فصلٌ
إذَا أتَى مكةَ جازَ أنْ يدخُلَ مكةَ والمسجدَ مِنْ جميعِ الجوانبِ، لكنَّ الأفضلَ أنْ يأتِيَ مِنْ وجهِ الكعبةِ؛ اقتداءً بالنبيِّ ﷺ؛ فإنَّهُ دخلَها مِنْ وَجْهِهَا مِنَ الناحيةِ العُلْيَا (١) التي فيها اليومَ بابُ الْمَعْلَاةِ، ولم يكنْ على عَهْدِ النبيِّ ﷺ لِمَكَّةَ ولا للمدينةِ سورٌ ولا أبوابٌ مَبْنِيَّةٌ، ولكنْ دخلَها مِنَ الثنيَّةِ العُلْيَا؛ ثنيةِ كَدَاءَ -بالفتحِ والمدِ- المشرِفَةِ على المقبرةِ، ودخلَ المسجدَ مِنَ البابِ الأعظمِ الذي يُقالُ له: بابُ بَنِي شَيْبَةَ (٢)، ثم ذهبَ إلى الحَجَرِ الأسودِ؛ فإنَّ هذا (٣) أقربُ الطرقِ إلى الحجرِ الأسودِ (٤) لمنْ دخلَ مِنْ ناحية (٥) الْمَعْلَاةِ (٦).
_________________
(١) = ٣/ ١٦، مواهب الجليل ٣/ ١٦٦، البيان ٤/ ٢٢٩، الإنصاف ٣/ ٥٠٢.
(٢) لحديث ابن عمر ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يدخل من الثنية العليا ويخرج من الثنية السفلى) رواه البخاري (١٥٧٥)، ومسلم (١٢٥٧).
(٣) لحديث ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ لما قدم في عقد قريش دخل مكة من هذا الباب الأعظم) رواه ابن خزيمة (٢٧٠٠) وصححه الألبني.
(٤) قوله: (فإن هذا) هو في (ب): (فإذا هو).
(٥) قوله: (الأسود) سقط من (أ) و(ب).
(٦) في (ج) و(د): (باب).
(٧) قال شيخ الإسلام في شرح العمدة (٥/ ١٤٥): (وذلك لما تقدم في دخول مكة من =
[ ٦٦ ]
ولم يكنْ قديمًا بمكةَ بناءٌ يعلو على (١) البيتِ، ولا (٢) كانَ فوق (٣) الصَّفَا والمروةِ والْمَشْعَرِ الحرامِ بناءٌ، ولا كانَ بِمِنًى ولا بعرفاتٍ (٤) مسجدٌ، ولا عندَ الجمراتِ مساجدُ، بل كل (٥) هذه مُحْدَثَةٌ بعد الخلفاءِ الراشدِينَ، ومنها ما أُحْدِثَ [بعدَ الدولةِ الأمويَّةِ، ومنها ما أُحْدِثَ] (٦) بعدَ ذلِكَ، فكانَ البيتُ يُرَى قبلَ دُخولِ المسجدِ.
وقدْ ذكرَ ابنُ جريج (٧): أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ (٨) إذا رأَى البيتَ رَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ: «اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا، وَزِدْ مَنْ (٩) شَرَّفَهُ وَكَرَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ واعْتَمَرَهُ (١٠) تَشْرِيفًا
_________________
(١) = أعلاها؛ لأن باب بني شيبة أقرب باب، إذا دخله الداخل استقبل وجه الكعبة، وهو أبعد بابٍ من هذه الناحية عن الحجر الأسود، فيكون ممره في المسجد أولى من ممره خارج المسجد، إما إلى ناحية الصفا أو ناحية دار الندوة).
(٢) قوله: (على) سقطت من (أ) و(ب).
(٣) في (ب): (وقال).
(٤) في (أ) و(ب): (بين).
(٥) في (د): (وعرفات).
(٦) في (أ): (كان).
(٧) ما بين معقوفين سقط من (أ) و(ب).
(٨) في (ج) و(د): (ابن جرير).
(٩) قوله: (كان) سقط من (ب).
(١٠) زيد في (ب): (عظمه).
(١١) في (ج): (أو اعتمره).
[ ٦٧ ]
وَتَعْظِيمًا» (١)، فمَنْ رأَى البيتَ قبلَ دخولِ المسجدِ فَعَلَ ذلِكَ.
وقدِ اسْتَحَبَّ ذلِكَ مَنِ استحبَّهُ عندَ رؤيةِ البيتِ ولو كانَ بعد دخولِ المسجدِ (٢)، لكنَّ النبيَّ ﷺ بعد أنْ دخلَ المسجدَ (٣) ابتدأَ بالطوافِ، ولم يُصَلِّ قبلَ ذلِكَ تحيةَ (٤) المسجدِ، ولا غيرَ ذلِكَ، بلْ تحيةُ المسجدِ الحرامِ هُوَ الطوافُ بالبيتِ.
وكانَ ﷺ يغتسلُ لدخولِ مكةَ، كما كان يَبِيتُ بِذِي طُوًى (٥)، وهي (٦) عندَ الآبَارِ التي يقالُ لها اليوم (٧): آبارُ الزَّاهر (٨)، فمَنْ تيسَّرَ
_________________
(١) رواه الشافعي (ص ١٢٥)، والبيهقي (٩٢١٣) عن ابن جريج: أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال: «اللهم زد هذا البيت تشريفًا، وتعظيمًا، وتكريمًا، ومهابةً، وزد من شرفه، وكرمه ممن حجه واعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًّا». قال ابن القيم في زاد المعاد ٢/ ٢٠٧: (وهو مرسل، ولكن سمع هذا سعيد بن المسيب من عمر بن الخطاب ﵁ يقوله).
