وإن عين هديًا أو أضحية فسرق بعد الذبح من غير تفريط فلا شيء عليه وكذا إن عينه عن واجب في الذمة ولو كان وجوبه في الذمة بالنذر بأن نذر هديًا أو أضحية ثم عين عنه ما يجزيء ثم ذبحه فسرق فلا شيء عليه لأنه أمانة في يده فلا يضمنه بتلفه بلا تعد ولا تفريط كالوديعة، وإن لم يعين ما ذبحه عن واجب في ذمته وسرق ضمن ما في ذمته لعدم تميزه عن ماله.
قال في الشرح الكبير: فأما إن ساق الهدي ينوي به الواجب الذي في ذمته ولم يعينه بالقول فهذا لا يزول ملكه عنه إلا بذبحه ودفعه إلى أهله، وله التصرف فيه بما شاء من بيع وهبة وأكل وغير ذلك لأنه لم يتعلق به حق لغيره، وله نماؤه وإن عطب، تلف من
[ ٢ / ٢٣٢ ]
ماله وإن تعيب لم يجزئه ذبحه وعليه الهدي الذي كان واجبًا ولا يبرأ إلا بإيصاله إلى مستحقه بمنزلة من عليه دين فحمله إلى مستحقه يقصد دفعه إليه فتلف قبل أن يوصله إليه ومتى عينه بالقول تعين فإن ذبحه فسرق أو عطب فلا شيء عليه، قال أحمد ﵀: إذا نحر فلم يطعمه حتى سرق لا شيء عليه فإنه إذا نحر فقد فرغ، وبهذا قال الثوري وابن القاسم صاحب مالك وأصحاب الرأي، وقال الشافعي عليه الإعادة لأنه لم يوصل الحق إلى مستحقه فأشبه ما لو لم يذبحه.
ولنا أنه أدى الواجب عليه فبرأ منه كما لو فرقه، ودليل أنه أدى الواجب أنه لم يبق إلا التفرقة وليست واجبة لأنه لو خلى بينه وبين الفقراء أجزأه، ولذلك لما نحر النبي ﷺ البدن قال: (من شاء اقتطع) انتهى، وان تلفت المعينة ابتداء هديًا كانت أو أضحية ولو قبل الذبح أو سرقت قبل الذبح أو ضلت فلا بدل عليه إن لم يفرط لأنه أمين، وإن عين عن واجب في الذمة ما يجزيء فيه كالمتمتع يعين دم التمتع أو عن هدي نذره في ذمته وتعيّب ما عينه عن ذلك أو تلف أو ضل أو عطب أو سرق قبل الذبح ونحوه، كما لو غصب لم يجزئه لأن الذمة لم تبرأ من الواجب بمجرد التعيين عنه كالدين يضمنه ضامن أو يرهن به رهنًا فإنه يتعلق الحق بالضامن والرهن مع بقائه في ذمة المدين، فمتى تعذر استيفاؤه من الضامن أو تلف الرهن بقي الحق في الذمة بحاله ولزمه بدل ما تعيب أو تلف أو ضل أو عطب أو سرق قبل الذبح ونحوه إذا كان عيَّنه عن واجب في ذمته وإن كان أفضل مما في الذمة إن كان تلفه بتفريطه لأن الواجب تعلق بما عيَّنه عما في الذمة وهو أزيد فيلزمه مثله وهو أزيد مما في الذمة كما إذا عين عن دم التمتع بقرة مثلًا فتيعبت بفعله أو تفريطه أو سرقت أو ضلت أو غصبت فيلزمه مثله ولو زاد عما في الذمة، قال في الشرح الكبير: وإن عين عما في
[ ٢ / ٢٣٣ ]
ذمته صحيحًا فهلك أو تعيب بغير تفريطه لم يلزمه أكثر مما كان واجبًا في الذمة لأن الزائد لم يجب في الذمة وإنما تعلق بالعين فسقط بتلفها كأصل الهدي إذا لم يجب بغير التعيين، وإذا أتلفه أو تلف بتفريطه مِثلُ المعين إن كان زائدًا عما في الذمة لأن الزائد تعلق به حق الله تعالى، فإذا فوته لزمه ضمانه كالهدي المعين ابتداء انتهى.
