فصلٌ
وَمِمَّا يُنْهَى عنه المُحْرِمُ:
أَنْ يتطيَّبَ بعدَ الإحرامِ في بَدَنِهِ أو (١) ثيابِه.
أو يتعمَّدَ (٢) لشَمِّ (٣) الطِّيبِ.
وأمَّا الدُّهنُ في رأسِهِ أو بَدَنِهِ بالزيتِ والسمنِ ونحوِه (٤) إذَا لم (٥) يكنْ فيهِ طِيبٌ؛ ففيهِ نِزَاعٌ مشهورٌ (٦)، وتَرْكُهُ أَوْلَى.
ولَا يُقلِّمُ أظفارَهُ.
_________________
(١) = رواه الدارقطني (٢٥٠٧)، وعن خزيمة بن ثابت عن النبي ﷺ: «أنه كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله رضوانه والجنة، واستعاذ برحمته من النار» رواه الشافعي (١/ ١٢٣)، والدارقطني (٢٥٠٧)، ولأن الملبي قد أجاب الله في دعائه إلى حج بيته، فيستجيب الله له دعاءه جزاءً له، والصلاة على النبي ﷺ مشروعة عند كل دعاء).
(٢) في (أ): (و).
(٣) في (أ) و(ب): (تعمد).
(٤) في (أ): (ليشم)، وفي (ب): يشم.
(٥) في (ب): (ونحو ذلك).
(٦) قوله: (إذا لم) هو في (ب): (ولم).
(٧) ذهب الحنفية والمالكية: إلى المنع من الادهان مطلقًا، بدهن مطيب أو غير مطيب. =
[ ٥٨ ]
ولَا يقطعُ شعرَه.
وله أنْ يَحُكَّ بدنَهُ إذا حَكَّهُ.
ويحتجِمَ في رأسِه وغير رأسِه (١) ويفتصد (٢) إذا احتاج إلى ذلك (٣)، وإنِ احتاجَ أنْ يحلِقَ شعرًا لذلِكَ جازَ؛ فإنَّهُ قدْ ثَبَتَ في الصَّحيحِ (٤): «أنَّ النبيَّ ﷺ احْتَجَمَ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ»، ولا يمكِنُ ذلِكَ إلَّا مَعَ حَلْقِ بعضِ الشعرِ (٥).
وكذلِكَ إذا اغتسلَ وسقطَ شيءٌ مِن شعرِهِ بذلِكَ؛ لم يَضُرَّهُ، وإنْ
_________________
(١) =وذهب الشافعية: إلى أن الادهان جائز في البدن، وغير جائز في الرأس واللحية. وذهب الحنابلة: إلى جواز الادهان بغير المطيب. ينظر: المبسوط ٤/ ١٢٢، والشرح الكبير للدردير ٢/ ٦٠، والمجموع ٧/ ٢٧٩، والإنصاف ٣/ ٤٧٢.
(٢) قوله: (في رأسه وغير رأسه) سقطت من (أ) و(ب).
(٣) في (ب): (ويفصد).
(٤) قوله: (ويفتصد إذا احتاج إلى ذلك): ذكر في (ج) و(د) بعد قوله: (وإنْ تيقَّنَ أنَّهُ انقطعَ بالغسلِ).
(٥) رواه البخاري (١٨٣٦)، ومسلم (١٢٠٣) من حديث عبد الله ابن بحينة ﵁.
(٦) قال شيخ الإسلام: (والمحرم إن احتاج وقطع شعره لحجامة أو غسل لم يضره). والمذهب: عليه فدية. ينظر: الفروع ٥/ ٤٠٠، اختيارات البعلي ص ١٧٤، الإنصاف ٣/ ٤٥٩.
[ ٥٩ ]
تيقَّنَ أنَّهُ انقطعَ بالغسلِ.
ولهُ أنْ يغتسلَ مِنَ الجنابةِ بالاتِّفاقِ، وكذلِكَ لغيرِ الجنابةِ.
ولَا ينكِحُ الْمُحْرِمُ ولا يُنْكَحُ، ولا يَخْطُبُ.