(٢) وهو ظاهر المذهب: أنه إذا رأى البيت رفع يديه ودعا. وعند شيخ الإسلام: لا يشتغل بالدعاء. ينظر: الإنصاف ٤/ ٤.
(٣) قوله: (المسجد) سقط من (ب).
(٤) في (د): (بتحية).
(٥) روى البخاري (٤٩١)، ومسلم (١٢٥٩) عن ابن عمر ﵄: «أنه كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إِلَّا بَاتَ بِذِي طَوًى، حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ نَهَارًا، وَيَذْكُرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ».
(٦) في (ج) و(د): (وهو).
(٧) قوله: (اليوم) سقط من (ب) و(ج) و(د).
(٨) في (أ) و(ب) و(د): (الزهر).
[ ٦٨ ]
له المبيتُ بها والاغتسالُ (١)، ودخولُ مكةَ نهارًا، وإلَّا فليسَ عليه شيءٌ مِنْ ذلِكَ.
وإذا دخلَ المسجدَ: بدأَ بالطوافِ، فيبتدِئُ (٢) بالحَجَرِ (٣)
_________________
(١) وفي الاختيارات للبعلي ص ٣٠: (ولا يستحب الغسل لدخول مكة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، ولا لطواف الوداع، ولو قلنا باستحبابه لدخول مكة؛ كان الغسل للطواف بعد ذلك فيه نوع عبث لا معنى له). ولعله أخذه من قول صاحب الفروع (١/ ٢٦٤): (ويستحب لدخول مكة، قال في المستوعب: حتى لحائض، وعند شيخنا -أي: شيخ الإسلام-: لا، ومثله أغسال الحج). فلعل البعلي فهم بقوله: (وعند شيخنا: لا) أنه راجع إلى أصل الغسل لدخول مكة، والظاهر أنه يرجع إلى الحائض، وأنه لا يشرع لها الغسل لدخول مكة، قال في مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٩٠): (ومع هذا فلم تؤمر -أي: الحائض- بالغسل عند دخول مكة والوقوف بعرفة). وأما الاغتسال لدخول مكة فمستحب؛ لظاهر ما ذكره في المنسك، ولقول شيخ الإسلام في شرح العمدة (٥/ ١٤٣): (ويستحب أن يغتسل لدخول مكة)، ويؤيده أن المرداوي لم يذكر عن شيخ الإسلام عدم استحباب الغسل لدخول مكة، قال في الإنصاف (١/ ٢٥٠): (واختار الشيخ تقي الدين: عدم استحباب الغسل للوقوف بعرفة، وطواف الوداع، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار. وقال: ولو قلنا باستحباب الغسل لدخول مكة؛ كان الغسل للطواف بعد ذلك فيه نوع عبث لا معنى له).
(٢) في (ب): (فيبدأ).
(٣) في (ج) و(د): (من الحجر).
[ ٦٩ ]
الأسودِ؛ يستقبِلُهُ (١) استقبالًا (٢)، ويستلِمُهُ (٣)، ويُقَبِّلُهُ إنْ أمكنَ، ولا يُؤْذِي أحدًا بالمزاحَمَةِ عليهِ، فإنْ لم يمكِنِ: استلَمَهُ (٤) وقبَّلَ يدَهُ، وإلَّا أشارَ (٥) إليهِ.
ثمَّ يَنتقلُ للطوافِ، ويجعلُ البيتَ عنْ يَسَارِه، وليسَ عليه أنْ يذهبَ إلى مَا بينَ الرُّكْنَيْنِ، ولا يمشِي عَرْضًا [ثم ينتقلُ للطوافِ، بلْ] (٦) ولا يُسْتَحَبُّ ذلِكَ، ويقولُ إذا استلَمَهُ: «باسمِ اللهِ، واللهُ أكبرُ» (٧)، وإنْ شاءَ قالَ: «اللَّهُمَّ إيمانًا بِكَ، وتصديقًا بكتابِكَ، ووفاءً بعهدِكَ، واتِّبَاعًا لسنةِ نبيِّكَ محمدٍ ﷺ» (٨).
_________________
(١) في (ب): (فيستقبله)، وفي (د): (ويستقبله).
(٢) قال في الفروع ٦/ ٣٤: (وفي استقباله أي: الحجر الأسود- بوجهه وجهان، وعند شيخنا هو السنة).
(٣) في (أ): (يستلمه).
(٤) في (أ): (استلامه).
(٥) قوله: (وإلا أشار) هو في (ب): (والإشارة).
(٦) ما بين معقوفين سقط من (ب).
(٧) رواه عبد الرزاق (٨٨٩٤) عن ابن عمر ﵄ موقوفًا.
(٨) لم أقف عليه بهذا اللفظ، قال ابن الملقن: (هذا الحديث غريب من هذا الوجه، لا يحضرني من خرجه مرفوعًا بعد البحث عنه)، وقال الحافظ: (لم أجده هكذا). وقد روى نحوه الشافعي في الأم (٢/ ١٨٦)، قال: أخبرنا سعيد عن ابن جريج قال: أُخْبِرت أن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: يا رسول الله كيف نقول إذا استلمنا الحجر؟ قال «قولوا: باسم الله والله أكبر، إيمانًا بالله، وتصديقًا =
[ ٧٠ ]
ويجعلُ البيتَ عنْ يسارِه، فيطوفُ (١) سبعًا، ولا يخترِقُ الحِجرَ في طوافِهِ؛ لأنَّ (٢) أكثرَ الحِجرِ مِنَ البيتِ، واللهُ أمرَ بالطوافِ به لا بالطوافِ فيه.
