قَبْرُهُ، ولكِن (١) كَرِهَ أنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا»، أخرجَاهُ في الصحيحَيْنِ (٢).
فدَفَنَتْهُ الصحابَةُ في موضِعِهِ الذِي ماتَ فيهِ مِنْ حُجْرَةِ عائشةَ، وكانتْ هِيَ وسائِرُ الحُجَرِ خارجَ المسجدِ مِنْ قِبْلِيِّهِ وشَرْقِيِّهِ (٣)، لكِنْ لَمَّا كانَ في زمنِ الوليدِ بنِ عبدِ الملكِ عمرَ (٤) هذا المسجدَ وغيرَهُ، وكانَ نائبُه على المدينةِ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، فأَمَرَ أنْ تُشْتَرى (٥) الحُجَرُ ويُزَادَ (٦) في المسجدِ، فدَخَلَتِ الحُجْرَةُ في المسجدِ مِنْ ذلِكَ الزمانِ، وبُنِيَتْ منحرفةً عنِ القبلةِ مُسَنَّمَةً؛ لئلَّا يصلِّيَ أحدٌ إليها؛ فإنَّهُ ﷺ قالَ: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا»، رواهُ مسلِمٌ عنْ أبِي مَرْثَدٍ (٧) الغَنَوِيِّ (٨)، والله أعلم (٩).
وزيارَةُ القبورِ علَى وَجْهَيْنِ: زيارةٍ شرعيَّةٍ، وزيارةٍ بِدْعِيَّةٍ.
فالشَّرعِيَّةُ: المقصودُ بِهَا السلامُ علَى الميِّتِ، والدعاءُ لَهُ، كما
_________________
(١) في (ج) و(د): (ولكنه).
(٢) البخاري (٤٣٥)، ومسلم (٥٢٩).
(٣) في (ب): (قبلته وشرقه).
(٤) في (أ) و(ب): (غير).
(٥) في (أ) و(ب): (يشتري).
(٦) في (ب): (ويزيد).
(٧) في (ب): (راشد).
(٨) مسلم (٩٧٢).
(٩) قوله: (والله أعلم) سقطت من (أ) و(ب).
[ ١٣٩ ]
يُقْصَدُ بالصلاةِ على جنازَتِهِ، فزيارَتُهُ بعدَ موتِهِ مِنْ جنسِ الصلاةِ عليهِ.
فالسُّنَّةُ فيها (١): أنْ يُسَلِّمَ على الميِّتِ ويَدْعُوَ له، سَوَاءٌ كانَ نَبِيًّا أو غيرَ نَبِيٍّ، كمَا كانَ النبيُّ ﷺ يَأْمُرُ أصحابَهُ إذا زَارُوا القبورَ أنْ يقولَ أحدُهُمْ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، ويَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا ومِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ» (٢)، «اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ» (٣)، وهكَذَا يقولُ إذَا زَارَ أهلَ البَقِيعِ ومَنْ بِهِ مِنَ الصحابةِ وغيرِهِمْ (٤)، أوْ زارَ (٥) شهداءَ أُحُدٍ وغيرَهُمْ.
وليستِ الصَّلَاةُ عندَ قُبُورِهِمْ أو قبورِ غيرِهِمْ مُسْتَحَبَّةً عندَ أَحَدٍ منْ
_________________
(١) قوله: (فيها) زيادة من (أ).
(٢) البخاري (٤٣٥)، ومسلم (٥٢٩).
(٣) رواه أحمد (٢٤٤٢٥)، وابن ماجه (١٥٤٦) عن عائشة ﵂ قالت: فقدته من الليل، فإذا هو بالبقيع، فقال: «سلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأنتم لنا فرط، وإنا بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم». حسنه ابن الحجر في الفتوحات (٤/ ٢٢٢)، وقال الألباني: (ضعيف وهو صحيح دون: تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم).
(٤) في (ج) و(د): (أو غيرهم).
(٥) في (ب): (وزار).
[ ١٤٠ ]
أئمةِ المسلمِينَ، بلِ الصلَاةُ في المساجِدِ الَّتِي ليسَ فيهَا قبرُ (١) أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ والصالِحِينَ وغيرِهِمْ أفضلُ مِنَ الصلاةِ في المساجِدِ الَّتِي (٢) فيهَا ذلِكَ باتفاقِ أئمةِ المسلِمِينَ، بلِ الصلاةُ فِي المساجدِ (٣) الَّتِي علَى القبورِ إمَّا مُحَرَّمَةٌ، وإمَّا (٤) مكروهةٌ.