ولو ضحى اثنان كل بأضحية الآخر عن نفسه غلطًا كفتهما ولا ضمان على واحد منهما للآخر استحسانًا لإذن الشرع فيه، ولو فرق كل منهما لحم ما ذبحه وإن بقي لحم ما ذبحه كل منهما تراداه، لأن كلا منهما أمكنه أن يفرق لحم أضحيته بنفسه فكان أولى به، وإن ذبح المعينة هديًا أو أضحية ذابح في وقتها بغير إذن ربها أو وليه ونواها عن ربها أو أطلق أجزأت عن ربها ولا ضمان على الذابح وبهذا قال أبو حنيفة؛ لأن الذبح فعل لا يفتقر إلى النية فإذا فعله غير صاحبه أجزأ عن صاحبه كغسل ثوبه من النجاسة، ولأنها وقعت موقعها بذبحها في وقتها فلم يضمن ذابحها، حيث لم يكن متعديًا، ولأن الذبح إراقة دم تعين إراقته لحق الله تعالى فلم يضمن مريقه كقاتل المرتد بغير إذن الإمام، وإن نوى الذابح الأضحية عن نفسه مع علمه أنها أضحية الغير لم تجز عن مالكها ولا عن ذابحها بطريق الأولى سواء فرق الذابح اللحم أو لا، ويضمن الذابح قيمتها صحيحة إن فرق لحمها لأنه غاصب متلف عدوانا، ويضمن أرش الذبح وهو ما بين قيمتها صحيحة ومذبوحة إن لم يفرقه لتنقيصه مال الغير عدوانا، وإن ذبحها عن نفسه ولم يعلم أنها أضحية الغير لاشتباهها عليه مثلا أجزأت عن ربها إن لم يفرق الذابح لحمها لما تقدم من أن الذبح لا يفتقر إلى نية كإزالة النجاسة، فإن فرق اللحم إذًا ضمن لأن الإتلاف يستوي فيه العمد وغيره، وإن أتلف المعينة من هدي أو أضحية صاحبها ضمنها بقيمتها يوم التلف في محله كسائر
[ ٢ / ٢٣٤ ]
المتقومات تصرف قيمتها في مثلها لتعينها كإتلاف أجنبي غير مالكها لها لبقاء المستحق لها، وهم الفقراء بخلاف كن نذر عتقه نذر تبرر فإذا أتلفه ربه أو غيره فلا يلزمه صرف قيمته في مثله لأن القصد من العتق تكميل الأحكام وهو حق للرقيق وقد هلك، وإن فضل من قيمة الأضحية المعينة أو الهدي المعين شيء عن شراء المثل، بأن كان المتلف شاة مثلًا تساوي عشرة ورخصت الغنم بحيث يساوي مثلها خمسة اشترى بالفاضل عن شراء المثل شاة
إن اتسع لذلك أو سُبع بدنة أو سبع بقرة لما فيه من إراقة الدم المقصود في ذلك اليوم، وإن شاء اشترى بالعشرة كلها شاة، وإن لم يتسع الفاضل لثمن شاة، أو سبع بدنة، أو سبع بقرة اشترى به لحما فتصدق به أو يتصدق بالفضل فوات إراقة الدم، وإن فقأ عين الحيوان المعين هديًا أو أضحية مالكه أو غيره تصدق بالأرض أو بلحم يشتريه به إن لم يتسع لشاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة، ولو مرضت معينة فخاف صاحبها عليها موتًا فذبحها فعليه بدلها لإتلافه إياها، ولو تركها بلا ذبح فماتت فلا شيء عليه نصًا لأنها كالوديعة عنده ولم يفرط.
