-- في صفة العمرة وما يتعلق بذلك:
من كان في الحرم من مكي وغيره وأراد العمرة خرج إلى الحل فأحرم من أقربه إلى الحرم وكان ميقاتًا له، قال في الشرح الكبير: لا نعلم فيه خلافًا انتهى، ومن التنعيم؛ لأن النبي ﷺ أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر أخته عائشة من التنعيم.
قال ابن سيرينك بلغني أن النبي ﷺ وقت لأهل مكة التنعيم، وإنما لزم الإحرام من الحل ليجمع في النسك بين الحل والحرم، ومن أي الحل أحرم جاز، وإنما أعمر النبي ﷺ عائشة من التنعيم لأنه أقرب الحل إلى مكة. ثم يلي الإحرام من التنعيم في الأفضلية الإحرام من الجعرانة بكسر الجيم وإسكان العين وتخفيف الراء وقد تكسر العين وتشدد الراء، وقال الشافعي: التشديد خطأ. وهي موضع بين مكة والطائف خارج من حدود الحرم يعتمر منه، سمي بريطة بنت سعد وكانت تلقب بالجعرانة، قال في القاموس وهي المرادة في قوله تعالى: (كالتي نقضت غزلها) قال في المصباح المنير: والجعرانة موضع بين مكة والطائف، وهي على سبعة أميال من مكة وتمامه فيه، وفي ذلك الموضع بئر ماؤها من أعذب المياه، ثم يلي الإحرام من الجعرانة في الأفضلية الإحرام من الحديبية مصغرة وقد تشدد. قال في المصباح: الحديبية بئر بقرب
[ ٢ / ١٦٦ ]
مكة على طريق جدة دون مرحلة ثم أطلق على الموضع وتمامه فيه. قال في القاموس: الحديبية كدويهيه وقد تشدد: بئر قرب مكة حرسها الله تعالى أو لشجرة حدباء كانت هناك انتهى قال في شرح القاموس لمرتضى الحسيني: وجزم المتأخرون أنها قريبة من قهوة الشميسي، والشجرة هي التي كانت تحتها بيعة الرضوان انتهى ملخصًا. قلت: قد قطع الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ الشجرة التي بويع تحتها رسول الله ﷺ لما رأى الناس يذهبون إليها مذاهب سدًا لذريعة الشرك من التبرك بالأشجار كذات أنواط المذكورة في حديث أبي واقد الليثي والله أعلم، والحديبية من الحل وهناك علمًا حدود الحرم قريبًا منها كما هو مشاهد.
ثم يلي ما سبق في الأفضلية ما بعد عن الحرم، وعنه في المكي كلما تباعد في العمرة فهو أعظم للأجر هي على قدر تعبها؛ ومن كان خارجًا عن حرم مكة دون المواقيت التي سبقت كأهل لزيمة والشرائع وبحرة ونحوها فميقات إحرامه بالحج أو العمرة من دويرة أهله كما تقدم في باب المواقيت لحديث ابن عباس السابق هناك؛ وإن كان في قرية وأراد الإحرام فإنه له أن يحرم من الجانب الأقرب من الحرم وإحرامه من الجانب الأبعد أفضل كمن بالميقات فإن إحرامه من الجانب الأبعد عن الحرم أفضل وتقدم في باب المواقيت، وتباح العمرة كل وقت من أوقات السنة في أشهر الحج وغيرها، فلا يكره الإحرام بها يوم عرفة ولا يوم النحر ولا أيام التشريق لأن الأصل الإباحة ولا دليل على الكراهة، فإن قيل كيف يتصور الإحرام بالعمرة يوم النحر وهو متلبس بحج إذ يكون ذلك من إدخال العمرة على الحج والصحيح عدم جوازه، فالجواب أن فعل ذلك لمن لم يكن متلبسًا بحج أصلًا أو لمن فاته الحج والله أعلم، لكن تقدم في باب الإحرام في صفة التمتع أن القاضي أبا يعلى
[ ٢ / ١٦٧ ]
قال: لو تحلل من الحج يوم النحر ثم أحرم فيه بعمرة فليس بمتمتع فعبارته صريحة في صحة عمرته يوم النحر بعد التحلل الأخير من الحج، فعلى هذا يكون الممنوع ما إذا أحرم بالعمرة وهو متلبس بالحج، أما إذا حل منه التحلل الأخير صح الاعتمار إذ ليس فيه إدخال للعمرة على الحج، على أني لم أطلع على أن أحدًا من السلف أو ممن يعتد بقوله اعتمر وهو في تلك الحالة التي بقي عليه بعض مناسك الحج من الرمي والمبيت ليالي منى والله أعلم.