ولا يستلمُ مِنَ الأركانِ إلَّا الرُّكْنَيْنِ اليمانِيَيْنِ دون (٣) الشَّامِيَّيْنِ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ إنَّما استلَمَهُمَا خاصَّةً؛ لأنَّهما على قواعِدِ إبراهيمَ، والآخَرَانِ هما في دَاخِلِ البيتِ، فالرُّكنُ الأسودُ يُسْتَلَمُ ويُقَبَّلُ، واليَمَانِيْ يُسْتَلَمُ ولا يُقَبَّلُ، والآخرانِ لا يُسْتلَمانِ ولا يُقَبَّلانِ.
والاستلامُ: هو مَسْحُهُ باليدِ.
وأمَّا سائرُ جوانبِ البيتِ، ومَقامُ إبراهيمَ، وسائرُ ما في الأرضِ مِن المساجدِ وحيطانِها، ومقابرِ الأنبياءِ والصالحينَ؛ كحُجْرَةِ نبيِّنَا محمد (٤) ﷺ، ومغارةِ إبراهيمَ، ومقامِ نبيِّنَا ﷺ الذي كانَ يصلِّي
_________________
(١) = بما جاء به رسول الله ﷺ». قال ابن كثير في إرشاد الفقيه ١/ ٣٣٣: (منقطع). وروى الطبراني في الأوسط (٥٤٨٦)، عن نافع قال: كان ابن عمر ﵄ إذا أراد أن يستلم الحجر قال: «اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ، ثم يصلي على النبي ﷺ، ويستلمه»، وصحح إسناده ابن حجر في التلخيص الحبير ٢/ ٥٣٧.
(٢) في (ب): (ويطوف).
(٣) في (ج) و(د): (لما كان).
(٤) قوله: (دون) سقط من (أ) و(ب).
(٥) قوله: (محمد) سقط من (ج) و(د).
[ ٧١ ]
فيه، وغيرِ ذلك مِنْ مقابرِ الأنبياءِ والصالحينَ، وصخرةِ (١) بيتِ المقدسِ: فلا تُسْتَلَمُ (٢) ولا تُقَبَّلُ (٣) باتفاقِ الأئمةِ (٤).
وأمَّا الطوافُ بذلك: فهو مِنْ أعظمِ البِدَعِ الْمُحَرَّمَةِ، ومَنِ اتَّخَذَهُ دِينًا يُستتابُ، فإنْ تابَ وإلا قُتِلَ.
ولو وَضَعَ يدَهُ على الشَّاذَرْوَانِ (٥) الذي تربط (٦) فيه أستارُ
_________________
(١) في (ب): (وصخرات).
(٢) في (أ) و(ب): (فلا يستلم).
(٣) في (ب) و(ب): (ولا يقبل). قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ١٧/ ٤٧٦: (ولا يقبل ما على وجه الأرض إلا الحجر الأسود).
(٤) قوله: (باتفاق الأئمة) سقط من (ب). وفي الاختيارات ص ١٧٥: (ولا يشرع تقبيل المقام ومسحه إجماعًا، فسائر المقامات غيرَه أولى).
(٥) وهو ما فَضَلَ عن جدار الكعبة، قال في المطلع (ص ٢٢٩): (شَاذَرْوان الكَعْبَةِ: بفتح الشين والذال المعجمتين، وسكون الراء: القدر الذي ترك خارجًا عن عرض الجدار مرتفعًا عن وجه الأرض قدر ثلثي ذراع، قال الأزرقي: قدره ستة عشر إصبعًا، وعرضه: ذراع، والذراع أربع وعشرون اصبعًا، وهو جزء من الكعبة نَقَصَته قريش، وهو ظاهر في جوانب البيت إلا عند الحجر الأسود، وهو في هذا الزمان قد صفح بحيث يعسر الدوس عليه، فجزى الله فاعله خيرًا).
(٦) في (ج) و(د): (يربط).
[ ٧٢ ]
الكعبةِ؛ لم يَضُرَّهُ ذلك في أَصَحِّ قولَيِ العلماءِ (١)، وليسَ الشَّاذَرْوَانُ مِنَ البيتِ (٢)، بل جُعِلَ (٣) عمادًا للبيتِ (٤).
ويُستحَبُّ له في الطوافِ الأولِ: أنْ يرمُلَ مِنَ الحَجَرِ إلى الحَجَرِ فِي الأطوافِ الثلاثةِ، والرَّمَلُ: مثلُ الهَرْوَلَةِ، وهو مسارعةُ المشيِ مع تقارُبِ الخُطَى، فإنْ لم يمكِنه (٥) الرَّمَلُ للزحمةِ (٦)؛ كانَ خروجُهُ إلى حاشيةِ المطافِ والرَّملُ أفضلَ مِن قُرْبِهِ إلى البيتِ بدونِ الرَّمَلِ، وأمَّا إذا أمكنَ القُرْبُ مِنَ البيتِ مع إكمالِ السُّنَّةِ فهو (٧) أَوْلَى.
ويجوزُ أنْ يطوفَ مِن وراءِ قُبَّةِ زمزمَ ومَا وراءَها مِنَ السقائف (٨) المتصلةِ بحيطانِ المسجدِ.
ولو صلَّى المصلِّي في المسجدِ والناسُ يطوفُونَ أمامَهُ؛ لم
_________________
(١) وهو قول الحنفية ووجه عند الشافعية. وذهب المالكية والشافعية والحنابلة: إلى عدم الصحة. ينظر: الدر المختار ٢/ ٤٩٦، مواهب الجليل ٣/ ٧٠، المجموع ٨/ ٢٤، الإنصاف ٤/ ١٥.
(٢) والمذهب: أن الشاذروان من البيت. ينظر: شرح المنتهى ١/ ٥٧٤.
(٣) في (د): (جعلا).