قال الشيخ محمد الخلوتي: يطلب الفرق بينها وبين الهدي إذا عطب، وكأن الفرق أن الإتلاف هاهنا بفعله بخلاف ما إذا عطب الهدي، وفي كلام الشارح إشارة إلى ذلك، وقوله ولو تركها فماتت فلا شيء عليه لأن الموت ليس من صنعه ولعله ما لم يحصل منه سبب ظاهري كترك سقيها أو علفها، وقد يقال لا يحتاج إلى ذلك القيد لأن تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بالعلية، والمعنى وإن ماتت بسبب المرض أي لا بسبب غيره كترك السقي أو العلف مما هو من فعله، ويدل على إرادة ذلك مقابلة المصنف له فيما يأتي بقوله: وإن تلف أو عاب بفعله، إلخ فتدبر، انتهى. كلام الخلوتي: وإن عطب في الطريق قبل محله أو عطب في الحرم هدي واجب
[ ٢ / ٢٣٥ ]
أو تطوع بأنه ينويه هديًا ولا يوجبه بلسانه ولا بتقليده وإشعاره وتدوم نيته فيه قبل ذبحه أو عجز الهدي عن المشي إلى محله لزمه تذكيته موضعة مجزئًا.
ويستحب له أن يصبغ نعل الهدي التي في عنقه في دمه ثم يضرب بها صفحته ليعرفه الفقراء فيأخذوه، وبهذا قال الشافعي: ويحرم عليه وعلى خاصة رفقته ولو كانوا فقراء الأكل من الهدي العاطب ولو تطوعا ما لم يبلغ محله، وقال مالك: يباح لرفقته ولسائر الناس الأكل غير صاحبه أو سائقه ولا يأمر أحدًا يأكل منه فإن أكل أو أمر من أكل أو ادخر شيئًا من لحمه ضمنه، وحجة الحنابلة ومن وافقهم ما روى ابن عباس أن ذؤيبًا أبا قبيصة حدثه أن رسول الله ﷺ كان يبعث معه بالبدن ثم يقول: (إن عطب منها شيء فخشيت عليها موتًا فأنحرها ثم اغمس نعلها في دمها ثم اضرب به صفحتها ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك) . رواه أحمد ومسلم وابن ماجة ولا يصح قياس رفقته على غيرهم لأن الإنسان يشفق على فقته ويحب التوسعة عليهم وربما وسع عليهم من مؤنته، وإنما منع السائق ورفقته من الأكل لئلا يقصر في حفظها فيعطبها ليأكل هو ورفقته منها فتلحقه التهمة لنفسه ورفقته فحرموها لذلك، فإن أكل السائق من الهدي العاطب أو باع منه لأحد أو أطعم غنيًا أو أطعم رفقته ضمنه لتعديه بمثله لحمًا لأنه مثلي، وإن أطعم منه فقيرًا أو أمره بالأكل منه فلا ضمان لأنه أوصله إلى مستحقه كما لو فعله بعد بلوغه محله، وإن أتلف الهدي أو تلف الهدي بتفريطه أو تعديه أو خاف عطبه فلم ينحره حتى هلك فعليه ضمانه كسائر الودائع إذا فرط فيها أو تعدى يوصل بدل الهدي إلى فقراء الحرم لأنهم مستحقوه وإن فسخ في التطوع نيته قبل ذبحه صنع به ما شاء من بيع وأكل وإطعام لرفقته لأنه لحم.
قال في الشرح الكبير: وجملة ذلك أن من
[ ٢ / ٢٣٦ ]
تطوع بهدي غير واجب لم يخل من حالين أحدهما أن ينويه هديا ولا يوجبه بلسانه ولا تقليده وإشعاره فهذا لا يلزمه إمضاؤه، وله أولاده ونماؤه والرجوع فيه متى شاء ما لم يذبحه لأنه نوى الصدقة بشيء من ماله أشبه ما لو نوى الصدقة بدرهم.