والزيارَةُ البِدْعِيَّةُ: أنْ يكونَ مقصود الزَّائِر (٥) أنْ يطلُبَ حوائِجَهُ مِنْ ذلِكَ الميِّتِ، أو يَقْصِدَ الدعاءَ عندَ قَبْرِهِ، أوْ يقصِدَ الدعاءَ بِهِ، فهذا لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ النبيِّ ﷺ، ولا اسْتَحَبَّهُ أحدٌ مِنْ سلفِ (٦) الأمَّةِ، بلْ هو مِنَ البِدَعِ الْمَنْهِيِّ عنهَا باتِّفاقِ سَلَفِ الأمَّةِ (٧) وأئمَّتِهَا.
وقدْ كَرِهَ مالِكٌ وغيرُهُ أنْ يقولَ القائِلُ: زُرْتُ قبرَ النبيِّ ﷺ (٨)، وهذَا اللَّفْظُ لم يُنْقَلْ عنِ النبيِّ ﷺ، بلِ الأحاديثُ المذكورَةُ فِي هذَا البابِ مثلُ قَوْلِهِ: «مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبِي (٩) إِبْرَاهِيمَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ؛
_________________
(١) قوله: (قبر) سقط من (ب).
(٢) في (ب): (المسجد الذي).
(٣) قوله: (في المساجد) سقط من (ب).
(٤) في (د): (أو).
(٥) في (أ) و(ب): (الزائر مقصوده).
(٦) قوله: (سلف) سقط من (ب).
(٧) قوله: (بلْ هو مِنَ البِدَعِ الْمَنْهِيِّ عنهَا باتِّفاقِ سَلَفِ الأمَّةِ) سقط من (ج) و(د).
(٨) ينظر: المدونة ١/ ٤٠٠.
(٩) قوله: (أبي) سقط من (ب).
[ ١٤١ ]
ضَمِنْتُ لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ» (١)، وقولِهِ: «مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي، وَمَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي حَلَّتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتِي» (٢)، ونَحْوُ ذلِكَ؛ كلُّهَا أحاديثُ ضَعِيفَةٌ، بل موضوعةٌ، لَيْسَتْ في شيءٍ مِنْ دَوَاوِينِ الإسلام (٣) الَّتِي يُعْتَمَدُ علَيْهَا، ولا نَقَلَهَا إمامٌ مِنْ أئمَّةِ المسلمِينَ، لَا (٤) الأئمَّةُ الأربعةُ ولا نحوهمْ، ولكن رَوَى بَعْضَهَا البَزَّارُ والدَّارَقُطْنِيُّ ونحوُهما (٥) بأسانيدَ ضعيفةٍ؛ لأنَّ مِن (٦) عادَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ وأمثالِهِ أن يذكروا (٧) هذا في السُّنَنِ (٨) ليُعْرَفَ، وهو وغيرُهُ يُبَيِّنُونَ (٩) ضَعْفَ الضعيفِ مِنْ ذلِكَ.
وإذَا (١٠) كانَتْ هذِهِ الأمورُ الَّتِي فيها شِرْكٌ وَبِدْعَةٌ قد (١١) نَهَى
_________________
(١) قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (١٨/ ١٢٥) عنه: (كذب موضوع ولم يروه أحد من أهل العلم بالحديث).
(٢) رواه الطبراني في الكبير (١٣٤٩٦)، والدارقطني (٢٦٩٣)، والبيهقي (١٠٢٧٣).
(٣) في (أ) و(ب): (المسلمين).
(٤) في (ب): (ولا).
(٥) قوله: (بنحوهما) سقط من (ب).
(٦) في (ج): (ولأن من)، وفي (د): (ولا من).
(٧) في (ج) و(د): (يذكرون).
(٨) في (ب): (السنة).
(٩) في (ب): (يثبتون).
(١٠) في (ب) و(ج) و(د): (فإذا).
(١١) قوله: (قد) سقط من (ج) و(د).
[ ١٤٢ ]