ولَا يصيدُ (١) صيدًا بَرِّيًّا، ولا يتملَّكُهُ بشراءٍ ولا اتِّهابٍ، ولَا غيرِ ذلِكَ، ولَا يُعِينُ على صيدٍ، ولا يذبَحُ صيدًا.
فأمَّا صيدُ البحرِ؛ كالسمكِ ونحوِه؛ فله أنْ يصطادَهُ (٢) ويأكُلَهُ.
وله أنْ يقطعَ الشجرَ، لَكِنَّ نفسَ الحرمِ (٣) لَا يقطعُ شيئًا مِنْ شجرِهِ وإنْ كانَ غيرَ مُحْرِمٍ (٤)، ولا مِنْ نباتِهِ المباحِ إلَّا الْإِذْخِرَ (٥).
وأمَّا ما غَرَسَ الناسُ أو زرعوه؛ فهو لهم.
وكذلك ما يَبِسَ مِنَ النباتِ؛ يجوزُ أَخْذُهُ.
ولا يصطادُ به (٦) صَيْدًا وإنْ كانَ مِنْ صَيْدِ (٧) الماءِ؛ كالسمكِ،
_________________
(١) في (ج) و(د): (يصطاد).
(٢) في (ب): (يصيده).
(٣) في (أ): (المحرم).
(٤) في (ب): (حرم).
(٥) قال في المطلع (ص ٢٢٠): (الإِذخِر: بكسر الهمزة والخاء، نبت طيب الرائحة، الواحدة إِذْخِرَةٌ).
(٦) في (ب): (فيه).
(٧) قوله: (صيد) سقط من (ج) و(د).
[ ٦٠ ]
على الصحيحِ.
بَلْ (١) ولَا يُنَفِّرُ صيدَهُ؛ مثلَ أنْ يُقِيمَهُ ليقعدَ مكانَهُ.
وكذلك حَرَمُ مدينةِ رسولِ اللهِ ﷺ، وهُوَ مَا بينَ لَابَتَيْهَا، وَاللَّابَةُ: هِيَ الْحَرَّةُ؛ وهِيَ الأرضُ الَّتِي فيها حجارةٌ سُودٌ، وهو (٢) بَرِيدٌ في بَرِيدٍ، والبَريدُ أربع فراسِخَ، وهو مِن (٣) عَيْرٍ إلى ثَوْرٍ، وعَيْرٌ هو جَبَلٌ عند المِيقَاتِ يُشْبِهُ العَيْرَ، وهو الحِمَارُ، وثَوْرٌ هو جبلٌ مِنْ ناحيةِ أُحُدٍ، وهو غَيْرُ جبلِ ثَوْرٍ الذي بمكةَ؛ فهذا الحَرَمُ أيضًا:
لا يُصَادُ (٤) صيدُهُ.
ولا يُقْطَعُ شجرُهُ إلَّا لحاجةٍ؛ كآلَةِ الركوبِ والحَرْثِ (٥).
ويُؤْخَذُ مِنْ حَشِيشِهِ ما يُحْتَاجُ إليه للعَلَفِ (٦)؛ [فإنَّ النبيَّ ﷺ رَخَّصَ لأهلِ المدينةِ في هذا لِحَاجَتِهِمْ إلى ذلِكَ (٧)؛ إذْ ليسَ حَوْلَهُمْ
_________________
(١) قوله: (بل) سقط من (ب).
(٢) في (أ) و(ب): (وهي).
(٣) في (ب): (ما بين).
(٤) في (أ): (ولا يصطاد).
(٥) قوله: (والحرث) سقط من (ب).
(٦) في (ب): (العلف).
(٧) كما في حديث علي ﵁: قال رسول الله ﷺ: «وَلَا يَصْلُحُ لِرَجُلٍ أَنْ يَحْمِلَ فِيهَا السِّلَاحَ لِقِتَالٍ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُقْطَعَ مِنْهَا شَجَرَةٌ إِلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ» =
[ ٦١ ]
ما يستغنونَ به عنه، بِخِلَافِ الحرمِ المكيِّ] (١).
