الشرط الخامس لوجوب الحج والعمرة الاستطاعة للآية والأخبار، وهي شرط للوجوب فقط لا للصحة والإجزاء، فغير المستطيع إذا حج واعتمر صح ذلك منه وأجزأه عن حجة الإسلام وعمرته، ولا تبطل الاستطاعة بجنون ولو مطبقًا ولا ردة، ويحج عنهما، وكذا الموت، على ما يأتي إن شاء الله.
والاستطاعة ملك زاد يحتاجه في سفر ذهابًا وإيابًا من مأكول ومشروب وكسوة وملك وعائه لأنه لا بد منه، ولا يلزمه حمل الزاد إن وجد بثمن مثله أو زائد يسيرًا بالمنازل في طرق الحاج، وملك راحلة لركوبه بآلتها بشراء أو كراء يصلحان أعني الراحلة وآلتها لمثله في مسافة قصر عن مكة وهي مسيرة يومين قاصدين معتدلين، وذلك أربع وعشرون ساعة بسير الأثقال من الإبل ودبيب الأقدام، ولا يعتبر ملك راحلة فيما دون مسافة القصر عن مكة من مكي وغيره بينه وبين مكن دون المسافة كأهل لزيمة وبحرة ووادي فاطمة المسمى سابقا بمر الظهران ونحوهم، لقدرتهم على المشي فيها غالبًا، ولأن مشقتها يسيرة ولا يخشى فيها عطب لو انقطع بها
[ ١ / ٢٥ ]
بخلاف البعيدة، ويعايا بها فيقال: فقير لا يجد راحلة مع وجوب الحج عليه ويجاب عنها فيقال: هذا فيما إذا كان بمكة أو قريبًا منها وهو قادر على المشي، وكذا من مكل ما يحج به لكنه أخر الحج حتى افتقر فإن الحج واجب في ذمته والله أعلم، إلا لعاجز عن المشي كشيخ كبير فيعتبر له ملك الراحلة بآلتها حتى فيما دون مسافة القصر، ولا يلزمه السير حبوًا ولو أمكنه.
وأما الزاد فيعتبر، قربت المسافة أو بعدت مع الحاجة إليه أو ملك ما يقدر به من نقد أو عرض على تحصيل الزاد والراحلة وآلتهما، فإن لم يملك ذلك لم يلزمه الحج لكن يستحب لمن أمكنه المشي والكسب بالصنعة، ويكره لمن حرفته المسألة، وينبغي أن يكثر من الزاد والنفقة عند إمكانه ليؤثر محتاجًا ورفيقًا، وأن تطيب نفسه بما ينفقه لأنه أعظم في أجره، ويستحب أن لا يشارك غيره في الزاد وأمثاله، واجتماع الرفاق كل يوم على طعام أحدهم على المناوبة أليق بالورع من المشاركة في الزاد، ويعتبر كون ما تقدم من الزاد والراحلة وآلتهما أو ما يقدر به على تحصيل ذلك فاضلا عما يحتاج إليه من كتب ومسكن للسكنى أو مسكن يحتاج إلى أجرته لنفقته أو نفقة عياله أو بضاعة يختل ربحها المحتاج إليه لو صرف فيه شيئًا منها لما فيه من الضرر عليه، وخادم لنفسه لأنه من الحوائج الأصلية وعما لا بد له منه من لباس مثله وغطاء ووطاء وأوان ونحوها، وفاضلًا عن قضاء دينه حالا كان الدين أو مؤجلا لله أو لآدمي، وعما لا بد له منه كمؤنثه ومؤنة عياله الذين تلزمه مؤنتهم، لكن إن كن المسكن واسعًا أو الخادم نفسيًا فوق ما يصلح له وأمكن بيعه وشراؤه قدر الكفاية منه ويفضل ما يحج به، لزمه ذلك لأنه مستطيع، فإن لم يفضل عنه ما يحج به لم يلزمه، وكذا إن استغنى بإحدى نسختي كتاب باع الأخرى. ويقدم النكاح مع عدم الوسع للنكاح والحج من خاف العنت نصا.
