فصلٌ (١)
يُسْتَحَبُّ (٢) أنْ يُحْرِمَ عَقِيبَ صلاةٍ؛ إِمَّا فرضٍ، وإمَّا تطوُّعٍ إن كانَ وقتَ تطوُّعٍ، في أحدِ القولَيْنِ (٣)، وفي الآخرِ إِنْ كانَ يصلِّي فرضًا أَحْرَمَ عَقِيبَهُ، وإلَّا فليسَ للإحرامِ صلاةٌ تَخُصُّهُ، وهذا أَرْجَحُ (٤).
ويُسْتَحَبُّ أنْ يغتسلَ للإحرامِ، ولو كانتْ نُفَسَاءَ أو حائِضًا.
وإنِ احتاجَ إلى التنظيفِ؛ كتقليمِ الأظفارِ، ونَتْفِ الإبْطِ، وحَلْقِ العانةِ، ونحوِ ذلك؛ فَعَلَ ذلكَ (٥)، وهذا ليسَ مِن خصائصِ الإحرامِ، وكذلكَ (٦) لم يكنْ له (٧) ذِكْرٌ فيما نقلَهُ الصحابةُ، لكنَّهُ مشروعٌ بحسبِ الحاجةِ، وهكذا يُشْرَعُ لمصلِّي الجمعةِ والعيدِ على هذا الوجهِ (٨).
_________________
(١) قوله: (فصل) سقط من (ب).
(٢) في (ب): ويستحب.
(٣) وهو قول الأئمة الأربعة: أنه يسن لمن أراد النسك أن يصلي ركعتين للإحرام. ينظر: بدائع الصنائع ٢/ ١٤٤، القوانين الفقهية ص ٨٨، نهاية المحتاج ٢/ ٣٥٩، الإنصاف ٣/ ٤٣٣.
(٤) ينظر: الفروع ٥/ ٣٢٦، اختيارات البعلي ص ١٧٣.
(٥) قوله: (فعل ذلك) مكانه في (ب): فصل.
(٦) في (د): ولذلك.
(٧) قوله: (له) سقط من (ب).
(٨) والمذهب: يسن لصلاة الجمعة والعيد ولمريد الإحرام التنظُّف؛ بأخذ شعر، =
[ ٤٠ ]
ويُسْتَحَبُّ أنْ يُحْرِمَ في ثوبَيْنِ نَظيفَيْنِ، فإنْ كانَا أَبْيَضَيْنِ فهو (١) أفضلُ، ويجوزُ أنْ يُحْرِمَ في جميعِ أجناسِ الثيابِ المباحةِ؛ مِنَ القُطنِ والكَتَّانِ والصوفِ.
والسُّنَّةُ أنْ يُحْرِمَ في إزارٍ ورِدَاءٍ، سواءٌ كانَا مَخِيطَيْنِ أو غَيْرَ مَخِيطَيْنِ باتفاقِ الأئمةِ، ولوْ أَحْرَمَ في غيرِهما؛ جازَ إذا كانَ مما يجوزُ لُبْسُهُ.
ويجوزُ أنْ يُحْرِمَ في الأبيضِ وغيرِهِ مِنَ الألوانِ الجائزةِ وإنْ كانَ مُلَوَّنًا.
والأفضلُ أنْ يُحْرِمَ في نَعْلَيْنِ إنْ (٢) تيسَّرَ، والنعلُ: هي التي يُقَالُ لها: التَّاسُومَةُ (٣).
فإنْ لم يَجِدْ نَعْلَيْنِ لَبِسَ خُفَّيْنِ، وليسَ عليهِ أنْ يقطعَهُمَا دونَ الكَعْبَيْنِ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ أَمَرَ بالقطعِ أوَّلًا (٤)، ثمَّ رَخَّصَ بعدَ ذلك في
_________________
(١) = من حلق عانة، وقص شارب، ونتف إبط، وتقليم أظفار. ينظر: شرح المنتهى ١/ ٥٢٨.
(٢) في (ج) و(د): فهما.
(٣) في (أ): وإن.
(٤) التاسومة: هي النَّعْل التي تلبس في المشي. وقال ابن قاسم في حاشيته: (تعرف بنجد والحجاز: بالنعال ذوات السيور). ينظر: النهاية في غريب الحديث ٥/ ٨٣، حاشية الروض ٣/ ٥٥٢.
(٥) كما في حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يَلْبَسُ القُمُصَ، =
[ ٤١ ]
عَرَفَاتٍ في لُبْسِ السراويلِ لمنْ لم يَجِدْ [إزارًا، ورخَّصَ في (١) لُبْسِ الْخُفَّيْنِ لمنْ لم يَجِدْ] (٢) نَعْلَيْنِ (٣)، وإنَّما رَخَّصَ في المقطوعِ أوَّلًا؛ لأنَّهُ يَصِيرُ بالقطعِ كالنعلَيْنِ.
ولهذا كانَ الصحيحُ: أنَّهُ يجوزُ أنْ يلبسَ ما دونَ الكَعْبَيْنِ، مثلَ الْخُفِّ الْمُكَعَّبِ والجمجمِ (٤) والْمَدَاسِ، ونحوِ ذلكَ، [سواءٌ كانَ واجدًا للنَّعْلَيْنِ أو فاقِدًا لهما (٥).
وإذا لم يَجِدْ نَعْلَيْنِ ولا ما يقومُ مقامَهُمَا؛ مثلَ الجمجمِ والمداسِ (٦)، ونحوِ ذلكَ] (٧)؛ فله أنْ يَلْبَسَ الخُفَّ، ولا يقطعَهُ،
_________________
(١) = وَلا العَمَائِمَ، وَلا السَّرَاوِيلاتِ، وَلا البَرَانِسَ، وَلا الخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ» أخرجه البخاري (١٥٤٣)، ومسلم (١١٧٧).