وإذَا أَدْخَلَ (٢) إليه (٣) صيدًا؛ لم يكنْ عليه إرسالُهُ.
وليسَ (٤) في الدنيا حَرَمٌ - لا بيتُ المقدسِ ولا غيرُهُ - إلا هذانِ الحَرَمَانِ، ولا يسمَّى غيرُهما حَرَمًا؛ كما يسمِّي الْجُهَّالُ، فيقولونَ: حَرَمُ المقدِسِ، وحرمُ الخليلِ؛ فإنَّ هَذَيْنِ وغيرَهُما ليسَا (٥) بِحَرَمٍ باتفاقِ المسلمينَ.
والحَرَمُ الْمُجْمَعُ عليه: حَرَمُ مكةَ، وأمَّا المدينةُ فلها حَرَمٌ أيضًا عندَ الجمهورِ (٦)، كمَا استفاضَتْ بذلِكَ الأحاديثُ عنِ النبيِّ ﷺ.
_________________
(١) = رواه أحمد (٩٥٩)، وأبو داود (٢٠٣٥)، وصححه النووي في المجموع ٧/ ٤٧٨)، والألباني. وحديث كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَذِنَ بِقَطْعِ المَسَدِ، والقَائمِتَينِ، والمُتَّخَذَةِ عَصَا الدَّابَّةِ» رواه الطبراني في الكبير ١٧/ ١٨. قال في مجمع الزوائد ٣/ ٣٠٤: (فيه كثير بن عبد الله المزني، وهو متروك).
(٢) ما بين معقوفين سقط من (أ) و(ب).
(٣) في (ب): (دخل)، وفي (د): (رأى دخل).
(٤) في (ب) و(ج): (عليه).
(٥) في (ب): (ليس).
(٦) في (أ): (ليس).
(٧) المدينة حرم عند المالكية والشافعية والحنابلة، خلافًا للحنفية. ينظر: مجمع الأنهر ١/ ٣١٢، التاج والإكليل ٤/ ٢٦٢، المجموع ٧/ ٤٧٦، الإنصاف ٣/ ٥٥٩.»
[ ٦٢ ]
ولم يتنازَعِ (١) المسلمونَ في حَرَمٍ ثالِثٍ (٢)، إلَّا فِي «وَجٍّ» (٣)، وهُوَ وادٍ بالطائِفِ (٤)، وهو عندَ بعضِهم حَرَمٌ، وعندَ الجمهورِ ليس بِحَرَمٍ. (٥)
وللمُحْرِمِ أنْ يقتُلَ ما يؤذِي بعادَتِهِ الناسَ؛ كالحيَّةِ، والفأرَةِ، والعقربِ (٦)، والغرابِ، والكلبِ العَقُورِ (٧).
وله أنْ يدفَعَ ما يُؤْذِيهِ مِنَ الآدَمِيِّينَ والبهائِمِ، حتى لو صالَ عليه أحدٌ ولم يندفِعْ إلَّا بالقتالِ؛ قاتَلَهُ؛ فإن النبيُّ ﷺ قال (٨): «مَنْ [قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ] (٩) قُتِلَ
_________________
(١) في (ب): (ولما تنازع).
(٢) في (ب): (ثلاث).
(٣) قوله: (إلا في وج) سقط من (د)، ومكانها في (ج): (إلا وجًّا). وفي (أ) و(ب): (إلا في مرح).
(٤) في (د): (في الطائف).
(٥) ذهب الحنفية والشافعية: إلى تحريم وادي وج. وذهب الحنابلة: إلى أنه لا ليس بحرم. ينظر: التجريد للقدوري ٤/ ٢١٢٢، المجموع ٧/ ٤٧٧، الإنصاف ٣/ ٥٦٣.
(٦) في (ج) و(د): (والعقرب والفأرة).
(٧) والمذهب عند الحنابلة: يستحب قتلها. ينظر: الإنصاف ٣/ ٤٨٨.
(٨) في (أ) و(ب): (قال النبي ﷺ).
(٩) ما بين معقوفين سقط من (أ) و(ب).
