وإذا دخل عشر ذي الحجة حرم على من أراد أن يضحي أو يضحي عنه أخذ شيء من شعره أو ظفره أو بشرته إلى ذبح الأضحية ولو بواحدة لمن يضحي بأكثر فإذا ضحى بواحدة جاز ذلك قبل ذبح غيرها وهذا قول سعيد بن المسيب وربيعة وإسحاق وداود وبعض أصحاب الشافعي.
وقال الشافعي وبعض أصحابه: هو مكروه كراهة تنزيه وليس بحرام وقال أبو حنيفة: لا يكره والحديث يرد عليه، وقال مالك في رواية لا يكره، وفي رواية يكره، وفي رواية يحرم في التطوع دون الواجب. وحجة الحنابلة ومن وافقهم على التحريم حديث أم سلمة مرفوعًا (إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره) رواه الجماعة إلا البخاري، ولفظ أبي داود وهو لمسلم والنسائي أيضًا (من كان له ذبح يذبحه فإذا أهلَّ هلال ذي الحجة فلا يأخذنَّ من شعره وأظفاره حتى يضحي) وفي رواية لمسلم (ولا من بشره)، وأما حديث عائشة (كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ثم يقلدها بيده ثم يبعث بها ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي) . متفق عليه. أجيب عنه بأنه في إرسال الهدي لا في التضحية، فإن أخذ شيئًا من شعره أو ظفره أو بشرته قبل أن يضحي استغفر الله ﷾ وتاب إليه
[ ٢ / ٢٥٢ ]
لوجوب التوبة من كل ذنب، قال الشيخ منصور: وهذا إذا كان لغير ضرورة وإلا فلا إثم كالمحرم وأولى انتهى. ولا فدية عليه إجماعًا سواء فعله عمدًا أو سهوًا.
فوائد: الأولى: المراد بقول فقهائنا حرم على من يضحي أو يضحى عنه أخذ شيء من شعره أو ظفره أو بشرته هو أن يضحي عن نفسه أو يضحى عنه، وأما إذا ضحى عن غيره متبرعًا أو وصيًا أو وكيلًا فلا يحرم عليه أخذ شيء من شعره أو ظفره أو بشرته، والله أعلم.
الثانية: قال الشيخ عثمان بن قائد في حاشية المنتهى: قوله من يضحي ظاهره عن نفسه أو عن غيره فتدبر، وفي صورة ما إذا ضحى عن غيره فالظاهر من كلامهم الحرمة عليهما معًا انتهى، والذي تحرر لنا هو ما ذكرنا في الفائدة الأولى أن من ضحى عن غيره وصيًا كان أو متبرعًا أو وكيلا لا يحرم عليه أخذ شيء من شعره أو ظفره أو بشرته وإنما يحرم الأخذ على ذلك الغير فقط والله أعلم.
الثالثة: إذا حل المتمع من عمرته في عشر ذي الحجة فإنه لا يحرم عليه الحلق أو التقصير ولو أراد التضحية لأن الحلق والتقصير نسك على الصحيح من المذهب، وكذلك أيضًا إذا ألجأت الضرورة إلى أخذ شيء من شعره أو ظفره أو بشرته في عشر ذي الحجة وهو يريد التضحية فلا يحرم عليه أخذ شيء من ذلك قياسًا على المحرم إذا كان مريضًا أو به أذى من رأسه فإنه يباح له الحلق بنص الكتاب والسنة، ولكن إذا حلق المحرم للمرض أو الأذى فعليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك، بخلاف المضحي أو المضحى عنه إذا حلق في عشر ذي الحجة فليس عليه فدية إجماعًا سواء كان الحلق لعذر أو لا، عمدًا أو سهوًا أو جهلًا، بل عليه أن يستغفر الله تعالى وتقدم، والله أعلم.
الرابعة: ذكر الفقهاء أنه يسن لمريد الإحرام أخذ شعر وظفر، وهذا فيما
[ ٢ / ٢٥٣ ]
إذا لم يكن الأخذ من الشعر والظفر في عشر ذي الحجة لمريد التضحية، أما إن كان يريد أن يضحي أو يضحى عنه فلا يأخذ من شعره وظفره شيئًا لأن الأخذ من ذلك لمريد الإحرام سنة والأخذ من ذلك بعد دخول العشر لمريد التضحية حرام فيرجح جانب الترك على جانب الأخذ، هذا ما ظهر لي والله أعلم.