(٤) ينظر: الفروع ٦/ ٣٨، اختيارات البعلي ص ١٧٥.
(٥) في (ج): (لم يمكن).
(٦) في (ب): (للمزاحمة).
(٧) قوله: (فهو) سقط من (ب).
(٨) في (أ) و(ب): (السقاية)، وفي (د): (السقائق).
[ ٧٣ ]
يُكْرَهْ، سواءٌ مَرَّ أمامَهُ رجلٌ أو امرأةٌ، وهذا مِنْ خصائِصِ مكةَ.
وكذلِكَ يُسْتَحَبُّ أنْ يَضْطَبِعَ في هذا (١) الطوافِ، والاضْطِبَاعُ: هو أنْ يُبْدِيَ ضَبْعَهُ الأيمنَ، فيضعَ (٢) وسطَ الرِّدَاءِ تحتَ إبْطِهِ الأيمنِ، وطرفَيه (٣) على عاتقِه (٤) الأيسرِ.
وإنْ تَرَكَ الرَّمَلَ والاضطباعَ؛ فلا شيءَ عليه.
ويُسْتَحَبُّ له في الطوافِ: أنْ يذكُرَ اللهَ تعالَى ويَدْعُوَهُ بما يُشْرَعُ، وإنْ قرأَ القرآنَ سِرًّا فلا بأسَ (٥)، وليسَ فيه ذِكْرٌ محدودٌ عنِ النبيِّ ﷺ، لا بأَمْرِهِ، ولا بِقَوْلِهِ، ولا بتعلِيمِهِ، بلْ يدعُو (٦) فيه بسائرِ الأدعيةِ الشرعيةِ، ومَا يذكُرُهُ كثيرٌ مِنَ الناسِ مِنْ دعاءٍ معيَّنٍ تحتَ الميزابِ ونحوِ ذلِكَ فلَا أصلَ لَهُ، لكن كان (٧) يختِمُ طوافَهُ بينَ
_________________
(١) في (أ) و(ب): (هذه).
(٢) زيد في (د): (في).
(٣) في (أ) و(ب): (وطرفه).
(٤) قوله: (عاتقه) سقطت من (أ) و(ب).
(٥) قال في الاختيارات ص ١٧٥: (ويسن القراءة في الطواف، لا الجهر بها، فأما إن غلَّط المصلين؛ فليس له ذلك إذًا، وجنس القراءة أفضل من جنس الطواف).
(٦) في (أ): (يدعوه).
(٧) قوله: (لكن كان) هو في (ج) و(د): (وكان النبي ﷺ).
[ ٧٤ ]
الركنينِ بقولِهِ (١): «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (٢)، كمَا كانَ يختِمُ سائِرَ الأدعية (٣) بذلِكَ، وليسَ في ذلك ذِكْرٌ وَاجِبٌ باتفاقِ الأئمةِ.
والطوافُ بالبيتِ كالصلاةِ إلَّا أنَّ اللهَ أباحَ فيه الكلامَ، فمَنْ تكلَّمَ فيهِ فلا يتكلَّمْ إلَّا بخيرٍ، ولهذا يُؤْمَرُ الطائِفُ أنْ يكونَ متطهِّرًا الطهارَتَيْنِ الصغرى والكبرى (٤)، ويكونَ مستورَ العَوْرَةِ، مُجْتَنِبَ النجاسةِ التي يجتنِبُهَا المصلِّي، والمطافُ طاهِرٌ (٥)؛ لكنْ (٦) في وجوبِ الطهارةِ في الطوافِ نزاعٌ بين العلماءِ (٧)، فإنَّهُ لم يَنْقُلْ أحدٌ
_________________
(١) في (ب): (بقول).
(٢) رواه أحمد (١٥٣٩٩)، وأبوداود (١٨٩٢) عن عبد الله بن السائب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ما بين الركنين: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار». وحسنه الألباني.
(٣) في (ج) و(د): (دعائه).
(٤) قوله: (الصغرى والكبرى) سقطت من (أ) و(ب).
(٥) في (ج): (والطائف طاهرًا).
(٦) قوله: (لكن) سقط من (د).
(٧) ذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد: إلى أنه لا يشترط رفع الحدث، فإن طاف محدثًا فعليه دم. لكن عند الحنفية: إن طافت وهي محدثة حدثًا أصغر فعليها شاة، وفي الحدث الأكبر بدنة. وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى اشتراط الطهارة. وعن الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام: أن الطهارة سنة. ينظر: المبسوط =
[ ٧٥ ]
عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ أَمَرَ بالطهارةِ للطوافِ، ولا نَهَى (١) الْمُحْدِثَ أنْ يطوفَ، ولكنَّهُ طافَ طاهِرًا (٢)، لكن (٣) ثبتَ عنه ﷺ أنَّهُ نَهَى الحائِضَ عنِ الطوافِ (٤)، وقدْ قالَ النبي ﷺ: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (٥)، فالصلاةُ الَّتِي أَوْجَبَ لها الطهارةَ: مَا كانَ يُفْتَتَحُ بالتكبيرِ ويُخْتَمُ بالتسليمِ؛ كالصلاةِ الَّتِي فيها ركوعٌ وسجودٌ؛ وكصلاةِ (٦) الجنازةِ، وسجدَتَيِ السهوِ، وأمَّا الطوافُ وسجودُ التلاوَةِ؛ فليسَ (٧) مِنْ هذَا، والاعتكافُ يُشْتَرَطُ له المسجدُ، ولا يُشْتَرَطُ له الطهارةُ بالاتفاقِ، والمعتكِفَةُ الحائضُ تُنْهَى عَنِ اللُّبْثِ في المسجدِ [مع الحيضِ، وإنْ
_________________
(١) = ٤/ ٣٨، القوانين الفقهية ص ٨٩، روضة الطالبين ٣/ ٧٩، الفتاوى ٢٦/ ٢٠٥، الفروع ٦/ ٣٤، اختيارات البعلي ص ١٧٥، الإنصاف ٤/ ١٦.
