فصلٌ
وإذَا دَخَلَ المدينةَ قبلَ الحجِّ أو بعدَهُ: فإنَّهُ يأتِي مسجدَ النبيِّ ﷺ، ويصلِّي فيهِ، والصَّلاةُ فيهِ خيرٌ مِنْ ألفِ صلاةٍ فيما سِوَاهُ إلَّا المسجدَ الحرامَ (١)، ولَا تُشَدُّ الرحالُ إلَّا إليهِ وإلَى المسجدِ الحرامِ
_________________
(١) = أن يجيء من أربعة أميال قد طاف مائتي طواف، وكلما طاف بالبيت كان أفضل من أن يمشي في غير شيء. قال أبو طالب: قيل: لأحمد بن حنبل: ما تقول في عمرة المحرم؟ فقال: أي شيء فيها؟ العمرة عندي التي تعمد لها من منزلك، قال الله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ وقالت عائشة: إنما العمرة على قدره؛ يعني على قدر النصب والنفقة، وذكر حديث علي وعمر: إنما إتمامها أن تحرم بها من دويرة أهلك وعن عائشة أيضًا قالت: لأن أصوم ثلاثة أيام أو أتصدق على عشرة مساكين أحب إلي من أن أعتمر العمرة التي اعتمرت من التنعيم. وقال طاوس: فمن اعتمر بعد الحج ما أدري أيعذبون عليها أم يؤجرون؟ وقال عطاء بن السائب: اعتمرنا بعد الحج فعاب ذلك علينا سعيد بن جبير. وقد أجازها آخرون؛ لكن لم يفعلوها، وعن أم الدرداء أنه سألها سائل عن العمرة بعد الحج، فأمرته بها. وسئل عطاء عن عمرة التنعيم فقال: هي تامة ومجزئة. وعن القاسم بن محمد قال: عمرة المحرم تامة. وروى عبد الرزاق في مصنفه: قال أخبرني من سمع عطاء يقول: طواف سبع خير لك من سفرك إلى المدينة ).
(٢) رواه البخاري (١١٩٠)، ومسلم (١٣٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٣٤ ]
والمسجدِ الأَقْصَى، هكَذَا (١) ثَبَتَ في الصحيحَيْنِ مِنْ (٢) حديثِ أبِي هُرَيْرَةَ (٣) وأَبِي سعيدٍ (٤)، وهو مَرْوِيٌّ مِنْ طرقٍ أُخَرَ (٥).
ومسجِدُهُ كانَ أصغرَ مما هو اليومَ، وكذلكَ المسجدُ الحرامُ، لكنْ زادَ فيهِمَا الخلفاءُ الرَّاشِدُونَ ومَنْ بعدَهُمْ، وحُكْمُ الزيادةِ حُكْمُ الْمَزِيدِ في جميعِ الأحكامِ.
ثمَّ يُسَلِّمُ على النبيِّ ﷺ وصاحِبَيْهِ، فإنَّهُ قدْ (٦) قالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇»، رواهُ أبُو داودَ وغيرُهُ (٧)، وكانَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ إذَا دخلَ المسجدَ يقولُ (٨): «السَّلَامُ عليكَ يَا رسولَ اللهِ، السلامُ عليكَ يَا أَبَا بكرٍ، السلامُ
_________________
(١) في (ب): (وهكذا).
(٢) قوله: (من) سقط من (د).
(٣) البخاري (١١٨٩)، ومسلم (١٣٩٧).
(٤) البخاري (١١٨٨)، ومسلم (٨٢٧).
(٥) في (ب): (طريق أخرى). فرواه أحمد (٢٣٨٥٠) من حديث أبي بصرة الغفاري ﵁، ورواه ابن ماجه (١٤١٠) من حديث عبدالله بن عمرو ﵄.
(٦) قوله: (قد) سقط من (ب).
(٧) رواه أبو داود (٢٠٤١)، وأحمد (١٠٨١٥) من حديث أبي هريرة ﵁. قال شيخ الإسلام في الإخنائية ص ٩٨: (رواه أبو داود وغيره بإسناد جيد).
(٨) في (ج): (يقول إذا دخل المسجد).
[ ١٣٥ ]
عليكَ يَا أَبَتِ»، ثم ينصرِفُ (١)، وهكَذَا كانَ الصحابةُ يسلِّمُونَ عليه.
وإذا قالَ في سَلَامِهِ (٢): السلامُ عليكَ يَا رسولَ اللهِ، السلام عليك (٣) يا نَبِيَّ اللهِ، يَا خِيَرَةَ اللهِ مِنْ خَلْقِهِ، يا أَكْرَمَ الخَلْقِ على رَبِّهِ، يا إمامَ الْمُتَّقِينَ؛ فهذَا كُلُّهُ (٤) مِنْ صفاتِهِ [بِأَبِي هُوَ وأُمِّي ﷺ.
وكذلِكَ] (٥) إذَا (٦) صلَّى عليهِ مَعَ السلامِ عليهِ؛ فهذَا مِمَّا أَمَرَ اللهُ بِهِ.
[ويسلِّمُ عليهم (٧) مستقْبِلَ الحُجْرَةِ، مُسْتَدْبِرَ (٨) القِبْلَةِ عندَ أكثرِ العلماءِ؛ كمالِكٍ والشافِعِيِّ وأحمدَ (٩).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق (٦٧٢٤). وصححه الألباني في فضل الصلاة (ص ٢٤).