[ ١ / ٢٦ ]
قال في الإقناع وشرحه: ويعتبر في الاستطاعة أن يكون له إذا رجع من حجه ما يقوم بكفايته وكفاية عياله على الدوام ولم يعتبر على رواية ما يكفيه بعد رجوعه، فيعتبر إذًا أن يكون له ما يقوم بكفايته وكفاية عياله إلى أن يعود، وجزم به في الكافي والروضة، وقدمه في الرعاية انتهى ملخصًا، قال في المنتهى وشرحه: وأن يكون فاضلًا عن مؤنته ومؤنة عياله على الدوام حتى بعد رجوعه من عقار أو بضاعة يتجر فيها أو صناعة ونحوها، كعطاء من ديوان: أراتب من بيت المال ونحوه، وإلا لم يلزمه لتضرره بإنفاق ما في يده إذًا انتهى.
قال في المغني: والزاد الذي تشترط القدرة عليه هو ما يحتاج إلهي في ذهابه ورجوعه من مأكول ومشروب وكسوة، فإن كان يملكه أو وجده يباع بثمن المثل في الغلاء والرخص أو بزيادة يسيرة لا تجحف بماله لزمه شراؤه، وإن كانت تجحف بماله لم يلزمه كما قلنا في شراء المال للوضوء إلى أن قال: وأما الراحلة فيشترط أن يجد راحلة تصحل لمثله إلى أن قال: ويعتبر أن يكون هذا فاضلا عما يحتاج إليه لنفقة عياله الذين تلزمه مؤنتهم في مضيه ورجوعه. وأن يكون فاضلًا عما يحتاج هو وأهله إليه من مسكن وخادم وما لا بد منه، وأن يكون فاضلًا عن قضاء دينه. انتهى ملخصًا.
قال الشيخ عبد الله بن ذهلان: وفي هامش الإقناع عن المطلع مدة ذهابه ورجوعه انتهى. وكتب عليه بعضهم عن المبدع ما نصه وظاهره أنه قصد النفقة عليه وعلى عياله إلى أن يعود ويبقى له ما يقوم بكفايته وكفاية عياله من عقار أو بضاعة أو صناعة انتهى.
وذكر في الإنصاف عن هذا القول أنه الصحيح من المذهب وقال به جموع من الفقهاء؛ والآخر قاله في الروضة والكافي والرعايتين والفائق فقط، والمفهوم لا يساعده انتهى كلام ابن ذهلان. قلت ما قاله في الروضة والكافي والرعايتين والفائق أقرب إلى الصحة ولو لم يساعده
[ ١ / ٢٧ ]
مفهوم عبارة بعض الأصحاب بقولهم وعيتبر أن يكون له إذا رجع من حجه ما يقوم بكفايته، وكفاية عياله على الدوام كما سنبين ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى.
قالت الشافعية: يشترط في الزاد ما يكفيه لذهابه ورجوعه فاضلا عما يحتاج إليه لنفقة من تلزمه نفقتهم وكسوتهم مدة ذهابه ورجوعه وفاضلًا عن مسكن وخادم يحتاج إليهما وعن قضاء دين يكون عليه حالًا كان أو مؤجلًا انتهى.
قالت المالكية: الاستطاعة هي إمكان الوصول بلا مشقة عظمت ولو بلا زاد وراحلة لذي صنعة تقوم به ولو بالسؤال، إذا كان ذلك عيشه في بلاده وكانت العادة إعطاءه وقدر على المشي، وإن يكونا آمنًا على نفسه وماله، ويعتبر ما يرجع به إلى محل يمكنه فيه التعيش إن خشي الضياع بالإقامة بمكة انتهى.
