الأئمةِ، ليسَ في ذلكَ عبارةٌ مخصوصةٌ، ولا يجبُ شيءٌ مِنْ هذهِ العباراتِ باتفاقِ الأئمةِ؛ كما لا يجبُ التلفُّظُ بالنيةِ في الطهارةِ والصلاةِ والصيامِ باتفاقِ الأئمةِ، بلْ متى لَبَّى قاصِدًا للإحرامِ؛ انعقدَ إحرامُهُ باتفاقِ المسلمينَ.
ولا يجبُ عليه أنْ يتكلَّمَ قبلَ التلبيةِ بشيءٍ، ولكنْ تنازَعَ العلماءُ: هلْ يُستحبُّ أن يتكلَّم بذلكَ (١)؟ (٢) كمَا تنازَعُوا: هلْ يُسْتَحَبُّ التلفُّظُ بالنيةِ في الصلاةِ؟ (٣)
_________________
(١) قوله: (أن يتكلم بذلك) هو في (أ): (التكلم بشيء من ذلك).
(٢) ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة: أنه يستحب التلفظ بالنية، خلافًا للمالكية. ينظر: بدائع الصنائع ٢/ ١٤٤، القوانين الفقهية ٨٩، المجموع ٧/ ٢٢٤، الفروع ٥/ ٣٢٨.
(٣) قال شيخ الإسلام: (تنازع العلماء هل يستحب أن يتكلم بما نواه؟ على قولين، واتفقوا على أنه لا يستحب الجهر بالنية ولا تكرير التكلم بها؛ بل ذلك منهي عنه باتفاق الأئمة، ولو لم يتكلم بالنية صحت صلاته عند الأئمة الأربعة وغيرهم، ولم يخالف إلا بعض شذوذ المتأخرين). وقال: (ولم يشرع لأحد أن يقول قبل التلبية شيئًا، لا يقول: اللهم إني أريد العمرة والحج، ولا الحج والعمرة، ولا يقول: فيسره لي وتقبله مني، ولا يقول: نويتهما جميعًا، ولا يقول: أحرمت لله، ولا غير ذلك من العبادات كلها )، وقال: (وجميع ما أحدثه الناس من التلفظ بالنية قبل التكبير وقبل التلبية وفي الطهارة وسائر العبادات؛ فهي من البدع التي لم يشرعها رسول الله ﷺ). ينظر: مجموع الفتاوى ٢٢/ ٢٢٢ - ٢٤٢.
[ ٣٢ ]
والصوابُ المقطوعُ به: أنَّهُ لا يُسْتَحَبُّ شيءٌ من ذلكَ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يَشْرَعْ للمسلمينَ (١) شيئًا مِن ذلكَ، ولَا كانَ يتكلَّمُ قبلَ التكبيرِ بشيءٍ (٢) مِنْ ألفاظِ النيةِ، لا هو ولا أصحابُه، بلْ لَمَّا أَمَرَ ضُبَاعَةَ بنتَ الزُّبَيْرِ بالاشتراطِ قالتْ: فكيفَ أقولُ؟ قالَ: قُولِي: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، مَحِلِّي مِنَ الأرضِ حيثُ تَحْبِسُنِي»، رواهُ أهلُ السُّنَنِ (٣)، وصحَّحَهُ الترمذيُّ، ولفظُ النسائِيِّ: إنِّي أريدُ الحجَّ، فكيفَ أقولُ؟ قال: «قُولِي: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، مَحِلِّي مِنَ الْأَرْضِ حَيْثُ تَحْبِسُنِي، فَإِنَّ لَكِ (٤) عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ»، وحديثُ (٥) الاشتراطِ في الصحيحَيْنِ (٦).
لكنَّ المقصودَ بهذَا اللفظِ: أنَّهُ أَمَرَهَا بالاشتراطِ في التلبيةِ (٧)، ولم (٨) يَأْمُرْهَا أنْ تقولَ قبلَ التلبيةِ شيئًا، لَا اشتراطًا ولا غيرَهُ،
_________________
(١) قوله: (للمسلمين) سقط من (د).
(٢) قوله: (بشيء) سقط من (ب).
(٣) أخرجه أبو داود (١٧٧٦)، والترمذي (٩٤١)، والنسائي (٢٧٦٦)، وابن ماجه (٣٩٣٦)، وصححه الألباني.
(٤) في (أ): (ذلك).
(٥) في (ب): (حديث).
(٦) البخاري (٥٠٨٩)، ومسلم (١٢٠٧) من حديث عائشة ﵂.
(٧) في (د): (بالتلبية).
(٨) في (أ) و(ب): (لم).
[ ٣٣ ]
وكانَ يقولُ في تلبيتِهِ: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا (١)» (٢)، وكانَ يقولُ للواحدِ منْ أصحابِهِ: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟» (٣).
وقالَ في المواقيتِ: «مُهَلُّ أهلِ المدينةِ مِنَ ذي (٤) الْحُلَيْفَةِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةُ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ قَرْنُ الْمَنَازِلِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ، وَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ» (٥)، والإهلالُ هو التلبيةُ.
فهذَا هُوَ الذِّي شَرَعَ النبيُّ ﷺ للمسلمِينَ (٦) التكلُّمَ بِهِ في ابتداءِ الحجِّ والعمرةِ، وإنْ كانَ مشروعًا بعدَ ذلِكَ، كما تُشْرَعُ تكبيرةُ الإِحرامِ (٧)، ويُشْرَعُ التكبيرُ بعد ذلكَ عندَ تغيُّرِ الأحوالِ.
ولو أَحْرَمَ إحرامًا مطلقًا جازَ، فلو أَحْرَمَ بالقصدِ للحجِّ (٨) مِنْ
_________________
(١) في (أ): (وحجة).
(٢) أخرجه مسلم (١٢٣٢) من حديث أنس ﵁.
(٣) أخرجه البخاري (٤٣٥٢)، ومسلم (١٢١٦) من حديث جابر ﵁.
(٤) في (ج) و(د): (ذو) بدل: (من ذي).
(٥) أخرجه مسلم (١١٨٣) من حديث جابر ﵁ ما عدا قوله: (وَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ) فأخرجها البخاري (١٥٢٦)، ومسلم (١١٨١) من حديث ابن عباس ﵄.
(٦) قوله: (للمسلمين) سقط من (ج) و(د).
(٧) في (أ): الافتتاح. وفي (ب): (الاستفتاح).
(٨) قوله: (للحج) سقطت من (أ) و(ب).
[ ٣٤ ]