(٢) زيد في (ب): (عن).
(٣) عن عائشة ﵂: «أن أول شيء بدأ به - حين قدم النبي ﷺ - أنه توضأ، ثم طاف» رواه البخاري (١٤١٦) ومسلم (١٢٣٥).
(٤) في (ج) و(د): (لكنه).
(٥) عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال لها لما حاضت: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» رواه مسلم (١٢١١).
(٦) رواه أحمد (١٠٠٦)، وأبو داود (٦١)، والترمذي (٣)، وابن ماجه (٢٧٥)، من حديث علي بن أبي طالب ﵁. وصححه الألباني.
(٧) في (د): (كصلاة).
(٨) في (ج): (فليسا).
[ ٧٦ ]
كانتْ تَلْبَثُ في المسجدِ] (١) وهي مُحْدِثَةٌ.
قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ في «مناسكِ (٢) الحجِّ» لابنِهِ عبدِ اللهِ: حَدَّثَنَا سهلُ بنُ يوسفَ، أنبأنَا شعبةُ، عنْ حمادٍ ومنصورٍ، قالَ: سألتُهما عنِ الرجلِ يطوفُ بالبيتِ وهو غيرُ متوضِّئٍ؟ فلمْ يَرَيَا بهِ (٣) بأسًا.
قالَ عبدُ اللهِ: سألتُ أبِي عنْ ذلِكَ، فقالَ: (أَحَبُّ إلَيَّ ألَّا يطوفَ بالبيتِ وهو (٤) غيرُ متوضِّئٍ؛ لأنَّ الطوافَ بالبيتِ صلاةٌ) (٥).
وقدِ اختلفتِ الروايةُ عنْ أحمدَ في اشتراطِ الطهارةِ فيهِ ووجوبِها؛ كما هو أَحَدُ القولَيْنِ في مذهبِ أبي حنيفةَ، لكنْ لا يختلفُ مذهبُ أبِي حنيفةَ أنَّها ليستْ بشرطٍ.
ومَنْ طافَ في جَوْرَبٍ ونحوِه؛ لئلَّا يَطَأَ نجاسةً مِن ذَرقِ (٦) الحمامِ (٧)، أو غَطَّى يَدَيه (٨) لئلَّا يمسَّ امرأةً (٩)، ونحوُ ذلِكَ؛ فقدْ
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من (ب).
(٢) في (ب): (منسك).
(٣) في (د): (بهما).
(٤) قوله: (وهو) سقط من (د).
(٥) مسائل عبدالله ص ٢١١.
(٦) في (أ) و(ب): (خرؤ).
(٧) قوله: (من ذرق الحمام) سقط من (ب).
(٨) في (أ) و(ب): (يده).
(٩) في (د): (المرأة).
[ ٧٧ ]
خالَفَ السُّنَّةَ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ وأصحابَهُ والتابعِينَ ما زالُوا يطوفونَ بالبيتِ، وما زالَ الحَمَامُ بمكةَ، والاحتياطُ (١) حَسَنٌ ما لم يفضِ بصاحبه إلى مخالفة (٢) السُّنَّةِ المعلومةِ، فإذا أفضَى إلى (٣) ذلك كانَ خطأً.
واعلَمْ أنَّ القولَ الذي يتضمَّنُ مخالفةَ السُّنَّةِ: خطأٌ؛ كمَنْ يخلعُ نعلَيْهِ في الصلاةِ المكتوبةِ وصلاةِ (٤) الجنازةِ خوفًا مِن أنْ يكونَ فيهما نجاسةٌ، فإنَّ هذا خطأٌ مخالِفٌ للسُّنَّةِ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يصلِّي في نعلَيْهِ، وقالَ: «إِنَّ الْيَهُودَ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ فَخَالِفُوهُمْ» (٥)، وقالَ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ (٦) فَلْيَنْظُرْ فِي نَعْلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا أَذًى؛ فَلْيَدْلُكْهُمَا فِي التُّرَابِ؛ فَإِنَّ التُّرَابَ (٧) لَهُمَا طَهُورٌ» (٨)، وكمَا يجوزُ أنْ يصلِّيَ في نَعْلَيْهِ؛ فكذلِكَ (٩) يجوزُ أنْ يطوفَ في نَعْلَيْهِ.
_________________
(١) في (ج) و(د): (لكن الاحتياط).
(٢) قوله: (يفض بصاحبه إلى مخالفة) هو في (ج) و(د): (يخالف).
(٣) قوله: (إلى) سقط من (ب).
(٤) في (ج) و(د): (أو صلاة).
(٥) رواه أبو داود (٦٥٢) من حديث شداد بن أوس ﵁. وصححه الألباني.
(٦) في (ج): (المسجد أحدكم).
(٧) قوله: (التراب) سقط من (ب).
(٨) رواه أحمد (١١٨٧٧)، وأبو داود (٣٨٦) و(٦٥٠) من حديث أبي سعيد ﵁. وصححه الألباني.
(٩) في (أ): (كذلك).
[ ٧٨ ]
وإنْ لم يمكِنْهُ الطوافُ ماشِيًا، فطافَ راكِبًا أو محمولًا؛ أَجْزَأَهُ بالاتفاقِ.
وكذلِكَ ما يَعْجِزُ عنهُ مِنْ واجباتِ الطوافِ؛ مثلُ مَنْ كانَ (١) به نجاسةٌ لا يمكِنُه (٢) إزالتُها؛ كالمستحاضَةِ (٣) ومَنْ به سَلَسُ البولِ، فإنَّهُ يطوفُ ولا شيءَ عليهِ باتِّفاقِ الأئمةِ.