الثاني: أن يوجبه بلسانه أو يقلده ويشعره مع النية فيصير واجبًا معينًا يتعلق الوجوب بعينه دون ذمة صاحبه ويكون في يد صاحبه كالوديعة يلزمه حفظه وإيصاله إلى محله فإن تلف بغير تفريط منه أو سرق أو ضل فلا ضمان عليه كالوديعة لأن الحق إنا تعلق بالعين فسقط بتلفها، وقد روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أهدى تطوعًا ثم ضلت فليس عليه البدل إلا أن يشاء فإن كان نذرًا فعليه البدل) فأما أن أتلفها أو تلفت بتفريطه فعليه ضمانه لأنه أتلف واجبًا لغيره فضمنه كالوديعة انتهى، وإن ساقه عن واجب في ذمته لتمتع أو قران أو فعل محظور من محظورات الإحرام أو ترك واجب من واجبات الحج ونحوه ولم يعينه بقوله: هذا هدي لم يتعين بالسوق مع النية لأن السوق لا يختص بالهدي، والنية وحدها ضعيفة لا يحصل التعيين بها، وله التصرف فيه بما شاء من بيع وأكل وغيره، فإن تصرف فيه لزمه إخراج ما في ذمته في محله لعدم سقوطه، فإن بلغ الهدي الذي ساقه عما في ذمته من الواجب محله سالمًا فنحره في محله أجزأ عما عينه عنه لصلاحيته لذلك وعدم المانع. وإن عطب ما ساقه عن واجب في ذمته دو محله صنع به ما شاء من أكل وغيره لأنه لحم وعليه إخراج ما في ذمته في محله لعدم سقوطه، وإن تعيب الهدي أو الأضحية بغير فعله ذبح ما ذكر من الهدي أو الأضحية وأجزأه إن كان واجبًا بنفس التعيين بأن قال ابتداء. هذا هدي أو أضحية ولم يكن عن شيء في ذمته لما روى أبو سعيد
[ ٢ / ٢٣٧ ]
الخدري قال: اشتريت كبشًا أضحى به فعدا الذئب فأخذ الألية قال: فسألت النبي ﷺ، فقال: (ضحِّ به) .
رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي، وفي إسناده جابر الجعفي وهو ضعيف جدًا، وفيه أيضًا محمد برن قرظة قال في التخليص غير معروف، وقال في التقريب مجهول، قال المجد: وهذا الحديث دليل على أن العيب الحادث بعد التعيين لا يضر انتهى، ولأنها أمانة عنده فلم يضمن تعييبها ولم يمنع من الإجزاء، قال في المستوعب وإن حدث بالمعينة أضحية عيب كالعمى والعرج ونحوه أجزأه ذبحها وكانت أضحية انتهى.
قال في الشرح الكبير: إذا أوجب أضحية سليمة ثم حدث بها عيب يمنع الإجزاء ذبحها وأجزأته، روى هذا عن عطاء والحسن والنخعي والزهري والثور ومالك والشافعي وإسحاق، وقال أصحاب الرأي: لا تجزيء لأن الأضحية عندهم واجبة فلم يبرأن منها إلا بإراقة دمها سليمة كما لو أجوبها في ذمته ثم عينها فعابت، ثم قال: ولنا ما روى أبو سعيد وذكر حديثه المتقدم انتهى، وإن تعيب الهدي أو الأضحية المعينة بتعديه أو تفريطه فعليه بدله كالوديعة يفرط فيها وبه قال الشافعي: وإن كان واجبًا قبل التعيين بأن عينه عن واجب في الذمة كالفدية والمنذور في الذمة وعطب هذا المعين أو تعيب عنده عيبًا يمنع الإجزاء لم يجزئه ذبحه عما في الذمة لأن الواجب في ذمته دم صحيح فلا يجزيء عنه دم معيب، والوجوب متعلق بالذمة كالدين به رهن ويتلف لا يسقط بذلك، وعليه بدل ما عينه عن الواجب في ذمته كما لو أتلفه أو تلف بتفريطه ولو كان ما عينه عما في ذمته زائدًا كما لو كان الذي في ذمته شاة فعين عنها بدنة أو بقرة ثم تلفت أو تعيبت يلزمه بدنة أو بقرة نظير التي عينها، وإن كان بغير تفريطه، ففي المعنى لا يلزمه أكثر مما كان في ذمته لأن الزيادة وجبت بتعيينه
[ ٢ / ٢٣٨ ]
وقد تلفت بغير تفريطه فسقطت كما لو عينه هديًا تطوعًا ثم تلف قاله في القاعدة الحادية والثلاثين ومعناه في الشرح وتقدم الكلام في ذلك أول الفصل فليراجع، وليس لمن نحر بدل ما عطب من أضحية أو هدي أو تعيب أو ضل ونحوه استرجاع عاطب ومعيب وضال وجد ونحوه كمغصوب قدر عليه بعد ذبح بدله إلى ملكه بل يذبحه لما روى عن عائشة أنها أهدت هديين فأضلتهما فبعث إليها ابن الزبير بهديين فنحرتهما ثم عاد الضالة فنحرتهما وقالت: هذه سنة الهدي، رواه الدارقطني، وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله ﷺ، ولأنه تعلق حق الله تعالى بهما بإيجابهما على نفسه فلم يسقط بذبح بدلهما، قال في المنتهى وشرحه قال أحمد: من ساق هديًا واجبًا فعطب أو مات
فعليه بدله وإن شاء باعه وإن نحره جاز أكله منه ويطعم منه لأن عليه البدل قاله في المبدع، وليس له أي من نحر بدل ما عطب أو تعيب أو سرق أو ضل ونحوه استرجاع عاطب ومعيب وضال ومسروق وجد ونحوه كمغصوب قدر عليه انتهى كلام المنتهى وشرحه.
