القميصَ، لَا بِكُمٍّ ولَا بِغَيْرِ كُمٍّ، وسواءٌ (١) أَدْخَلَ فيه (٢) يَدَيْهِ (٣) أو لم يُدْخِلْهُمَا (٤)، وسواءٌ (٥) كان سليمًا أو مخروقًا.
وكذلكَ لا يلبسُ الْجُبَّةَ ولا القَبَاءَ الذي يُدْخِلُ يَدَيْهِ (٦) فيه، وكذلكَ الدِّرْعُ الذي يُسَمَّى: «عرق جين» (٧)، وأمثالَ (٨) ذلك باتفاقِ الأئمةِ، وأمَّا إذا طَرَحَ القباءَ (٩) على كَتِفَيْهِ مِن غيرِ إدخالِ يَدَيْهِ ففيهِ نِزَاعٌ، وهذا معنى قولِ الفقهاءِ: لا يَلْبَسُ المخيط.
والْمَخِيطُ: ما (١٠) كانَ مِن اللِّبَاسِ على قَدْرِ العضوِ.
وكذلك لا يَلْبَسُ ما كانَ في معنى الخُفِّ؛ كالْمُوقِ (١١) والْجَوْرَبِ ونحوِ ذلكَ.
_________________
(١) زيد في (ب): كان.
(٢) قوله: (فيه) سقط من (ج) و(د).
(٣) في (د): يده.
(٤) في (د): لم يدخلها.
(٥) في (د): سواء.
(٦) في (د): يده.
(٧) علق عليه في الطبعة الأولى: (كلمة تركية، معناها: القميص الذي يلبس ليمتص العرق، فيكون فوق الركبة).
(٨) في (ب): أو مثال.
(٩) في (أ) و(ب): (الرداء).
(١٠) في (أ): (أي ما).
(١١) قال في تاج العروس (٢٦/ ٤٠٨): (الموق: خف غليظ يُلبس فوق الخف).
[ ٤٥ ]
ولا يَلْبَسُ ما كانَ في معنى السراويلِ؛ كالتُّبَّانِ (١) ونحوِهِ.
وله أنْ يَعْقِدَ ما يحتاجُ إلى عَقْدِه؛ كالإِزَارِ وهِمْيَانِ النفقةِ (٢).
والرِّدَاءُ (٣) لا يحتاجُ إلى عَقْدٍ (٤)، فلا يَعْقِدْهُ، فإنِ احتاجَ إلى عَقْدِهِ: ففيهِ نزاعٌ (٥)، والأَشْبَهُ جَوَازُهُ حينئذٍ.
وهلِ المنعُ مِن عَقْدِهِ (٦) منعُ كراهةٍ أو تحريمٍ؟ فيهِ نزاعٌ، وليسَ
_________________
(١) قال في الصحاح (٥/ ٢٠٨٦): (التُبَّانُ: بالضم والتشديد: سراويلُ صغيرٌ مقدار شبر يستر العورة المغلظة فقط، يكون للملاحين).
(٢) الهِميان: بكسر الهاء، كيس يجعل فيه النفقة ويشد على الوسط، وجمعه همايين، وهو معرب. ينظر: لسان العرب ١٥/ ٣٦٤، المصباح المنير ٢/ ٦٤١.
(٣) قوله: (وهميان النفقة والرداء) هو في (د): (وحميان الرداء).
(٤) في (ج) و(د): (عقده).
(٥) ذهب المالكية والشافعية والحنابلة: إلى تحريم عقد الرداء، فإن فعل فعليه الفدية. وذهب الحنفية: إلى كراهة عقد الرداء. وظاهر كلام شيخ الإسلام وظاهر ما نقله البعلي في الاختيارات: جوازه مطلقًا، للحاجة وغيرها، قال البعلي ص ١٧٤: (ويجوز عقد الرداء في الإحرام، ولا فدية عليه فيه). وقال في الفروع ٥/ ٤٢٨: (قال شيخنا: ورداء لحاجة). ينظر: البناية شرح الهداية ٤/ ١٦٨، أسهل المدارك ١/ ٤٨١، المجموع ٧/ ٢٥٥، شرح المنتهى ١/ ٥٤٠.
(٦) قوله: (من عقده) هو في (د): (منه).
[ ٤٦ ]
على تحريمِ (١) ذلكَ دليلٌ، إلا ما نُقِلَ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ [أنَّهُ كَرِهَ عَقْدَ الرِّدَاءِ (٢).