ولا بأس أن يعتمر في السنة مرارًا روى عن علي وابن عمر وابن عباس وأنس وعائشة وعطاء وطاووس وعكرمة والشافعي، وكره العمرة في السنة مرتين الحسن وابن سيرين ومالك، قال النخعي ما كانوا يعتبرون في السنة إلا مرة، ولأن النبي ﷺ لم يفعله قال في الشرح الكبير ولنا أن عائشة اعتمرت في شهر مرتين بأمر النبي ﷺ عمرة مع قرانها وعمرة بعد حجها ولأن النبي ﷺ قال: (العمر إلى العمرة كفارة لما بينهما) متفق عليه. وقال علي ﵁: في كل شهر مرة وكان أنس إذا حمم رأسه خرج فاعتمر، رواهما الشافعي في مسنده انتهى.
ويكره الإكثار منها والموالاة بينها نصا باتفاق السلف قاله في الفروع، قال أحمد إن شاء كل شهر وقال لا بد أن يحلق أو يقصر وفي عشرة أيام يمكن حلق الرأس.
قال في الشرح: قال شيخنا يعني عمه الموفق وأحوال السلف وأقوالهم على ما قلناه ولأن النبي ﷺ لم تنقل عنه الموالاة بينها وإنما نقل عن السلف إنكار ذلك والحق في اتباعهم.
قال طاووس: الذين يعتمرون من التنعيم ما أدرى يؤجرون عليها أم يعذبون؟ قيل له: فلم يعذبون؟ قال لأنه يدع الطواف بالبيت ويخرج إلى أربعة أيمال ويجيء وإلى أن يجيء من أربعة أميال قد طاف مائة طواف، وكلما طاف بالبيت كان أفضل من أن يمشي
[ ٢ / ١٦٨ ]
في غير شيء انتهى.
والعمر في غير أشهر الحج أفضل منها في أشهر الحج نقله الأثرم عن أحمد، واختار في زاد المعاد أن العمر في أشهر الحج أفضل، وظاهر كلام جماعة التسوية، وأفضلها في رمضان ويستحب تكرارها فيه لأنها تعدل حجة لحديث ابن عباس مرفوعًا (عمرة في رمضان تعدل حجة) متفق عليه.
قال أحمد: من أدرك يومًا من رمضان فقد أدرك عمرة رمضان، وقال أنس (حج النبي ﷺ حجة واحدة واعتمر أربع عُمر واحدة في القعدة وعمرة الحديبية وعمرة مع حجته وعمرة الجعرانة إذ قسم غنائم حنين) متفق عليه.
وفي الصحيحين عن أنس (أن النبي ﷺ اعتمر أربع عمر كهلن في ذي القعدة إلا التي اعتمر مع حجته) الحديث، والتي مع حجته في ذي الحجة.
قال ابن القيم: ولا تناقض بين حديث أنس أنهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته وبين قول عائشة وابن عباس لم يعتمر رسول الله ﷺ إلا في ذي القعدة لأن مبدأ عمر القران كان في القعدة ونهايتها كانت في ذي الحجة مع انقضاء الحج، فعائشة وابن عباس أخبرا عن ابتدائها وأنس أخبر عن انقضائها انتهى. وتسمى العمرة حجًا أصغر لمشاركتها للحج في الإحرام والطواف والسعي والحلق والتقصير، وانفراد الحج بالوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ومنى ورمي الجمار وغير ذلك، قال في المنتهى وشرحه: وحرام إحرام بعمرة من الحرم لتركه ميقاته وينعقد إحرامه وعليه دم كمن تجاوز ميقاته بلا إحرام ثم أحرم انتهى.
قال في الإقناع وشرحه: وإن أحرم بالعمرة من الحرم لم يجز له ذلك لتركه ميقاته وهو الحل وينعقد إحرامه وعليه دم لتركه نسكًا واجبًا.