وكذلِكَ لوْ لَمْ يمكِنْهُ الطوافُ إلا عُرْيَانًا، فطافَ بالليلِ، كمَا لو لم يُمْكِنْهُ الصلاةُ إلا عُرْيَانًا (٤).
وكذلِكَ المرأةُ الحائِضُ إذا لم يُمْكِنْهَا طوافُ الفرضِ إلا حائضًا بحيث لا يمكِنُهَا التأخُّرُ بمكةَ (٥).
_________________
(١) في (د): (كانت).
(٢) في (أ): (ولا يمكن). وفي (ب): (لا يمكن).
(٣) في (أ) و(ب): (كالاستحاضة).
(٤) والمذهب ستر العورة شرط للطواف. ينظر: المبدع ٣/ ٢٠٢، الإنصاف ٤/ ١٦.
(٥) والمذهب عند الحنابلة: لا يجوز ولا يصح الطواف، وتقدمت المسألة قريبًا. تتمة: اختار شيخ الإسلام أن طواف الحائض لا يخلو من أمرين: أن تطوف للحاجة: فيصح طوافها، ولا شيء عليها. أن تطوف لغير حاجة: فعليها دم. قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢٦/ ٢١٤): (فإذا طافت حائضًا مع التعمد؛ توجه القول بوجوب الدم عليها، وأما مع العجز: فهنا غاية ما يقال: =
[ ٧٩ ]
ففِي (١) أحدِ قولَيِ العلماءِ الذين يُوجِبُونَ الطهارةَ على الطائِفِ: إذَا طافَتِ الحائضُ، أو الْجُنُبُ، أو الْمُحْدِثُ، أو حامِلُ النجاسةِ مطلقًا: أجزأَهُ الطوافُ، وعليه دَمٌ؛ إمَّا شاةٌ، وإمَّا (٢) بَدَنَةٌ معَ الحيضِ والجنابةِ، وشاةٌ معَ الحَدَثِ الأصغرِ.
ومَنْعُ الحائضِ مِنَ الطوافِ قَدْ (٣) يُعَلَّلُ: بأنَّهُ يُشبِهُ الصلاةَ (٤)، وقدْ يُعَلَّلُ: بأنَّها ممنوعةٌ من المسجد (٥) كما تُمْنَعُ منه
_________________
(١) = إن عليها دمًا، والأشبه: أنه لا يجب الدم). وقال أيضًا (٢٦/ ٢٤١): (ومن قال: إن الطهارة فرض في الطواف وشرط فيه، فليس كونها شرطًا فيه أعظم من كونها شرطًا في الصلاة، ومعلوم أن شروط الصلاة تسقط بالعجز، فسقوط شروط الطواف بالعجز أولى وأحرى، هذا هو الذي توجه عندي في هذه المسألة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولولا ضرورة الناس واحتياجهم إليها علمًا وعملًا لما تجشمت الكلام حيث لم أجد فيها كلامًا لغيري، فإن الاجتهاد عند الضرورة مما أمرنا الله به، فإن يكن ما قلته صوابًا فهو حكم الله ورسوله والحمد لله، وإن يكن ما قلته خطأ؛ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان من الخطأ، وإن كان المخطئ معفوًّا عنه).
(٢) في (أ) و(ب): (وفي).
(٣) في (د): (أو).
(٤) في (ب): (وقد).
(٥) قوله: (الصلاة) سقط من (ب).
(٦) قوله: (من المسجد) هو في (أ): (مع الحدث). وفي (ب): (من الحديث).
[ ٨٠ ]
بالاعتكافِ (١)، كمَا (٢) قالَ ﷿ لإبراهيمَ ﷺ: ﴿وطَهِّر بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٣) [الحج: ٢٦]، فأَمَرَ (٤) بتطهيره لهذِهِ العباداتِ، فمُنِعَتِ الحائضُ مِنْ دخولِهِ.
وقَد أجمع (٥) العلماءُ على أنَّهُ لا يجبُ للطوافِ ما يجبُ للصلاةِ مِنْ تحريمٍ وتحليلٍ وقراءةٍ وغيرِ ذلكَ، ولا يُبْطِلُهُ ما يبطِلُهَا مِنَ الأكلِ والشُّربِ والكلامِ وغيرِ ذلِكَ، ولهذا كانَ مُقْتَضَى (٦) تعليلِ مَن مَنَعَ الحائِضَ لِحُرْمَةِ المسجدِ: أنَّهُ لا يَرَى الطهارَةَ شرطًا، بلْ مقتضَى قولِه أنَّه يَجُوزُ لها [ذلك عندَ الحاجةِ، كما يجوز لها] (٧) دخولُ المسجِدِ عندَ الحاجةِ، وقدْ أَمَرَ اللهُ تعالَى بتطهيرِهِ للطائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ، والعاكِفُ فيهِ لا يُشْتَرَطُ له الطهارةُ، ولا تَجِبُ (٨) عليه الطهارةُ مِنَ الحَدَثِ الأصغرِ باتفاقِ المسلمِينَ، ولو اضْطُرَّتِ العاكِفَةُ الحائِضُ إلى لُبْثِهَا فيه للحاجةِ؛ جازَ ذلِكَ، وأمَّا
_________________
(١) في (أ) و(ب): (من الاعتكاف).
(٢) في (ج): (وكما).
(٣) كتبت الآية في (أ) و(ب) و(ج): (وطهر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود).
(٤) في (ج): (فأمره).
(٥) في (ج) و(د): (اتفق).
(٦) في (أ): (يقتضي).
(٧) ما بين معقوفين سقط من (أ) و(ب).