وقدِ اختلفَ المتَّبِعُونَ لابنِ عمرَ] (٣)؛ فمنهم (٤) مَنْ قالَ: هو كراهةُ تَنْزِيهٍ؛ كأبي حنيفةَ وغيرِه، ومنهم مَن قالَ: هو (٥) كراهةُ تحريمٍ.
وأمَّا الرأسُ فلا يغطِّيهِ (٦) بِمَخِيطٍ ولا غيرِهِ، فلا يُغَطِّيهِ بعِمامةٍ، ولا كُوفِيَّةٍ (٧)، ولا قَلَنْسُوَةٍ (٨)، ولا ثوبٍ يَلْصَقُ بهِ، ولا غيرِ ذلكَ.
_________________
(١) في (أ) و(ب): (لتحريم).
(٢) أخرج مالك في الموطأ (١/ ٣٢٦) عن نافع: «أن عبد الله بن عمر كان يكره لُبْس المِنْطَقة للمحرم». وأخرج ابن أبي شيبة (١٥٤٣٨) عن مسلم بن جندب قال: سمعت ابن عمر يقول: «لا تعقد عليك شيئًا وأنت محرم».
(٣) ما بين معقوفين سقط من (ج) و(د).
(٤) في (د): (منهم).
(٥) قوله: (هو) سقط من (ب) و(ج) و(د).
(٦) زيد في (ج) و(د): (لا).
(٧) قال في تاج العروس (٢٤/ ٣٤٦): (الكوفية: ما يلبس على الرأس، سميت لاستدارتها).
(٨) في (ج) و(د): (ولا قلنسوة ولا كوجية). قال في المطلع (ص ٣٦): (قَلَنْسُوَة، وفيها ست لغات: قلنسوة، وقلساة، وقلنساة، وقلسوة، الأربع بفتح القاف، وقُلَنْسِيَة وقُلْنِسية، بضم القاف فيهما، =
[ ٤٧ ]
وله أنْ يستظِلَّ تحتَ السقفِ والشجرِ، ويستظلَّ في الخيمةِ، ونحوِ ذلكَ، باتفاقِهِمْ.
وأمَّا الاستظلالُ بالْمَحْمِلِ؛ كالمحارة (١) التي لها رأس في حالِ السيرِ؛ فهذا فيه نزاعٌ (٢)، والأفضلُ للمُحْرِمِ: أنْ يَضْحَى لمن أَحْرَمَ له، كما كانَ النبيُّ ﷺ وأصحابُه يَحُجُّونَ، وقدْ رأى ابنُ عُمَرَ رجلًا ظُلِّلَ عليه، فقالَ: «أَيُّهَا الْمحرِمُ، اضْحَ (٣) لِمَنْ أحرمتَ لهُ» (٤).
ولهذا كانَ السلفُ يكرهونَ القِبَابَ على المحامِلِ، وهي المحاملُ التي لها رأسٌ، وأمَّا المحاملُ المكشوفةُ فلم يَكْرَهْهَا إلا بعضُ النُّسَّاكِ.
_________________
(١) = غير أن جمع قُلَنْسِيَة، وقَلَنْسَاة: قَلَانِس).
(٢) قال في المصباح المنير (١/ ٣٣٥): (الصدفة: المحارة، وهي محمل الحاج).
(٣) ذهب الحنفية والشافعية وأحمد في رواية: إلى الجواز. وذهب المالكية والحنابلة: إلى عدم الجواز. ينظر: المبسوط ٤/ ١٢٩، ومواهب الجليل ٣/ ١٤٤، والمجموع ٧/ ٢٦٧، والإنصاف ٣/ ٤٦١.
(٤) قال شيخ الإسلام في شرح العمدة ٤/ ٥٠٥: (اضحَ: بكسر الهمزة، من ضَحِيَ بالفتح والكسر، يَضْحَى ضَحىً، إذا برز للشمس، كما قال: ﴿وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى﴾، وبعض المحدثين يرويه بفتح الهمزة، من أضحى يُضحِي إضحاءً، ومعناها هنا ضعيف).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٢٥٣)، وصححه النووي في المجموع (٧/ ٢٦٧)، والألباني في الإرواء (٤/ ٢٠٠).
