقال أحمد بن سعيد بن أبي
[ ٢ / ١٥٤ ]
مريم عنه: أبو صخر حميد بن زياد الخراط ضعيف الحديث، وقال إسحاق بن منصور عنه: أبو صخر حميد بن زياد ضعيف، وروى عثمان بن سعيد الدارمي عنه حميد بن زياد الخراط ليس به بأس، وقال في موضع آخر: قلت ليحيى فأبو صخر؟ قال ثقة: وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل سئل أبي عن أبي صخر فقال: ليس به بأس وروى عن الإمام أحمد رواية أخرى أنه ضعيف، وقال النسائي: حميد بن صخر ضعيف، وفي كتاب الضعفاء للنسائي حميد بن صخر ليس بالقوي، قال في التقريب: حميد بن زياد أبو صخر بن أبي المخارق الخراط صاحب العبا مدني سكن مصر، ويقال هو حميد بن صخر أبو مودود الخراط، وقيل إنهما اثنان صدوق يهم من السادسة مات سنة تسع وثمانين بعد المائة انتهى، فقد تبين أن هذا الحديث الذي تفرد به أبو صخر عن ابن قسيط عن أبي هريرة لا يخلو من مقال في إسناده وأنه لا ينتهي به إلى درجة الصحيح وإنما هو حديث إسناده مقارب وهو صالح أن يكون متابعًا لغيره وعاضدًا له، والله أعلم.
وأما النزاع في دلالة الحديث فمن جهة احتمال لفظه، فإن قاله (ما من أحد يسلم علي) يحتمل أن يكون المراد به عند قبره كما فهمه جماعة من الأئمة، ويحتمل أن يكون معناه على العموم، وأنه لا فرق في ذلك بين القريب والبعيد، والذين قالوا بالاحتمال الأول، وأثبتوا استحباب السلام عليه عند الحجرة كمالك وابن حبيب وأحمد بن حنبل وأبي داود واحتجوا: إما بفعل ابن عمر كما احتج به مالك وأحمد وغيرهما، وإما بهذا الحديث فإنه عمدة الإمام أحمد وأبي داود وابن حبيب وأمثالهم، وليس في لفظ الحديث المعروف في السنن والمسند عند قبري لكن عرفوا أن هذا هو المراد وأنه لم يرد على كل مسلم عليه في كل صلاة في شرق الأرض وغربها، مع أن هذا المعنى إن كان هو المراد بطل الاستدلال
[ ٢ / ١٥٥ ]
بالحديث من كل وجه على اختصاص تلك البقعة بالسلام، وإن كان المراد هو السلام عليه عند قبره كما فهمه عامة العلماء فهل يدخل فيه من سلم من خارج الحجرة فهذا مما تنازع فيه الناس، وقد تنازعوا في دلالته فمن الناس من يقول هذا إنما يتناول من سلم عليه عند قبره كما كانوا يدخلون الحجرة على زمن عائشة فيسلمون على النبي ﷺ فكان يرد عليهم فأولئك سلموا عليه عند قبره وكان يرد عليهم، وهذا قد جاء عمومًا في حق المؤمنين (ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇) قالوا: فأما من كان في المسجد لم يسلموا عليه عند قبره لا سيما بعد أن وضع الشباك على الحجرة وإنما سلامهم عليه في المسجد كالسلام عليه في الصلاة، وكالسلام عليه إذا دخل المسلم المسجد وخرج منه، وهذا هو السلام الذي أمر الله به في حقه بقوله (صلوا عليه وسلموا تسليما) وهذا السلام قد ورد أنه من سلم عليه مرة سلم الله عليه عشرًا كما أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرًا، وأما من سلم عليه عند قبره فإنه يرد عليه ذلك كالسلام على سائر المؤمنين ليس هو من
خصائص النبي ﷺ ولا هو السلام المأمور به الذي يسلم الله على صاحبه عشرًا فإن هذا هو الذي أمر الله به في القرآن، وهو لا يختص بمكان دون مكان، وحديث أبي هريرة هذا يدل على أنه يرد السلام على من سلم عليه، والمراد عند قبره ولكن النزاع في معنى كونه عند قبره، هل المراد به في بيته كما يراد مثل ذلك في سائر ما أخبر به من سماع الموتى إنما هو لمن كان عند قبورهم قريبًا منها أو يراد به من كان في المسجد أيضًا قريبًا من الحجرة كما قاله طائفة من السلف والخلف، وقول من يقول إنه صلى الله علي وسلم يسمع الصلاة والسلام من البعيد ممتنع
[ ٢ / ١٥٦ ]
فإنه إن أراد وصول المصلى والمسلم إليه فهذه مكابرة، وإن أراد أنه ﷺ يكون بحيث يسمع أصوات الخلائق من بعيد فليس هذا إلا لله رب العالمين الذي يسمع أصوات العباد كلها، ويقال أيضا ليس في الحديث ثناء على المسلم ولا مدح له ولا ترغيب له في ذلك ولا ذكر أجر له كما جاء في الصلاة والسلام المأمور بهما فإنه قد وعد أن من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا، وكذلك من سلم عليه، وأيضًا فهما مأمور بهما وكل مأمور به ففاعله محمود مشكور مأجور، وأما قوله: (ما من رجل يمر بقبر الرجل فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇ وما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇) فإنما فيه مدح المسلم عليه والإخبار بسماعه السلام وأنه يرد السلام فيكافئ المُسَلِّم عليه لا يبقى للمسَلَّم عليه فضل فإنه بالرد تحصل المكافأة كما قال تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) والمقصود هنا أن يعرف ما كان عليه السلف من الفرق بين ما أمر الله به من الصلاة والسلام على الرسول ﷺ وبين سلام التحية الموجب للرد الذي يشترك فيه كل مؤمن حي وميت.