(٨) في (أ): (يجب).
[ ٨١ ]
الرُّكَّعُ السجودُ فَهُمُ المصلُّونَ، والطهارةُ (١) شرطٌ للصلاةِ باتِّفاقِ المسلمِينَ، والحائِضُ لا تُصَلِّي لا قضاءً ولا أداءً.
يبقَى الطائِفُ؛ هل يُلْحَقُ بالعاكِفِ، أو بالمصلِّي، أو يكونُ قِسْمًا ثالثًا بينهما؟ هذا (٢) مَحَلُّ اجتهاد (٣).
وقولُه: «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ»، لَمْ يثبُتْ عنِ النبيِّ ﷺ، ولكنْ هو ثابِتٌ عنِ ابنِ عبَّاسٍ (٤)، وقدْ رُوِيَ مرفوعًا (٥)، ونَقَلَ (٦) بعضُ الفقهاءِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّهُ قالَ: «إِذَا طَافَ بالبيتِ وهو جُنُبٌ: عليهِ دَمٌ» (٧).
_________________
(١) في (أ): (والطهارات).
(٢) قوله: (هذا) سقط من (ج).
(٣) في (أ) و(ب): (نزاع).
(٤) قوله: (عن ابن عباس) سقط من (ب).
(٥) أما المرفوع: فرواه أحمد (١٥٤٢٣)، والنسائي (٢٩٢٢)، عن رجل أدرك النبي صلى الله عليه سلم. ورواه الترمذي (٩٦٠) قريبًا من هذا اللفظ عن ابن عباس مرفوعًا. أما الموقوف على ابن عباس: فرواه البيهقي (٩٣٠٥). ورجح جماعة من الحفاظ الموقوف؛ كالنسائي والدارقطني والبيهقي والنووي وابن تيمية.
(٦) زيد في (د): (عن).
(٧) ذكره عن ابن عباس ﵄ بعض الحنفية؛ كالكاساني في بدائع الصنائع (٢/ ١٢٩)، والمرغيناني في الهداية (١/ ١٦١). قال الحنفي في التنبيه على مشكلات الهداية (٣/ ١١١٣): (ليس لهذا ذكر في كتب الحديث فيما أعلم)، وقال ابن حجر في الدراية (٢/ ٤١): (لم أجده).
[ ٨٢ ]
ولَا رَيْبَ أنَّ المرادَ بذلِكَ: أنَّهُ يُشْبِهُ الصلاةَ مِنْ بَعْضِ الوجوهِ، ليس المرادُ: أنَّهُ نوعٌ مِنَ (١) الصلاةِ التي يُشْتَرَطُ لها الطهارةُ، وهكذا قولُه (٢): «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يُشَبِّكن (٣) بَيْنَ أَصَابِعِهِ؛ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ» (٤)، وقولُه: «إِنَّ الْعَبْدَ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ، مَا (٥) دَامَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَمَا كَانَ يَعْمِدُ (٦) إِلَى الصَّلَاةِ» (٧)، ونحوُ ذلِكَ.
فلا يجوزُ لحائضٍ أنْ تطوفَ إلا طاهرةً إذَا أَمْكَنَهَا ذلِكَ، باتفاقِ العلماءِ.
ولَوْ قَدِمَتِ المرأةُ حائِضًا (٨)؛ لم (٩) تَطُفْ بالبيتِ، لكنْ تَقِفُ بعرفةَ، وتفعلُ سائرَ المناسكِ كلِّها (١٠) معَ الحيضِ إلَّا الطوافَ،
_________________
(١) قوله: (من) سقط من (ج) و(د).
(٢) في (أ): (وهذا كقوله).
(٣) في (ب) و(ج): (فلا شبك).
(٤) رواه أحمد (١٨١٠٣)، وأبو داود (٥٦٢)، والترمذي (٣٨٦) من حديث كعب بن عجرة ﵁. وصححه الألباني.
(٥) في (ج) و(د): (وما).
(٦) في (د): (يعهد).
(٧) رواه البخاري (٣٢٢٩)، ومسلم (٦٤٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٨) زاد في (أ) و(ب): (بالضاد).
(٩) في (أ) و(ب): (ولم).
(١٠) قوله: (كلها) سقطت من (أ) و(ب).
[ ٨٣ ]
فإنَّها تنتظِرُ حتى تَطْهُرَ إنْ أمكنَها ذلك، ثم تطوفُ، وإنِ اضطُرَّتْ إلى الطوافِ فطافَتْ؛ أَجْزَأَهَا ذلك (١) على الصحيحِ مِنْ قَوْلَيِ العلماءِ.
فإذَا قضَى الطوافَ؛ صلَّى ركعَتَينِ للطوافِ (٢)، وإنْ صلَّاهُمَا عندَ مَقَامِ إبراهيمَ فهو أَحْسَنُ (٣)، ويُسْتَحَبُّ أنْ يقرأَ فيهما بسورَتَيِ الإخلاصِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثمَّ إِذَا صلَّاهُمَا اسْتُحِبَّ له (٤) أنْ يستلِمَ الحَجَرَ.
ثمَّ يخرجُ إلى الطوافِ بينَ الصَّفَا والمروةِ، ولو أَخَّرَ ذلك إلى ما (٥) بَعْدِ طوافِ الإفاضةِ؛ جازَ.
فإنَّ الحَجَّ فيهِ ثلاثةُ أَطْوِفَةٍ (٦):
- طوافٌ عندَ الدخولِ، وهو يسمَّى: طوافَ القُدومِ والدخولِ (٧) والورودِ.
_________________
(١) قوله: (ذلك) سقطت من (أ) و(ب).
(٢) في (أ) و(ب): (ركعتي الطواف).
(٣) في (ب): (حسن).
