وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١).
قال شيخنا ابن باز ﵀: «وكل ما يفعله الحاج: من طاعة اللَّه ونفع لعباده، مما ذكر ومما لم يُذكر، كله داخل في المنافع، وهذا من
حكمة (٢) اللَّه في إبهامها حتى يدخل فيها كل ما يفعله المؤمن والمؤمنة، من طاعة لله، ومن نفع لعباده، فالصدقة على الفقير منفعة، وتعليم الجاهل منفعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منفعة، وفي الدعوة إلى اللَّه منافع عظيمة، والصلاة في المسجد الحرام منفعة، وكل ما تفعله مما ينفع الناس من قولٍ، أو فعلٍ، أو صدقةٍ، أو غيرها مما شرعه اللَّه أيضًا داخل في المنافع، فينبغي للحاج أن يستغل هذه الفرصة العظيمة » (٣).
السابع عشر: أعظم المنافع تحقيق التوحيد ونبذ الشرك؛ لحديث جابر بن عبد اللَّه - ﵁ - في صفة حجة النبي - ﷺ -: حجة الوداع، وفيه: أن النبي - ﷺ - كان معه جمع غفير عند إحرامه من ذي الحليفة، قال جابر
- ﵁ -، فنظرت إلى مدِّ بصري بين يديه من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول اللَّه - ﷺ - بين
_________________
(١) سورة النحل: الآية: ١٢٥.
(٢) في الأصل: «من حكم اللَّه في إبهامها» قلت: ولعله خطأ مطبعي، وأن الصواب: «من حكمة اللَّه في إبهامها».
(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٧٠، وانظر: جملة من منافع الحج ومقاصده، وفوائده، وحكمه وأهدافه: مجموع فتاوى ابن باز ﵀، ٢/ ٢٣٤، و٥/ ١٣٠، ١٤١، ١٩٤، و١٦/ ١٥٩، ١٧٠، ١٧١، ١٧٧، ١٨٥، ١٩٣، ١٩٦، ٢١٤، ٢٤١، و١٧/ ١٦١، ١٦٣، وأضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٤٨٩، وتفسير ابن كثير، ١٠/ ١٤٤، والبغوي، ٣/ ١٨٤، والطبري: ١٨/ ٦٠٣، ٦١٠.
[ ٧١ ]
أظهرنا وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهلَّ بالتوحيد: «لبَّيْك اللَّهمّ لبَّيْك، لبَّيْك لا شريك لك لبَّيْك، إنَّ الحمدَ، والنِّعْمَةَ لك والمُلْكَ، لا شريك لك» (١).
وقد جاءت هذه التلبية بلفظها من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄: أن تلبية رسول اللَّه - ﷺ -: «لبّيك اللَّهمّ لبَّيك، لبيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» (٢)، وفي لفظ للبخاري ومسلم قال ابن عمر: «لا يزيد على هؤلاء الكلمات» (٣)، وكان ابن عمر ﵄ يزيد فيها: «لبَّيك، لبَّيك، وسعديك، والخير بيديك، لبَّيك والرغباء إليك والعمل» (٤)، ولفظ ابن ماجه وأبي داود: وكان ابن عمر يزيد في تلبيته: لبيك، لبيك، وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل (٥).
وعن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: كان عمر بن الخطاب يهلُّ بإهلال رسول اللَّه - ﷺ - من هؤلاء الكلمات (٦)، ويقول: لبَّيك اللَّهم لبَّيك، لبَّيك، لبَّيك، وسَعْدَيْكَ، والخيرُ في يديك، لبَّيك والرغباءُ إليك والعمل (٧).
_________________
(١) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم ١٢١٨.
(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب التلبية، برقم ١٥٤٩، وكتاب اللباس، باب التلبية، برقم ٥٩١٥، ومسلم، كتاب الحج، باب التلبية وصفتها ووقتها، برقم ١١٨٤.
(٣) البخاري، برقم: ٥٩١٥، ومسلم، برقم ١١٨٤.
(٤) مسلم، برقم ١١٨٤، وتقدم تخريجه قبل حديث واحد.
(٥) أبو داود، كتاب المناسك، باب كيف التلبية، برقم ١٨١٢، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب التلبية، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٥٠٩، وفي صحيح ابن ماجه، ٣/ ١٥.
(٦) أي تلبية النبي - ﷺ -.
(٧) مسلم، برقم ١١٨٤، وتقدم تخريج أصله في الحديث الذي قبله عن ابن عمر ﵄.
[ ٧٢ ]
وعن عائشة ﵂ قالت: إني لأعلم كيف كان النبي - ﷺ - يلبِّي: «لبَّيك اللَّهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمد والنعمة لك» (١).
وجاء لفظ حديث عائشة ﵂ عن ابن مسعود - ﵁ - قال: كان من تلبية النبي - ﷺ -: «لبَّيك اللَّهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمد والنعمة لك» (٢).
وعن ابن عباس ﵄ قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول اللَّه - ﷺ -: «ويلكم: قد قد (٣»)،فيقولون: إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت (٤).
وعن أبي هريرة - ﵁ -، قال: كان من تلبية النبي - ﷺ -: «لبَّيْك إلهَ الحقّ»، ولفظ ابن ماجه: أن رسول اللَّه - ﷺ - قال في تلبيته: «لبَّيْك إله الحق لبيك» (٥)،وقد اشتملت تلبية النبي - ﷺ - على إثبات التوحيد، والبراءة من الشرك.
فمن حج أو اعتمر فقد شرعت له هذه التلبية، وهذا من أعظم تحقيق التوحيد والبراءة من الشرك، وهذا كله من أعظم المنافع. وقوله - ﷺ -:
«لبَّيك اللَّهمّ لبَّيك» من التلبية، وهي إجابة المنادي: أي إجابتي لك
_________________
(١) البخاري، كتاب الحج، باب التلبية، برقم ١٥٥٠.
(٢) النسائي، كتاب مناسك الحج، باب كيفية التلبية، برقم ٢٧٥٠، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٢٧٤.
(٣) قد قد: أي: اقتصروا على هذا الكلام الذي هو توحيد، ولا تضيفوا إليه الشرك.
(٤) مسلم، كتاب الحج، باب التلبية وصفتها ووقتها، برقم ١١٨٥.
(٥) النسائي، كتاب مناسك الحج، باب كيفية التلبية، برقم ٢٧٥١،وابن ماجه، كتاب المناسك، باب التلبية، برقم ٢٩٢٠، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٢٧٤، وفي صحيح ابن ماجه، ٣/ ١٦.
[ ٧٣ ]