ومن أعظم ما منّ الله به على رسوله وعلى أمته واستجاب فيه دعاءه أن دفن في بيته بجانب مسجده فلا يقدر أحد أن يصل إلا إلى المسجد خصوصًا بعد وضع الشباك على الحجرة، والمسافر إلى قبره ﷺ إنما يسافر إلى المسجد، وإذا سمى هذا زيارة لقبره فهو اسم لا مسمى له إنما هو إتيان إلى مسجده ﷺ ولهذا لم يطلق السلف هذا اللفظ؛ ولا عند قبره قناديل معلقة ولا ستور مسبلة بل إنما تعلق القناديل في المسجد المؤسس على التقوى، ولا يقدر أحد أن يخلق نفس قبره بزعفران أو غيره من الخلوق، ولا ينذر زيتًا ولا شمعًا ولا سترًا، ولا غير ذلك مما ينذره أهل الإشراك لقبر
[ ٢ / ١٥٧ ]
غيره، وإن كان فعل شيء من ذلك في ظاهر الحجرة أو كان في بعض الأحوال قد ستر بعض الناس الحجرة أو خلقها بعضهم بزعفران، فهذا إنما هو للحائط الذي يلي المسجد لا من باطن الحجرة والقبر كما يفعل بقبر غيره، فعلم أن الله ﷾ استجاب دعاءه حين قال: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد) وإن كان كثيرًا من الناس يريدون أن يجعلوه وثنا ويعتقدون أن ذلك تعظيم له كما يريدون ذلك ويعتقدونه في قبر غيره، فهو لا يتمكنون من ذلك في قبره ﷺ، بأبي هو وأمي، لا سيما بعد وضع الشباك على الحجرة، بل هذا القصد والاعتقاد خيال في أنفسهم لا حقيقة له في الخارج فما يحصل من بعض الزوار في مسجده ﷺ أثناء زيارتهم لا يعد من البدع والإشراك واقعًا عند قبره ﷺ، وإنما ذلك في مسجده ﷺ، لأنه من الممتنع الوصول إلى قبره ﷺ، فعلم يقينًا أن الله قد استجاب دعاءه ﷺ، كما قال ابن القيم في الكافية الشافعية:
ولقد نهانا أن نصيِّر قبره عيدًا حذار الشرك بالرحمن.
ودعا بأن لا يجعل القبر الذي قد ضمه وثنًا من الأوثان.
فأجاب رب العالمين دعاؤه وأحاطه بثلاثة الجدران.
حتى اغتدت أرجاؤه بدعائه في عزة وحماية وصيان انتهى.