(٢) قوله: (في سلامه) سقط من (ب).
(٣) قوله: (السلام عليك) سقط من (ج) و(د).
(٤) زيد في (د): (جائز).
(٥) ما بين معقوفين سقط من (ب).
(٦) قوله: (وكذلك إذا) هو في (أ) و(ب): (وإذا).
(٧) قوله: (ويسلم عليهم) سقط من (د)، وهو في (ب): (ويسلم عليه)، وهو في (ج): (ويسلمون عليه).
(٨) في (ج) و(د): (مستقبلي الحجرة مستدبري).
(٩) ينظر: المدخل لابن الحاج ١/ ٢٦١، المجموع ٨/ ٢٧٣، شرح المنتهى ١/ ٥٩٤.
[ ١٣٦ ]
وأمَّا أبو حنيفةَ فإنه قالَ (١): يستقبِلُ القبلةَ. فمِنْ أصحابِهِ مَنْ قالَ: يستدبِرُ الحُجْرَةَ، ومنهم مَنْ قالَ: يَجْعَلُهَا عَنْ يسارِهِ (٢).
واتَّفَقُوا على أنَّه لا يَسْتَلِمُ الحُجْرَةَ (٣)، ولا يُقَبِّلُهَا، ولا يطوفُ بها، ولَا يُصَلِّي إليها] (٤)، ولا يدعُو هناكَ مُسْتَقْبِلَ الحجرةِ؛ فإنَّ هذا كلَّهُ مَنْهِيٌّ عنه باتِّفَاقِ الأئمةِ.
ومالِكٌ مِنْ أعظمِ الأئمةِ كراهيةً لذلِكَ، والحكايةُ الْمَرْوِيَّةُ عنه: أنَّهُ أَمَرَ المنصورَ أنْ يستقبِلَ الحجرةَ وقتَ الدعاءِ؛ كَذِبٌ على مالِكٍ.
ولا يَقِفُ عندَ القبرِ للدعاءِ (٥) لِنَفْسِهِ؛ فإنَّ هَذَا بدعةٌ، ولَمْ يكنْ أَحَدٌ مِنَ الصحابةِ يَقِفُ عندَهُ يدعو (٦) لِنَفْسِهِ، ولكن كانوا يَسْتَقْبِلُونَ القِبْلَةَ ويدعونَ في مَسْجِدِهِ، فإنَّه ﷺ قالَ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ» (٧)، وقالَ: «لَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ
_________________
(١) في (ج) و(د) بدل (فإنه قال): (قال).
(٢) ينظر: الاختيار لتعليل المختار ١/ ١٧٦، مراقي الفلاح ١/ ٢٨٣.
(٣) قوله: (ومنهم مَنْ قالَ: يَجْعَلُهَا عَنْ يسارِهِ، واتَّفَقُوا على أنَّه لا يَسْتَلِمُ الحُجْرَةَ) سقط من (ب).
(٤) ما بين معقوفين ذكر في (ج) و(د) بعد قوله: (ويسلمون عليه).
(٥) في (د): (يدعو).
(٦) في (ب): (ويدعو).
(٧) رواه مالك (١/ ١٧٢) مرسلًا. قال شيخ الإسلام في حقوق آل البيت =
[ ١٣٧ ]
قبورًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي» (١)، وقالَ: «أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ»، فقالُوا: كيفَ تُعْرَضُ صلاتُنا عليكَ وقدْ أَرِمْتَ؟ أَيْ: بَلِيتَ. قالَ: «إِنَّ اللَّهَ تعالى حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجسادَ (٢) الْأَنْبِيَاءِ» (٣)، فأخبرَ أنَّهُ يسمعُ الصلاةَ والسلامَ مِنَ القريبِ، وأنَّهُ يبُلَّغُ ذلِكَ مِنَ (٤) البعيدِ.
وقالَ: «لَعَنَ اللَّهُ (٥) الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا، قَالَتْ عائشةُ: «ولَوْلَا ذلِكَ لأُبْرِزَ (٦)
_________________
(١) = (ص ٥٨): (ثابت).
(٢) رواه أحمد (٨٨٠٤) وأبو داود (٢٠٤١) من حديث أبي هريرة ﵁. قال شيخ الإسلام في الإخنائية (ص ١٠٥): (حديث حسن ورواته ثقات مشاهير، لكن عبد الله بن نافع الصائغ؛ فيه لين لا يمنع الاحتجاج به).
(٣) في (أ) و(ب): (لحوم).
(٤) رواه أحمد (١٦١٦٢)، أبو داود (١٠٤٧)، والنسائي (١٣٧٤)، وابن ماجه (١٠٨٥) من حديث أوس بن أبي أوس ﵁ دون قوله: (وليلة الجمعة). قال شيخ الإسلام في الإخنائية (ص ١٤٤): (له شواهد)، وصححه الألباني. وروى البيهقي (٣/ ٢٤٩) عن أنس ﵁ مرفوعًا: «أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيلَةَ الجُمُعَة».
(٥) قوله: (ويبلغ ذلك من) سقط من (د)، وهو في (ب): يبلغه ذلك.
(٦) في (ب): (لعنة الله على).
(٧) في (أ): (أبرز).
[ ١٣٨ ]