وقالت الحنفية: مقدار ما يتعلق به وجوب الحج ملك مال يبلغه إلى مكة ذاهبًا وراجعًا راكبًا في جميع السفر لا ماشيًا بنفقة متوسطة فاضلًا عن مسكنه وخادمه وفرسه وسلاحه وآلات حرفة وثيابه وأثاثه ونفقة من عليه نفقته وكسوته وقضاء ديونه ولو مؤجلة إلى حين عوده، ولا يشترط نفقة لما بعد إيابه لا سنة ولا شهرًا ولا يومًا انتهى.
فتحرر لنا من ذلك أن المقدم من الروايتين عند الحنابلة اعتبار أن يكون له من النفقة إذا رجع من حجة ما يقوم بكفايته وكفاية عياله على الدوام؛ وعلى الرواية الأخرى عندهم لا يعتبر ذلك وإنما يعتبر أن يكون عنده من النفقة ما يقوم بكفايته وكفاية عياله مدة ذهابه للحج ورجوعه فقط وفاقًا للحنفية والمالكية والشافعية، وهذه الرواية أقرب إلى الصواب إن شاء الله تعالى، لأن القول بأن الإنسان لا يكون مستطيعًا للحج إلا إذا كان عنده من النفقة بعد رجوعه من الحج ما يكفيه ويكفي عياله على الدوام، أي دوام حياته يقضي بأن لا يكون غالب الأغنياء مستطيعين للحج لأنه قل من يثق من الأغنياء أن عنده
[ ١ / ٢٨ ]
من المال ما يكفيه ويكفي عياله على الدوام، هذا ما ظهر لي والله أعلم.
ولا يصير من لا يملك الزاد والراحلة وتوابعهما مستطيعًا ببذل غره له ما يحتاج إليه لحجته وعمرته ولو أباه أو ابنه للمنة وفاقًا للحنفية، وعلى الأصح عند الشافعية كبذل رقبة لمكفر أو كبذل إنسان نفسه ليحج عن نحو مريض لا يرجي برء مرضه وليس له ما يستنيب به.
ومن الاستطاعة سعة الوقت بأن يكون متسعًا يمكن الخروج والمسير حسب العادة لتعذر الحج مع ضيق وقته؛ فلو شرع من وقت وجوبه فمات بالطريق تبينا عدم وجوبه عليه لعدم وجود الاستطاعة. ومن الاستطاعة أمن طريق يمكن سلوكه لأن إيجاب الحج مع عدم ذلك ضرر وهو منفي شرعًا، ولو كان الطريق الممكن سلوكه بحرًا أو غير معتاد لأن غايته أنه مشق وهو لا يمنع الوجوب كبعد البلد، وإن غلب الهلال في الطريق لم يلزمه سلوكه، وإن غلبت السلامة فيه لزمه، وإن سلم فيه قوم وهلك قوم ولا غالب منهما بل استويا لم يلزمه سلوكه. قال الشيخ: أعان على نفسه فلا يكون شهيدًا.
ويشترط في الطريق إمكان سلوكه بلا خفارة، فإن لم يمكن سلوكه إلا بها لم يجب ولو يسيرة، وقال الموفق والمجد: إن كانت الخفارة يسيرة لزمه لأنه ضرر يسير، وزاد المجد إذا أمن باذل الخفارة الغدر من المبذول له، قال في الإنصاف: ولعله مراد من أطلق بل يتعين، قال شيخ الإسلام: الخفارة تجوز عند الحاجة إليها في الدفع عن المخفر ولا تجوز مع عدم الحاجة إليها كما يأخذه السلطان من الرعايا انتهى.
قال في المصباح: خفر بالعهد يخفر من باب ضرب وفي لغة من باب قتل: إذا وفى به، وخفرت الرجل: حميته وأجرته من طالبه فأنا خفير والاسم
[ ١ / ٢٩ ]
الخفارة بضم الخاء وكسرها. والخفارة مثلثة الخاء: جُعل الخفير وتمامه فيه ويشترط في الطريق أن يوجد فيه الماء والعلف على المعتاد بالمنازل في الأسفار لأنه لو كلف حمل مائة وعلف بهائمه فوق المعتاد من ذلك أدى إلى مشقة عظيمة، فإن وجد على العادة ولو بحمل من منهل إلى آخر أو العلف من موضع إلى آخر لزمه لأنه معتاد.