قلت: هذا في زمن ابن القيم ثم بعد زمنه أحيط أيضًا بالشباك الكبير الموجود الآن فأصبح القبر محاطًا بثلاثة الجدران التي ذكرها ابن القيم ﵀ وثلاثة الجدران محاطة بالشباك الكبير من جميع الجهات، فالحمد لله رب العالمين والمقصود أن الصلاة والسلام عليه ﷺ المأمور بهما في القرآن لا يوجب الرد، وهو أفضل من السلام الموجب للرد، وكانت على عهد الخلفاء
[ ٢ / ١٥٨ ]
الراشدين والصحابة حجرته ﷺ خارجة عن المسجد ولم يكن بينهم وبينه إلا الجدار، ثم إنه إنما أدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة وكان من آخرهم موتًا جابر بن عبد الله وهو توفي في خلافة عبد الملك قبل خلافة الوليد فإنه توفى سنة بضع وسبعين، والوليد تولى سنة بضع وثمانين وتوفى سنة بضع وتسعين فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك، وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبه النميري في كتاب أخبار المدينة مدينة الرسول ﷺ عن أشياخه وعمن حدثوا عنه أن عمر بن عبد العزيز لما كان نائبًا للوليد على المدينة في سنة إحدى وتسعين هجرية هدم المسجد وبناه بالحجارة المنقوشة وهدم حجرات أزواج النبي ﷺ فأدخلها في المسجد وأدخل القبر فيه، وقوله في الحديث (إلا رد الله علي روحي حتى أراد ﵇) يقتضي رد الروح بعد السلام ولا يقتضي استمرارها في الجسد وليعلم أن رد الروح بعد للبدن هو عودها إلى الجسد بعد الموت لا يقتضي فيه ولا يستلزم حياة أخرى قبل يوم النشر نظير الحياة المعهودة، بل إعادة الروح إلى الجسد في البرزخ إعادة برزخية لا تزيل عن الميت اسم الموت، وقد ثبت في حديث البراء بن عازب الطويل المشهور في عذاب القبر ونعيمه وفي بيان الميت وحاله أن روحه تعاد إلى جسده مع العلم بأنها غير مستمرة فيه؛ وأن هذه الإعادة
ليست مستلزمة لإثبات حياة مزيلة لاسم الموت، بل هي نوع حياة برزخية والحياة جنس تحتها أنواع وكذلك الموت، فإثبات بعض أنواع الموت لا ينافي الحياة كما في الحديث الصحيح أنه كان إذا استيقظ من النوم قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور، وفي الجملة رد الروح على الميت في البرزخ ورد السلام
[ ٢ / ١٥٩ ]
على من يسلم عليه لا يستلزم الحياة التي يظنها بعض الغالطين وإن كان نوع حياة برزخية، وقول من زعم إنها نظير الحياة المعهودة مخالف للمنقول والمعقول ويلزم منه مفارقة الروح للرفيق الأعلى وحصولها تحت التراب قرنًا بعد قرن والبدن حي مدرك سميع بصير تحت أطباق التراب والحجارة ولوازم هذا باطلة مما لا يخفى على العقلاء، وعند أهل السنة من الفقهاء والمحدثين وغيرهم أن الروح ذات قائمة بنفسها لها صفات تقوم بها وأنها تفارق البدن وتصعد وتنزل وتُقبض، وتُنعم وتعذب، وتدخل وتخرج، وتذهب وتجيء، وتُسأل وتحاسب، ويقبضها الملك ويعرج بها إلى السماء ويشيعها ملائكة السموات إن كانت طيبة وإن كانت خبيثة طرحت طرحًا، وأنها تحس وتدرك وتأكل وتشرب في البرزخ من الجنة كما دلت عليه السنة الصحيحة في أرواح الشهداء خصوصًا والمؤمنين عمومًا، ومع هذا فلها شأن آخر غير شأن البدن فإنها تكون في الملأ الأعلى فوق السموات، وقد تعلقت بالبدن تعلقًا يقتضي رد السلام على من سلم عليه عند قبره وهي في مستقرها في عليين مع الرفيق الأعلى، وقد مر النبي ﷺ ليلة الإسراء على موسى قائمًا يصلي في قبره، ثم رآه في السماء السادسة ولا ريب أن موسى لم يرفع من قبره.
تلك الليلة لا هو ولا غيره من الأنبياء الذين رآهم في السموات؛ بل لم تزل تلك منازلهم من السموات، وإنما رآهم النبي ﷺ ليلة الإسراء في منازلهم التي كانوا فيها من حين رفعهم الله سبحانه إليها، ولم تكن صلاة موسى في قبره بموجبة مفارقة روحة للسماء السادسة وحلولها في القبر، بل هي في مستقرها ولها تعلق بالبدن قوى حتى حمله على الصلاة، وقد ثبت في الصحيح أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها
[ ٢ / ١٦٠ ]
وتسرح فيها حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش وهذا شأنها حتى يبعثها الله سبحانه إلى أجسادها، ومع هذا فإذا زارهم المسلم وسلم عليهم عند قبورهم عرفوه وردوا ﵇ بل ونسمة المؤمن كذلك مع كونها طائرًا تعلق في شجر الجنة ترد على صاحبها وتشعر بالمسلم إذا سلم عليه عند قبره والله أعلم، قال في الكافية الشافعية لابن القيم رحمه الله تعالى:
وكذا نشد رحالنا للمسجد النبوي خير مساجد البلدان.