ويستحب حلقه بعد الذبح، قال الإمام أحمد: على ما فعل ابن عمر تعظيمًا لذلك اليوم ولأنه كان ممنوعًا من ذلك قبل أن يضحي فاستحب له ذلك بعده كالمُحرم، ولو أوجبها بنذر أو تعيين ثم مات قبل الذبح أو بعده قام وارثه مقامه في الأكل والإهداء والصدقة كسائر حقوقه، ولا تباع في دينه وتقدم. ونسخ تحريم ادخار لحم الأضحية فوق ثلاث فيدخر ما شاء لحديث عائشة وفيه (إنما نهيتكم من أجل الدافة فكلوا وادخروا وتصدقوا) متفق عليه، وعن ثوبان قال: (ذبح رسول الله ﷺ أضحيته ثم قال: يا ثوبان أصلح لي لحم هذه، فلم أزل أطعمه منه حتى قدم المدينة) رواه أحمد ومسلم، وفي سنن الدارمي (أن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: قال لي رسول الله ﷺ ونحن بمنى: أصلح لنا من هذا اللحم فأصلحت له منه، فلم يزل يأكل منه حتى بلغنا المدينة) وعن جابر قال: (كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث منى فرخص لنا رسول الله ﷺ فقال: كلو وتزودوا) . متفق عليه، وفي لفظ (كنا نتزود لحوم الأضاحي على عهد رسول الله ﷺ إلى المدينة) متفق عليه، وفي لفظ (أن النبي ﷺ نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث ثم قال بعد كلوا وتزودوا وادخروا) رواه مسلم والنسائي، وعن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: (يا أهل المدينة لا تأكلوا لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، فشكوا إلى رسول الله ﷺ
[ ٢ / ٢٥٤ ]
أن لهم عيالًا وحشمًا وخدمًا فقال: كلوا وأطعموا واحبسوا وادخروا) . رواه مسلم، وعن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ: (كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثة ليتسع ذوو الطول على من لا طول له فكلوا ما بدا لكم وأطعموا وادخروا) .
رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه، ولم يجز ذلك عليٌّ وابن عمر لأنه لم تبلغهما الرخصة، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: إلا زمن مجاعة أي فلم ينسخ فيه تحريم الادخار لأنه سبب تحريم الادخار والدافة المذكورة في الحديث بتشديد الفاء: قوم يسيرون جميعًا سيرًا خفيفًا، ودافة الأعراب من يريد منهم المصر، والمراد هنا من ورد من ضعفاء الأعراب للمواساة والله أعلم، قال شيخ الإسلام: الأضحية من النفقة بالمعروف، فتضحي المرأة من مال زوجها عن أهل البيت بلا إذنه عند غيبته أو امتناعه كالنفقة عليهم، ويضحي مدين لم يطالبه رب دين به.
قال مؤلفه عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر عفا الله عنه: وهذا ما تيسر جمعه، والله أسأل أن يعم نفعه ويجعله خالصًا لوجه الكريم وسببًا للفوز لديه بجنات النعيم.
اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
اللهم أني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم أن تحقق فيّ رجاء رحمتك وغفرانك آمالنا، وأن تسهل إليّ بلوغ رضاك وعفوك وعافيتك ومعافاتك سبيلنا، وأن تحسن في جميع أحوالنا أعمالنا.
اللهم نبهنا لذكرك في أوقات الغفلة واستعملنا بطاعتك في أيام المهلة، وانهج بنا إلى محبتك سبيلًا سهلة، واجمع لنا بها خيري الدنيا والآخرة.
اللهم لا تكلنا إلى خلقك بل تفرد بقضاء حوائجنا وتول كفايتنا وانظر إلينا بعين رحمتك في جميع أمورنا، فإنك إن وكلتنا إلى
[ ٢ / ٢٥٥ ]
أنفسنا عجزت عن كفايتنا ولم تقم بما فيه مصلحة ديننا ودنيانا، وإن وكلتنا إلى خلقك تجهمونا، فبفضلك الهلم فأغثنا، وبعظمتك فأنعشنا، وبسعة رزقك فابسط أيدينا، وبما عندك فاكفنا.
اللهم إليك نشكو ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربنا إلى من تكلنا إلى بعيد يتجهمنا أم إلى عدو ملكته أمرنا؟ إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي غير أن عافيتك هي أوسع لنا، نعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بنا غضبك أو يحل علينا سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.
اللهم لا تجعل عيشنا كدًا ولا ترد دعاءنا ردًا، فإننا لم نجعل لك ضدا، ولم ندع معك ندا.
اللهم نزه قلوبنا عن التعلق من دونك، واجعلنا من قوم تحبهم ويحبونك، يا أرحم الراحمين يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، والحمد لله أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
قال مؤلفه الفقير إلى الله عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر عفا الله عنه: فرغت من تأليفه ثالث ربيع الآخر سنة سبع وستين وثلاثمائة وألف بدارنا بمكة المشرفة المعروفة في حارة شعب عامر، عمر الله قلوبنا بالإيمان ووفقنا للعمل بالسنة والقرآن، وأعاذنا من نزغات الشيطان ومن كل طارق يطرق إلا بخير يا رحمن، إنك قريب مجيب سميع الدعاء يا أرحم الراحمين.
ثم إني بعد الفراغ من تأليف هذا الكتاب تراخيت عن تبييضه لما أنيط بي من كثرة الأعمال ثم استعنت الله جل وعلا، وابتدأت في تبييضه غرة محرم سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة وألف، وفرغت منه في آخر ربيع الأول من السنة المذكورة، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
ْْْْْْْْْْْ
[ ٢ / ٢٥٦ ]