قلت اشتراط العلف فيما إذا كان مركوبه حيوانًا كما هو ظاهر ومن الاستطاعة دليل لجاهل طريق مكة وقائد لأعمى، لأن في إيجابه عليهما بلا دليل وقائد ضررًا عظيمًا وهو منتف شرعًا، ويلزم الجاهل والأعمى أجرة مثلهما لتمام الواجب بهما، ولو تبرع القائد والدليل لم يلزم الجاهل والأعمى للمنة، فلو كملت له الشروط ولم يكن الطريق آمنًا فمات لم يلزمه هذا المذهب، فلو كملت له الشروط ولم يكن الطريق آمنا فمات لم يلزمه هذا المذهب، وعن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن سعة الوقت وأمن الطريق وقائد الأعمى ودليل الجاهل من شرائط لزوم الأداء اختاره الأكثر، فعلى هذا يأثم إن لم يعزم على الحج إذا اتسع الوقت وأمن الطريق ووجد القائد والدليل كما نقول في طروّ الحيض بعد دخول الوقت، فإن الحائض تأثم إن لم تعزم على القضاء إذا زال، فالعزم في العبادات مع العجز عنها يقوم مقام الأداء في عدم الإثم حال العجز، فإن مات من وجد الزاد والراحلة قبل وجود هذين الشرطين: سعة الوقت وأمن الطريق وعلى قياسهما قائد الأعمى ودليل الجاهل، أخرج عنه من ماله لمن ينوب عنه، على القول الثاني لموته بعد جوبه عليه دون القول الأول لعدم وجوبه عليه، قال في المستوعب: والفرق بين شرط الوجوب وشرط الأداء أن ما كان شرطًا في الوجوب إذا مات قبل وجوده لم يجب الحج في ماله، وما كان شرطًا في الأداء ووجوب السعي إذا مات قبل وجوده فقد كملت في حقه شرائط الوجوب ووجب الحج في ماله انتهى.
قال في الشرح الكبير: واختلفت
[ ١ / ٣٠ ]
الرواية في إمكان المسير وتخلية الطريق، فروى أنهما من شرائط الوجوب لا يجب الحج بدونهما، لأن الله ﷾ إنما فرض الحج على المستطيع وهذا غير مستطيع، ولأن هذا يتعذر معه فعل الحج فكان شرطًا كالزاد والراحلة، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وروى أنهما من شرائط لزوم الأداء، فلو كملت الشروط الخمسة ثم مات قبل وجود هذين الشرطين حج عنه بعد موته، وإن أعسر بعد وجودهما بقي في ذمته وهو ظاهر كلام الخرقي، وذلك لأن النبي ﷺ لما سئل: (ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والرحلة) حديث حسن انتهى ملخصًا. فمن كملت له الشروط الخمسة المتقدمة وجب عليه السعي للحج والعمرة فورًا نصًا، فيأثم إن أخره بلا عذر بناء على أن الأمر للفور وفاقًا للحنفية والمالكية، وإنما يجب عليه السعي فورًا للحج إذا كان الحج في وقت المسير وإلا انتظر إلى وقت المسير للحج.
وعند الشافعية إذا وجدت شرائط وجوب الحج وجب على التراخي فله تأخيره ما لم يخش العضب، فإن خشيه حرم عليه التأخير على الأصح عندهم؛ وعندهم أيضا إذا أخره فمات تبين أنه مات عاصيا على الأصح لتفريطه؛ قالوا ومن فوائد موته عاصيًا أنه لو شهد بشهادة ولم يحكم بها حتى مات لم يحكم بها، كما لو بان فسقه، ويحكم بعصيانه من السنة الأخيرة من سني الإمكان على الأصح عندهم.