من بعد مكة أو على الإطلاق فيه الخلف منذ زمان.
فإذا أتينا المسجد النبوي صلينا التحية أولا ثنتان.
ثم أنثنينا للزيارة نقصد القبر الشريف ولو على الأجفان.
فنقوم دون القبر وقفة خاضع متذلل في السر والإعلان.
فكأنه في القبر حي ناطق فالواقفون نواكس الأذقان.
ملكتهم تلك المهابة فاعترت تلك القوائم كثرة الرجفان.
وتفجرت تلك العيون بمائها ولطال ما غاضت على الأزمان.
وأتى المسلم بالسلام بهيبة ووقار ذي علم وذي إيمان.
لم يرفع الأصوات حول ضريحه كلا ولم يسجد على الأذقان.
كلا ولم ير طائفًا بالقبر أسبوعًا كأن القبر بيت ثان.
ثم انثنى بدعائه متوجها لله نحو البيت ذي الأركان.
هذي زيارة من غدا متمسكا بشريعة الإسلام والإيمان.
من أفضل الأعمال هاتيك الز- يارة وهي يوم الحشر في الميزان.
لا تلبسوا الحق الذي جاءت به سن الرسول بأعظم البطلان.
هذي زيارتنا ولم ننكر سوى ال- بدع المضلة يا أولي العدوان.
[ ٢ / ١٦١ ]
وحديث شر الرحل نص ثابت يجب المصير إليه بالبرهان. انتهى.
ويأتي في كلام شيخ الإسلام أن السلف نصوا على أنه لا يوقف عنده للدعاء، قال شيخ الإسلام: اتفق الأئمة على أنه يسلم على النبي ﷺ عند زيارته وعلى صاحبيه لما في السنن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي بها روحي حتى أرد ﵇) وهو حديث جيد إلى أن قال ومع هذا لم يقل أحد منهم أن الدعاء مستجاب عند قبره ولا أنه يستحب أن يتحرى الدعاء متوجهًا إلى قبره بل نصوا على نقيض ذلك، واتفقوا كلهم على أنه لا يدعو مستقبل القبر، وتنازعوا في السلام عليه فقال الأكثرون كمالك وأحمد وغيرهما يسلم عليه مستقبل القبر وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي، وقال أبو حنيفة وأصحابه: بل يسلم عليه مستقبل القبلة بل نص أئمة السلف على أنه لا يوقف عنده للدعاء مطلقًا كما ذكر ذلك إسماعيل بن إسحاق في كتاب المبسوط وذكره القاضي عياض، قال مالك: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ ويدعو ولكن يسلم ويمضي، وقال أيضًا في المبسوط: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر، فقيل له: فإنا ناسًا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر وربما وقفوا في الجمعة أو في اليوم المرة والمرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة؟ فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدتنا ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك إلا من جاء من سفر أو أراده.
قال ابن القاسم رأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوها أتوا القبر
[ ٢ / ١٦٢ ]
وسلموا قال وذلك دأبي فهذا مالك وهو أعلم أهل زمانه: أي زمن تابع التابعين بالمدينة النبوية التي كان أهلها في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أعلم الناس بما يشرع عند قبر النبي ﷺ يكرهون الوقوف للدعاء بعد السلام عليه وبين أن المستحب هو الدعاء له ولصاحبيه وهو المشروع من الصلاة والسلام، وأن ذلك أيضًا لا يستحب لأهل المدينة كل وقت بل عند القدوم من سفر أو إرادته لأن ذلك تحية له، والمحيا لا يقصد بيته كل وقت لتحيته بخلاف القادمين من السفر، وقال مالك في رواية ابن وهب إذا سلم على النبي ﷺ يقف وجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدنو ويسلم ولا يمس القبر بيده، وكره مالك أن يقال: زرنا قبر النبي ﷺ، قال القاضي عياض كراهة مالك له لإضافته إلى قبر النبي ﷺ لقوله: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ينهى عن إضافة هذا اللفظ إلى القبر والتشبه بفعل ذلك قطعًا للذريعة وحسما للباب انتهى كلام الشيخ.