قال في المغني والشرح: فإن أحرم بالعمرة من الحرم لم يجز وينعقد وعليه دم وذلك لتركه الإحرام من الميقات وهو الحل، فإن خرج إلى الحل قبل الطواف ثم عاد أجزأه لأنه قد جمع بين الحل والحرم، وإن لم يخرج حتى قضى عمرته صح أيضًا لأنه قد أتى بأركانها.
[ ٢ / ١٦٩ ]
وإنما أخل بالإحرام من ميقاتها وقد جبره فأشبه من أحرم دون الميقات بالحج وهذا قول أبي ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وأحد قولي الشافعي.
والقول الثاني لا تصح عمرته لأنه نسك فكان من شرطه الجمع بين الحل والحرم كالحج فعلى هذا وجود هذا الطواف كعدمه وهو باق على إحرامه حتى يخرج إلى الحل ثم يطوف بعد ذلك ويسعى، وإن حلق قبل ذلك فعليه دم وكذلك كل ما فعله من محظورات إحرامه فعليه فديته، وإن وطئ أفسد عمرته ويمضي في فاسدها وعليه دم لإفسادها ويقضيها بعمرة من الحل، فإن كانت العمرة التي أفسدها عمرة الإسلام أجزأه قضاؤها عن عمرة الإسلام وإلا فلا انتهى.
قال في الرعاية: فإن أحرم بها من الحرم أو من مكة معتمرًا صح في الأصح ولزمه دم، وقيل إن أحرم بها مكي من مكة أو من بقية الحرم خرج إلى الحل قبل طوافها وقبل إتمامها وعاد فأتمها كفته وعليه دم لإحرامه دون الميقات وإن أتمها قبل أن يخرج ففي إجزائها وجهان انتهى.
قال في الفروع وإن أحرم بالعمرة من مكة أو الحرم لزمه دم ويجزئه إن خرج إلى الحل قبل طوافها وكذا بعده كإحرامه دون ميقات الحج به انتهى. يعني إذا خرج إلى الحل محرمًا أجزأته عمرته وعليه دم لإحرامه بها دون ميقاتها كإحرامه دون ميقات الحج والله أعلم، ثم بعد الإحرام بالعمرة يطوف لعمرته ويسعى ثم يحلق أو يقصر ولا يحل قبل الحلق أو التقصير، فإن وطئ قبله فعليه دم لما روى عن ابن عباس وتقدم قال في الشرح: وهل يحل قبل الحلق أو التقصير على روايتين أصلهما هل الحلق والتقصير نسك أو ليس بنسك؟ فإن قلنا إنه نسك لم يحل قبله كالرمي، وإن قلنا ليس بنسك بل إطلاق من محظور حل قبله كاللبس والطيب، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في الحج وهذا مقيس عليه انتهى. قلت: قد تقدم أن الحلق والتقصير نسك على الصحيح
[ ٢ / ١٧٠ ]
لا إطلاق من محظور واستوفينا البحث هناك فليراجع فإنه مهم جدًا والله الموفق. وتجزئ عمرة القارن عن عمرة الإسلام وتجزئ عمرة من التنعيم عن عمرة الإسلام، لحديث عائشة حين قرنت الحج والعمرة، فقال لها النبي ﷺ حين حلت منهما (قد حللت من حجك وعمرتك) وإنما أعمرها من التنعيم قصدًا لتطيب خاطرها وإجابة مسألتها لا لأنها كانت واجبة عليها وعن الإمام أحمد أن العمرة من أدنى الحل لا تجزئ عن العمرة الواجبة، قال إنما هي من أربعة أميال وثوابها على قدر تعبها، وروى عن عائشة ﵂ أنها قالت: والله ما كانت عمرة إنما كانت زيادة، وإذا لم تكن تامة لم تجز لقوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) قال علي ﵁ إتمامها أن تأتي بهما من دويرة أهلك.