ويستحب أن يأكل من هدي تطوع غير عاطب لما تقدم ويهدي ويتصدق أثلاثًا لقوله تعالى: (فكلوا منها) وأقل أحوال الأمر في ذلك الاستحباب، ولأن النبي ﷺ أكل من بدنه، وقال جابر (كنا لا نأكل من بدننا فوق ثلاث رخص لنا النبي ﷺ فقال: كلوا وتزودوا فأكلنا وتزودنا) . رواه البخاري، ولأنه نسك فاستحب الأكل منه كأضحية وله التزود والأكل كثيرًا لحديث جابر، وتجزئه الصدقة باليسير منه، فإن أكل الذبيحة من هدي التطوع كلها ضمن المشروع للصدقة منها كأضحية أكلها كلها فإنه يضمن أقل ما يقع عليه الاسم كما يأتي إن شاء الله تعالى.
قال في الإقناع وشرحه: ولا يأكل من كل واجب من الهدايا ولو كان إيجابه بالنذر أو بالتعيين إلا من دم متعة وقران نص على ذلك لأن سببهما غير محظور فأشبها هدي التطوع، ولأن أزواج النبي ﷺ تمتعن معه في حجة الوداع وأدخلت عائشة الحج على العمرة فصارت قارنة ثم ذبح عنهن النبي ﷺ البقر فأكلن من لحومها.
قال الإمام أحمد: قد أكل من البقر أزواج النبي ﷺ في حديث عائشة خاصة انتهى. وأما الأضحية فسيأتي أنه يسن الأكل منها والتفرقة ولو كانت واجبة والله أعلم.
وقال في المنتهى وشرحه: ولا يأكل من هدي واجب ولو كان إيجابه بنذر أو تعيين غير دم متعة وقران نصا لأن سببهما غير محظور فأشبها هدي التطوع انتهى.
ورأيت على هامش المنتهى وشرحه من خط الشيخ عبد الله أبي بطين ما نصه: قوله أو تعيين ظاهره أنه مطلقًا ولعل ذلك فيما كان واجبًا قبل التعيين ثم عينه لا ما عين ابتداء لما في المغني والشرح من أنه يستحب أن يأكل من هدي التطوع وسواء في
[ ٢ / ٢٤٥ ]
ذلك ما أوجبه بالتعيين من غير أن يكون واجبًا في ذمته وما نحره تطوعًا من غير أن يوجبه ونقل ذلك صاحب الفروع والزركشي مقتصرين على ذلك.
قال في الشرح: ويستحب أن يأكل من هديه ولو أوجبه بالتعيين، قال في الفروع: ويستحب الأكل من هدية التبرع، وذكر الشيخ يعني الموفق ومما عينه لا عما في ذمته، ثم قال الشيخ عبد الله: قلت: بل كلام المتن يعني المنتهى صريح في المنع من الأكل كما هو صريح الإقناع والغاية انتهى. ومراده بقوله صريح في المنع من الأكل: أي من الأكل مما أوجبه ابتداء بالتعيين كما منع من الأكل مما عينه عن واجب في ذمته أو عينه عن نذر والله أعلم. قال في المغني: فأما هدي التطوع وهو ما أوجبه بالتعيين ابتداء من غير أن يكون عن واجب في ذمته وما نحره تطوعًا من غير أن يوجبه فيستحب أن يأكل منه لقوله تعالى: (فكلوا منها) وأقل أحوال الأمر الاستحباب. قال في الشرح الكبير: يستحب أن يأكل من هديه وسواء في ذلك ما أوجبه بالتعيين من غير أن يكون واجبًا في ذمته وما نحره تطوعا من غير أن يوجبه لقوله تعالى: (فكلوا منها) وأقل أحوال الأمر الاستحباب انتهى.
تنبيه: عبارة المنتهى والإقناع والغاية تقتضي منعه من الأكل من الهدي الذي أوجبه بالتعيين ابتداء، وأما عبارة المغني والشرح فصريحة في استحباب الأكل من ذلك، ولعل ما ذهب إليه الموفق والشارح أولى لأن ما أوجبه بالتعيين ابتداء من غير أن يكون عن واجب في ذمته لا يخرج عن كونه هدي تطوع؛ أما ما كان معينا عن واجب في الذمة كالدم عن فعل محظور من محظورات الحج أو الدم عن ترك واجب من واجبات الحج أو عن نذر فإنه ممنوع من الأكل منه عند جميعهم، كما أن أكله من دم التمتع والقران وهدي التطوع غير العاطب الذي لم يوجبه مستحب عند جمعيهم، هذا ما ظهر لي في هذه المسألة والله أعلم.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
وما جاز له أكله كأكثر هدي التطوع فله هديته لغيره لقيام المهدي له مقامه وما لا يملك أكله كالهدي الواجب غير دم تمتع وقران وغير ما أوجبه بالتعيين ابتداء على ما ذهب إليه الموفق والشارح فلا يملك هديته بل يجب صرفه لفقراء الحرم لتعلق حقهم، فإن أكل مما لا يجوز له الأكل منه أو أهدى منه ضمنه بمثله لحمًا لأن الجميع مضمون عليه بمثله فكذلك أبعاضه، وكذا إن أعطى الجزار عن أجرته شيئًا منها، كما لو باع شيئًا من الهدي أو أتلفه فإنه يضمنه بمثله لحمًا، قال في المنتهى وشرحه: ويضمنه أي الهدي والأضحية أجنبي أتلفه بقيمته كسائر المتقومات. وأما اللحم بعد الذبح فينبغي ضمانه بالمثل لأنه مثلي انتهى. وفي الفصول: لو منعه الفقراء حتى أنتن فعليه قيمته: أي إن لم يبق فيه نفع قال في المنتهى وشرحه: وإن منع الفقراء منه أي مما لا يملك أكله حتى أنتن ضمن نقصه إن انتفع به.
إذًا فيغرم أرشه وإلا ينتفع به فإنه يضمنه بقيمته كإعدامه، قال في الإنصاف: ويتوجه أن يضمن بمثله انتهى كلام المنتهى وشرحه. قال الشيح منصور في حاشية المنتهى: ضمانه بالمثل مقتضى القواعد. قلت: وهو كما قال لأن اللحم من الموزونات فهو مثلي وضمانه بالمثل والله أعلم.