الإسلام وقد تنازع العلماء في شد الرحال إلى مجرد زيارة القبور، والصحيح أنه ينهى عن ذلك لحديث (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) فإن قيل الحديث نص في المساجد لا في غيرها، قلنا قد فهم الصحابة من نهيه ﷺ أن يسافر إلى غير المساجد الثلاثة أن السفر إلى طور سيناء داخل في النهي وإن لم يكن مسجدًا كما جاء عن بصرة ابن أبي بصرة وأبي سعيد وابن عمر وغيرهم، وحديث بصرة معروف في السنن والموطأ، قال لأبي هريرة وقد أقبل من الطور: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجت سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تعمل المطي إلا إلى الثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى) وأما ابن عمر: فروى أبو زيد عمر بن شبه النميري في كتاب أخبار المدينة،
[ ٢ / ١٦٣ ]
حدثنا ابن أبي الوزير، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طلق عن قزعة قال: أتيت ابن عمر فقلت إني أريد الطور؟ فقال: (إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى فدع عنك الطور فلا تأته) رواه أحمد بن حنبل في مسنده، وهذا النهي عن بصرة ابن أبي بصرة وابن عمر ثم موافقة أبي هريرة يدل على أنهم فهموا من حديث النبي ﷺ النهي فلذلك نهوا عنه لم يحملوه على مجرد نفي الفضيلة وكذلك أبو سعيد الخدري رواية أيضًا وحديثه في الصحيحين فروى أبو زيد، حدثنا هشام بن عبد الملك، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، حدثنا شهر بن حوشب قال: سمعت أبا سعيد وذكر عنده الصلاة في الطور فقال: قال رسول الله ﷺ: (لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها إلى مسجد تبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى) فأبو سعيد جعل الطور مما نهى عن شد الرحال إليه مع أن اللفظ الذي ذكره إنما فيه النهي عن شدها إلى المساجد فدل على أنه علم أن غير المساجد أولى بالنهي، والطور إنما يسافر من يسافر إليه لفضيلة البقعة وأن الله سماه الوادي
المقدس والبقعة المباركة وكلم الله موسى هناك فالصحابة الذي سمعوا الحديث من النبي ﷺ فهموا منه النهي وفهموا منه تناوله لغير المساجد وهم أعلم بما سمعوه، والله أعلم.
وأما طلب الاستغفار من النبي ﷺ بعد موته فليس بجائز، والحكاية المنسوبة عن الإمام مالك بن أنس الذي جاء فيه أنه قال لأبي جعفر المنصور: لم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇، بل استقبله واستشفع به يشفعه الله فيك، قال الله تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم) الآية. حكاية باطلة فإن هذا الحكاية لم يذكرها أحد من الأئمة فيما أعلم
[ ٢ / ١٦٤ ]
ولم يذكر أحد منهم أنه يستحب أن يسأل بعد الموت لا استغفارًا ولا غيره، وكلام الإمام مالك المنصوص عنه وعم أمثاله ينافي هذا، وإنما يعرف مثل هذا في حكاية ذكرها طائفة من متأخرى الفقهاء أنه يروى عن العتبي أنه قال: كنت جالسًا عند قبر النبي ﷺ فجاء أعرابي إلى قبر النبي ﷺ فقال السلام عليك يا رسول الله: سمعت الله يقول (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم) وتلا هذه الآية وأنشد هذين البيتين:
يا خير من دفنت بالبقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم.
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم.
ثم انصرف الأعرابي فحملتني عيناي فرأيت النبي ﷺ في النوم، فقال: يا عتبى الحق الأعرابي فبشره أن الله تعالى قد غفر له، ولهذا استحب طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد مثل ذلك واحتجوا بهذه الحكاية التي لا يثبت بها حكم شرعي لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعًا مندوبًا لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل به من غيرهم، وليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن يكون السبب مشروعًا مأمورًا به، وهذه الحكاية يرويها بعضهم عن العتبي بلا إسناد، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزعفراني عن الأعرابي، وقد ذكرها البيهقي في شعب الإيمان بإسناد مظلم عن محمد بن روح بن يزيد البصري، حدثني أبو حرب الهلالي، قال: حج أعرابي فلما جاء إلى باب مسجد رسول الله ﷺ أناخ راحلته فعقلها ثم دخل المسجد حتى أتى القبر ثم ذكر نحو ما تقدم، وقد وضع لها بعض الكذابين إسنادًا إلى علي بن أبي طالب، وفي الجملة ليست هذه الحكاية المذكورة عن الأعرابي
[ ٢ / ١٦٥ ]
مما تقوم بها حجة وإسنادهم مظلم مختلق ولفظها مختلق أيضًا فلا يصلح الاحتجاج بمثل هذه الحكاية ولا الاعتماد على مثلها عند أهل العلم ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور، وبالله التوفيق.