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بعد كلام له سبق: ولم يعتمر بعد الحج أحد ممن كان مع النبي ﷺ إلا عائشة وحدها، لأنها كانت قد حاضت فلم يمكنها الطواف، لأن النبي ﷺ قال (تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت) فأمرها أن تهل بالحج وتدع أفعال العمرة لأنها كانت متمتعة ثم إنها طلبت من النبي ﷺ أن يعمرها فأرسلها مع أخيها عبد الرحمن فاعتمرت من التنعيم، والتنعيم هو: أقرب الحل إلى مكة وبه اليوم المساجد التي تسمى مساجد عائشة، ولم تكن هذه على عهد النبي ﷺ وإنما بنيت بعد ذلك علامة على المكان الذي أحرمت منه عائشة، وليس دخول هذه المساجد ولا الصلاة فيها لمن اجتاز بها محرمًا لا فرضًا ولا سنة بل قصد ذلك واعتقاد أنه يستحب بدعة مكروهة، ولكن من خرج من مكة ليعتمر فإنه إذا دخل واحدًا منها وصلى فيه لأجل الإحرام، فلا بأس بذلك، ولم يكن على عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين أحد يخرج من مكة
[ ٢ / ١٧١ ]
ليعتمر إلا لعذر لا في رمضان ولا في غير رمضان، والذين حجوا مع النبي ﷺ ليس فيهم من اعتمر بعد الحج من مكة إلا عائشة كما ذكر ولا كان هذا من فعل الخلفاء الراشدين، والذين استحبوا الإفراد من الصحابة إنما استحبوا أن يحج في سفره ويعتمر في أخرى ولم يستحبوا أن يحج ويعتمر عقب ذلك عمرة مكية، بل هذا لم يكونوا يفعلونه قط، اللهم إلا أن يكون شيئًا نادرًا، وإن تنازع السلف في هذا هل يكون متمتعًا عليه دم أم لا، وهل تجزئة هذه العمرة عن عمرة الإسلام أم لا؟ وقد اعتمر النبي ﷺ بعد هجرته أربع عمر: عمرة الحديبية وصل إلى الحديبية، والحديبية وراء الجبل الذي بالتنعيم عند مساجد عائشة عن يمينك وأنت داخل إلى مكة ثم صده المشركون عن البيت فصالحهم وحل من إحرامه وانصرف، وعمرة القضية اعتمر من العام القابل، وعمرة الجعرانة كان قد قاتل المشركين
بحنين، وحنين من ناحية المشرق من ناحية الطائف، وأما بدر فهي بين المدينة وبين مكة وبين الغزوتين ست سنين ولكن قرنًا في الذكر لأن الله تعالى أنزل فيهما الملائكة لنصر النبي ﷺ والمؤمنين في القتال ثم ذهب فحاصر المشركين بالطائف ثم رجع وقسم غنائم حنين من الجعرانة، فلما قسم غنائم حنين اعتمر بالجعرانة داخلًا إلى مكة لا خارجًا منها للإحرام، والعمرة الرابعة مع حجته فإنه قرن بين العمرة والحج باتفاق أهل المعرفة بسنته وباتفاق الصحابة على ذلك، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أن النبي ﷺ تمتع تمتعًا حل فيه بل كانوا يسمون القران تمتعًا ولا نقل عن أحد من الصحابة أنه لما قرن طاف طوافين وسعى سعيين وعامة المنقول عن الصحابة الذين نقل عنهم أنه أفرد الحج، كعائشة، وابن عمر، وجابر؛ قالوا: إنه تمتع بالعمرة إلى الحج، وقد ثبت هذا في الصحيحين عن عائشة
[ ٢ / ١٧٢ ]
وابن عمر بإسناد أصح من إسناد الإفراد ومرادهم بالتمتع القران كما ثبت ذلك في الصحاح أيضًا انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وفي صحيح البخاري (أن النبي ﷺ قال لعائشة: انتظري فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم فأهلي ثم ائتيا بمكان كذا ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك) انتهى، وقوله بمكان كذا: أي بالأبطح وهو المحصب، والله أعلم، وروى ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: سئل عمر عن العمرة بعد الحج فقال هي خير من لا شيء، وسئلت عائشة فقالت على قدر النفقة، وروى عن عطاء وطاووس ومجاهد أنهم كرهوا العمرة بعد الحج، وقالوا: لا تجزئ ولا تفي، وقالوا: الطواف بالبيت والصلاة أفضل.
تتمة: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة) قال الترمذي حسن صحيح. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) . متفق عليه.