(٤) قوله: (له) سقطت من (أ).
(٥) قوله: (ما) سقطت من (ج) و(د).
(٦) في (أ): (أطوافه). و(ب): (أطواف).
(٧) قوله: (وهو يسمَّى: طواف القدوم والدخول) سقط من (أ) و(ب).
[ ٨٤ ]
- والطوافُ الثانِي: هو (١) بعدَ التعريفِ، ويقالُ له: طوافُ الإفاضةِ والزيارَةِ، وهو طوافُ الفرضِ الذي لا بُدَّ منه، كما قالَ تعالَى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].
-[والطوافُ (٢) الثالِثُ: هو لِمَنْ أرادَ الخروجَ مِنْ مكَّةَ، وهو طوافُ الوَدَاعِ] (٣).
وإذَا سعَى عَقِيبَ (٤) واحدٍ منها (٥): أَجْزَأَهُ.
فإذَا خرجَ للسعيِ: خرجَ مِنْ بابِ الصَّفَا، وكانَ النبيُّ ﷺ يَرْقَى
_________________
(١) في (ب): (وهو).
(٢) في (د): (لطواف).
(٣) ما بين المعكوفتين تأخر في (أ) و(ب) بعد قوله: (أجزأه). فالمثبت يدل على جواز تأخير السعي بعد طواف الوداع، وهو الموافق للمطبوع ضمن مجموع الفتاوى طبعة ابن قاسم، خلافًا لما في (أ) و(ب)، ولم أجد في كتب شيخ الإسلام كلامًا له حول هذه المسألة إلا ما في شرح العمدة (٥/ ٣٧٤) في ذكر شروط السعي حيث قال: (الخامس: أن يتقدمه طواف، سواء كان واجبًا، أو مسنونًا، فإذا طاف عقب طواف القدوم، أو طواف الزيارة: أجزأ ذلك، وإن طاف عقب طواف الوداع لم ) وما بعده بياض.
(٤) في (ج): (عقب).
(٥) في (أ) و(ب): (منهما).
[ ٨٥ ]
على الصَّفَا والمروةِ، وهما في جانبَي (١) جَبَلَيْ (٢) مكةَ، فيُكَبِّرُ ويُهَلِّلُ ويدعو اللهَ تعالَى، واليومَ قد بُنِيَ فوقَهما دَكَّتَانِ (٣)، فمَنْ وصلَ إلى أسفلِ البِنَاءِ؛ أَجْزَأَهُ السعيُ وإنْ لم يَصْعَدْ فوقَ البناءِ.
فيطوفُ بالصَّفَا (٤) [والمرْوَةِ سبعًا؛ يبتدِئُ بالصَّفَا] (٥)، ويختِمُ بالمروةِ، فينتهي طوافه عند المروة (٦)، ويُستحَبُّ أنْ يسعَى في بطنِ الوادِي؛ مِنَ العَلَمِ إلى العَلَمِ، وهُمَا مُعلَّمَانِ (٧) هُنَاكَ، وإنْ لم يَسْعَ في بطنِ الوادِي، بَلْ مَشَى على هَيْئَتِهِ جميعَ ما (٨) بينَ الصَّفَا والمرْوَةِ؛ أَجْزَأَهُ (٩) باتفاقِ العلماءِ، ولَا (١٠) شيءَ عليه.
ولَا صلاةَ عَقِيبَ الطوافِ بالصَّفَا والمرْوَةِ، وإنَّما الصلاةُ عَقِيبَ الطوافِ بالبيتِ؛ بِسُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ، واتفاقِ السلفِ والأئمَّةِ.
_________________
(١) في (ج) و(د): (جانب).
(٢) في (ب): (جبل).
(٣) في (ب): (إذا كان ناظر).
(٤) قوله: (بالصفا) سقط من (ب).
(٥) ما بين معقوفين سقط من (أ) و(ب).
(٦) قوله: (فينتهي طوافه عند المروة) سقط من (ج) و(د).
(٧) في (ب): (علمان).
(٨) قوله: (ما) سقط من (ب).
(٩) في (أ): (وأجزأه).
(١٠) في (د): (فلا).
[ ٨٦ ]
فإذَا طافَ بينَ الصَّفَا والمرْوَةِ؛ حَلَّ مِنْ إحرامِهِ، كما أَمَرَ النبيُّ ﷺ أصحابَه لَمَّا طافُوا بهما أنْ يَحِلُّوا، إلَّا مَنْ كانَ معه هَدْيٌ فلَا يَحِلُّ حتى ينحرَهُ (١) (٢).
والْمُفْرِدُ والقَارِنُ لَا يَحِلَّانِ إلَّا يومَ النحرِ.
ويُستحَبُّ له أنْ يُقَصِّر مِنْ شعرِهِ لِيَدَعَ الحِلَاقَ (٣) للحجِّ، وكذلك أمرهم النبي ﷺ (٤) (٥).
وإذَا حَلَّ (٦): حَلَّ له ما حرم عليه بالإحرامِ (٧).
_________________
(١) في (ب): (ينحر).
(٢) أخرجه البخاري (١٦٥١) ومسلم (١٢١٨) من حديث جابر ﵁.
(٣) في (أ): (الخلاف).
(٤) قوله: (وكذلك أمرهم النبي ﷺ) سقطت من (أ) و(ب).
(٥) عن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال لهم: «أحلوا من إحرامكم، فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصروا، وأقيموا حلالًا، حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج» أخرجه البخاري (١٥٦٨)، ومسلم (١٢١٦).
(٦) في (أ): (وإذا أحل)، وفي (ب): (فإذا دخل)، وفي (ج): (إذا أحل).
(٧) في (أ) و(ب): (حل له ما كانَ حرامًا).
[ ٨٧ ]