[ ٦٣ ]
دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٍ، [وَمَنْ قُتِلَ دُونَ حُرْمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ] (١)» (٢).
وإذا قَرَصَتْهُ (٣) البراغيثُ (٤) أو القملُ (٥) (٦)؛ فله إلقاؤُهَا عنه، وله قَتْلُهَا، ولا شَيْءَ عليه، [وإلقاؤُها أَهْوَنُ مِنْ قَتْلِهَا (٧).
وكذلِكَ ما يتعرَّضُ له مِنَ الدوابِّ، فيُنْهَى عنْ قَتْلِهِ، وإنْ كانَ في نفسِهِ مُحَرَّمًا؛ كالأسدِ والفهدِ (٨)، فإذا قتلَهُ فلا جزاءَ عليه في أَظْهَرِ
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من (د).
(٢) رواه أحمد (١٦٥٢)، وأبو داود (٤٧٧٢)، والترمذي (١٤٢١) وقال: حسن صحيح، والنسائي (٤٠٩٥)، وابن ماجه (٢٥٨٠)، من حديث سعيد بن زيد مرفوعًا. وصححه الألباني.
(٣) في (ب): (قرصه).
(٤) والمذهب: يجوز قتل البراغيث مطلقًا. ينظر: الإنصاف ٣/ ٤٦٨.
(٥) في (ب) و(ج) و(د): (والقمل).
(٦) والمذهب: يحرم قتل القمل، وإن قتلها فلا كفارة عليه. ينظر: الإنصاف ٣/ ٤٨٦.
(٧) ينظر: الفروع ٥/ ٤٠٧٠، اختيارات البعلي ص ١٧٤.
(٨) والمذهب: يستحب قتل كل ما كان طبعه الأذى، وإن لم يوجد منه أذىً؛ كالأسد والنمر والذئب والفهد وما في معناه. ينظر: كشاف القناع ٢/ ٤٣٩. وقال شيخ الإسلام في شرح العمدة ٤/ ٥٨١: (وعنه رواية أخرى: أنه إنما يقتل إذا عدا عليه بالفعل، فإذا لم يعد فلا ينبغي قتله ، وهذه الرواية أصح إن شاء الله) ثم ذكر سبعة وجوه لترجيحها.
[ ٦٤ ]
قولَيِ العلماءِ] (١) (٢).
وأمَّا التَّفَلِّي (٣) بدونِ التأذِّي؛ فهو مِنَ الترفُّهِ، فلا يفعلْهُ، ولو (٤) فعلَهُ فلا شَيْءَ عليه.
ويَحْرُمُ على الْمُحْرِمِ الوطءُ ومقدِّمَاتُه، ولا يطأُ شيئًا، لا (٥) امرأةً ولا غيرَ امرأةٍ.
ولا يتمتَّعُ بقُبلةٍ، ولا مسٍّ بِيَدٍ، ولا نظرٍ بشهوةٍ.
فإنْ جامَعَ؛ فَسَدَ حَجُّهُ، وفي الإنزالِ بغيرِ جِماعِ (٦) نزاعٌ (٧).
ولَا يَفْسُدُ الحجُّ بشيءٍ مِنَ المحظوراتِ إلَّا بهذا الجنسِ.
فإنْ قَبَّلَ بشهوةٍ، أو أَمْذَى لشهوةٍ: فعليه دَمٌ.
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من (أ) و(ب).
(٢) فمذهب الحنفية والمالكية: فيه الفدية. والمذهب عند الشافعية والحنابلة: لا يحرم قتل محَرَّم الأكل، ولا فدية فيه. ينظر: التجريد للقدوري ٤/ ٢١١٤، أسهل المدارك ١/ ٤٨٨، المجموع ٧/ ٣٣٣، الإنصاف ٣/ ٤٨٥.
(٣) في (ب): (القتل).
(٤) في (د): (فلو).
(٥) في (ج) و(د): (سواء كان).
(٦) في (ج) و(د): (الجماع).
(٧) ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة: إلى عدم فساد حجه. وذهب المالكية وأحمد في رواية: إلى فساد حجه. ينظر: البحر الرائق =
[ ٦٥ ]