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين في حاشية المنتهى وشرحه على هذه العبارة التي سقناها عن المنتهى وشرحه: يطلب الفرق بين ما نص عليه أحمد وما في المتن بعده انتهى كلام الشيخ عبد الله في الحاشية.
قلت الفرق بينهما أن ما نص عليه أحمد رحمه الله تعالى هو في الهدي الواجب في ذمته قبل التعيين كفدية التمتع والقران فإنه إذا عطب الهدي أو مات أو ضل أو سرق قبل الذبح لا بعده يلزمه بدله مطلقًا فرَّط أو لم يفرط، ويجوز له بيعه إذا عطب وإن نحره جاز أكله ويطعم منه لأن عليه البدل لا محالة، وما في المتن هو في الهدي الواجب ابتداء من غير أن يكون عن شيء واجب في ذمته بل أوجبه بقوله هذا هدي ونحوه، فإنه إذا عطب أو تلف أو سرق
[ ٢ / ٢٣٩ ]
ولو قبل الذبح أو ضل فإنه لا يلزمه بدله إن لم يتعد فيه أو يفرط، وعليه أن يذبح العاطب موضعه وجوبًا وحرم أكله وخاصته منه، فإن أبدله من تلقاء نفسه فليس له استرجاع ما عينه، وأوجبه ابتداء من الهدي العاطب أو المسروق أو الضال إذا وجده بل يلزمه ذبحه لأن الوجوب قد تعلق بعين الهدي المذكور دون ذمة صاحبه، وإذا تعلق الوجوب بعين الهدي لزمه ذبحه إذا قدر عليه، أما ما ذبحه أولًا عن هذا الهدي الواجب بنفس التعيين فإنه يعد منه تبرعًا، والحاصل أن ما في المتن هو في الهدي الواجب ابتداء، وما نص عليه أحمد في الهدي الواجب في الذمة، والفرق بينهما هو ما ذكرته والله أعلم، وإن غصب شاة فذبحها عما في ذمته من دم فدية أو تمتع أو قران أو نذر ونحوه لم يجزئه وإن رضي مالكها، وسواء عوضه عنها أو لم يعوضه.
وقال أبو حنيفة: يجزئه إن رضي مالكها، ووجه مأخذنا أن هذا لم يكن قربة في ابتدائه فلم يصر قربة في أثنائه كما لو ذبحها للأكل ثم نواها للتقرب، ولا يبرأ من الهدي الواجب عليه إلا بذبحه أو نحره في وقته ومحله إذا لمقصود إراقة الدم والتوسعة على الفقراء، وإن دفعه إلى الفقراء سليمًا فنحروه أجزأ لأنه حصل المقصود بفعلهم فأجزأه، وإن لم ينحروه فعليه أن يسترده منهم وينحره، فإن لم يفعل أو لم يقدر فعليه ضمانه لأنه فوته بتفريطه في دفعه إليهم سليما، ويباح للفقراء الأخذ من الهدي إذا لم يدفعه إليهم بأحد شيئين: أحدهما الإذن فيه لفظًا كقول المالك من شاء اقتطع، والثاني دلالة الحال على الإذن كالتخلية بينهم وبينه لأنه ﷺ نحر خمس بدن وقال: من شاء فليقتطع، وقال لسائق البدن (اصبغ نعلها في دمها واضرب به صفحتها) وفيه دليل على اكتفاء الفقراء بذلك من غير لفظ وإلا لم يكن مفيدًا، والله أعلم.
[ ٢ / ٢٤٠ ]