(٢) قوله: (ورخص في) هو في (أ) و(ب): (وفي).
(٣) ما بين معقوفين سقط من (ب).
(٤) كما في حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ» أخرجه البخاري (١٨٤٣)، ومسلم (١١٧٨).
(٥) الجمجم: المداس. ينظر: المعجم الوسيط (ص: ١٣٣).
(٦) والمذهب: لا يجوز لبسها مع وجود النعلين، وعليه الفدية. ينظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ١٩٦، تهذيب السنن ١/ ٣٤٩، الفروع ٥/ ٤٢٥، الإنصاف ٣/ ٤٦٥.
(٧) في (د): المداس.
(٨) ما بين معقوفين سقط من (ب).
[ ٤٢ ]
وكذلكَ إذا لم يجدْ إزارًا؛ فإنَّهُ يلبسُ السراويلَ، ولا يَفْتُقُهُ، هذا أصحُّ قَوْلَيِ العلماءِ (١)؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ رَخَّصَ في البدلِ (٢) في عرفاتٍ (٣)، كما رواهُ ابنُ عُمَرَ (٤).
وكذلكَ يجوزُ أنْ يلبَسَ كلَّ ما كانَ مِن (٥) جِنْسِ الإزارِ والرِّدَاءِ، فلهُ أنْ يلتَحِفَ بالقَبَاءِ (٦) والْجُبَّةِ والقميصِ، ونحوِ ذلكَ، ويتغطَّى بهِ باتفاقِ الأئمةِ عرضًا، ويلبَسَهُ مقلوبًا؛ يجعلُ أسفلَهُ أعلَاهُ، ويتغطَّى باللِّحافِ وغيرِهِ، لكنْ لا يُغَطِّي رأسَهُ إلَّا لحاجةٍ، والنبيُّ ﷺ نَهَى
_________________
(١) ذكر شيخ الإسلام مسألتين: الأولى: لبس الخف لمن لم يجد نعلين: فالمذهب عند الحنابلة: يلبسهما دون قطع، ولا فدية عليه، وهو من المفردات. وذهب الجمهور: إلى وجوب القطع، وإلا فدى. الثانية: لبس السراويل لمن لم يجد الإزار: ذهب الحنفية والمالكية: أنه لا يجوز له لبس السراويل، وإن لبسها فدى، لكن عند الحنفية: لو فتق السراويل فلا شيء عليه. وذهب الشافعية والحنابلة: يجوز له لبس السراويل ولا فدية عليه. ينظر: تحفة الفقهاء ص ٤٢١، بداية المجتهد ٢/ ٩١، الحاوي ٤/ ٩٧ - ٩٨، مجموع الفتاوى ٢١/ ١٩١، الإنصاف ٣/ ٤٦٤.
(٢) في (أ) و(ب): للبدل.
(٣) في (أ): بعرفات.
(٤) هكذا في جميع النسخ الخطية، وصوابه: (ابن عباس).
(٥) قوله: (من) سقط من (ب).
(٦) قال في المطلع ص ٢٠٨: (ثوبٌ ضيقٌ من ثياب العجم).
[ ٤٣ ]
الْمُحْرِمَ أنْ يلبسَ القميصَ والبُرْنُسَ (١) والسراويلَ والخُفَّ [والعِمامةَ (٢)، ونَهَاهُمْ أنْ يُغَطُّوا رأسَ الْمُحْرِمِ بعدَ الموتِ (٣)، وأَمَرَ مَنْ أَحْرَمَ] (٤) فِي جُبَّتِهِ (٥) أنْ يَنْزِعَهَا عنهُ (٦)، فما كانَ مِن هذا الجنسِ فهو [في مَعْنَى ما نَهَى عنه النبيُّ ﷺ.
فمَا كانَ في معنى القميصِ فهو] (٧) مثلُهُ، وليسَ له أنْ يَلْبَسَ
_________________
(١) قال في تاج العروس (١٥/ ٤٤٨): (البُرنس: بالضم، قلنسوة طويلة، وكان الناس يلبسونها في صدر الإسلام، قاله الجوهري، أو هو كل ثوب رأسه منه ملتزق به، دُرَّاعة كان، أو جبة، أو ممطرًا، قاله الأزهري، وصوبوه، وهو من البرس، بالكسر: القطن، والنون زائدة، وقيل: إنه غير عربي).
(٢) تقدم تخريجه من حديث ابن عمر ﵄ صفحة (٤١) حاشية (٤).
(٣) يشير إلى حديث ابن عباس ﵄، قال: بينما رجل واقف مع رسول الله ﷺ بعرفة، إذ وقع من راحلته فأوقصته، فذكر ذلك للنبي ﷺ، فقال: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا». أخرجه البخاري (١٨٣٩)، ومسلم (١٢٠٦)، واللفظ لمسلم.
(٤) ما بين معقوفين سقط من (د).
(٥) في (ج) و(د): جبة ..
(٦) يشير إلى حديث يعلى بن أمية ﵁ أن رجلًا أتى النبي ﷺ وهو بالجعرانة، وعليه جبة وعليه أثر الخلوق - أو قال: صفرة -، فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ فقال له النبي صلى الله عليه: «اخلع عنك الجبة، واغسل أثر الخلوق عنك، وأنق الصفرة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك». أخرجه البخاري (١٧٨٩)، ومسلم (١١٨٠).
(٧) ما بين معقوفين سقط من (ب).
[ ٤٤ ]