[ ٤٨ ]
وهذا في حقِّ الرجلِ، وأمَّا المرأةُ فإنها عورةٌ، فلذلك جازَ لها أنْ تلبسَ الثيابَ التي تَسْتُرُها (١)، وتستظِلُّ بالْمَحْمِلِ، لكنْ نهاهَا النبيُّ ﷺ أنْ تَنْتَقِبَ أو تلبسَ القُفَّازَيْنِ، والقفازُ (٢): غِلَافٌ (٣) يُصْنَعُ لليدِ كما يفعلُهُ حملة (٤) البُزَاةِ (٥).
ولو غطَّتِ المرأةُ وجهَها بشيءٍ لا يَمَسُّ الوجهَ؛ جازَ بالاتفاقِ.
وإنْ كانَ يَمَسُّهُ: فالصحيحُ أنه يجوزُ أيضًا (٦)، ولا تُكَلَّفُ المرأةُ أنْ تُجافِيَ سُترتَها عنِ الوجهِ، لا بِعُودٍ ولا بِيَدٍ (٧) ولا غيرِ ذلكَ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ سوَّى بين وجهِها ويَدهَا (٨)، وكلاهُما كبدنِ الرجلِ لا كَرَأْسِهِ، وأزواجُه ﷺ كُنَّ يَسْدِلْنَ على وجوهِهنَّ مِن غيرِ مراعاةِ المجافاةِ (٩)، ولم يَنْقُلْ أحدٌ من أهلِ العلمِ عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ:
_________________
(١) في (ج): (تستتر بها).
(٢) في (ج) و(د): (والقفازان).
(٣) في (ب): (بخلال).
(٤) قوله: (يفعله حملة) هو في (أ) و(ب): تفعله.
(٥) في (ب): (المرأة)، وفي (د): (النبرات).
(٦) والمذهب: لا يجوز إلا لحاجة إلى ستر وجهها؛ كمرور أجانب قريبًا منها. ينظر: اختيارات البعلي ص ١٧٤، الإنصاف ٣/ ٥٠٨.
(٧) في (أ): (ولا يدها).
(٨) في (ج) و(د): (ويديها).
(٩) ومن ذلك ما أخرجه أحمد (٢٤٠٢١)، وأبو داود (١٨٣٣) عن عائشة ﵂ =
[ ٤٩ ]
«إحرامُ المرأةِ في وجهِها»، وإنما قال هذا القولَ (١) بعضُ السلفِ (٢)، لكنَّ النبيَّ ﷺ نهاها أنْ تَنْتَقِبَ أو تلبَسَ القفازَيْنِ، كما نهى الْمُحْرِمَ أنْ يلبَسَ القميصَ والخُفَّ، مع أنَّه يجوزُ له أن يسترَ يَدَيهِ (٣) ورِجْلَيْهِ باتفاقِ الأئمةِ.
والبُرْقُعُ (٤) أقوى مِنَ النقابِ، فلهذا يُنْهَى عنه باتفاقِهم، ولهذا كانتِ الْمُحْرِمَةُ لا تلبَسُ ما يُصْنَعُ لسترِ الوجهِ؛ كالبُرْقُعِ ونحوِه؛ فإنَّه كالنِّقَابِ.
_________________
(١) = قالت: «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه». قال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٢/ ٣٩١): (إسناده منقطع)، وصححه الألباني في تخريج المشكاة (٢٦٩٠).
(٢) قوله: (قال هذا القول) مكانه في (ج) و(د): (هذا قول).
(٣) رواه الدارقطني (٢٧٦١)، عن ابن عمر مرفوعًا، إلا أن البيهقي رواه من طريق الدارقطني بالإسناد نفسه موقوفًا (٩٠٤٨)، ونقله ابن حجر في إتحاف المهرة (١٠٨٤٤) عن الدارقطني موقوفًا، ويؤكد ذلك: أن البيهقي قال في المعرفة ٧/ ١٣٩: (وعنه أنه قال: «إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في رأسه»، وروي ذلك عنه في المرأة مرفوعًا، ورفعه ضعيف)، فلعل نسخة الدارقطني حصل بها زيادة ذكر الرفع خطأً في الطباعة أو من بعض النساخ. وقد روي مرفوعًا عند الدارقطني (٢٧٦٠)، والبيهقي (٩٠٤٩)، وصوب الدارقطني وقفه.
(٤) في (أ): (يده).
(٥) في (د): (والبرق). =
[ ٥٠ ]