وقال - ﷺ - في حجة الوداع وهو يرمي جمرة العقبة: «لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلِّي لا أحجُّ بعد حجتي هذه» (١).
فمن تعظيم شعائر اللَّه تعالى: الاقتداء بالنبي - ﷺ - في جميع مناسك الحج، وما يعمله الحاجّ في المشاعر، وإذا قصَّر في شيء من ذلك متعمِّدًا راغبًا عن سنته - ﷺ - فليس منه في شيء، وكذلك جميع العبادات التي شرعها - ﷺ -.
ومن تتبّع أحوال النبي - ﷺ -، وتأمّل في صفة حجة الوداع ظهر له تعظيم النبي - ﷺ - لشعائر اللَّه، وتعظيمه لحرمات اللَّه - ﷿ -.
ثانيًا: مغفرة ذنوب الحاج ورضوان اللَّه عليه، فيرجع إلى وطنه كيوم ولدته أمه لا ذنب عليه، إذا كان متَّقيًا ربه في حجِّه: بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وقد تقدم في فضائل الحج والعمرة قول النبي
- ﷺ -: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه» (٢).
وذكر الإمام الطبري رحمه اللَّه تعالى: أن معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (٣) هو أن الحاج يخرج مغفورًا له كيوم ولدته أمه لا إثم عليه، فقد ذكر ستة أقوال لأهل العلم في معنى الآية، ثم قال ﵀: «وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال: تأويل ذلك: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ من أيام
_________________
(١) مسلم، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، برقم ١٢٩٧.
(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٥٢١، ١٨١٩، ومسلم، برقم ١٣٥٠ من حديث أبي هريرة - ﵁ - وتقدم تخريجه.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٠٣.
[ ٥٢ ]
منى الثلاثة، فنفر في اليوم الثاني فلا إثم عليه، لحطّ اللَّه ذنوبه إن كان قد اتّقى اللَّه في حجه، فاجتنب فيه ما أمره اللَّه باجتنابه، وفعل فيه ما أمره بفعله، وأطاعه بأدائه على ما كلفه من حدوده، (وَمَنْ تَأَخَّرَ) إلى اليوم الثالث منهن فلم ينفر إلى النفر الثاني حتى نفر من غدٍ النفر الأول (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) لتكفير اللَّه له ما سلف: من آثامه وإجرامه إن كان اتقى اللَّه في حجه بأدائه بحدوده؛ وإنما قلنا إن ذلك أولى تأويلاته بالصحة؛ لتظاهر الأخبار عن رسول اللَّه - ﷺ - أنه قال: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه» (١)، وأنه قال: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة» (٢) وما
أشبه ذلك من الأخبار التي يطول بذكر جميعها الكتاب، مما ينبئ عن أن من حجّ فقضاه بحدوده على ما أمره اللَّه، فهو خارج من ذنوبه، كما قال جل ثناؤه: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ اللَّه في حجه، فكان في ذلك من قول رسول اللَّه - ﷺ - ما يوضح أن معنى قوله جل وعز: (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) أنه خارج من ذنوبه، محطوطة عنه آثامه، مغفورة أجرامه، وأنه لا معنى لقول من تأول قوله: (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) فلا حرج عليه في نفره في اليوم الثاني، ولا حرج عليه في مقامه إلى اليوم الثالث؛ لأن الحرج إنما يوضع عن العامل فيما كان عليه ترْك عمله، فيرخّص له في عمله بوضع الحرج عنه في عمله، أو فيما كان عليه عمله فيرخّص له في تركه بوضع الحرج عنه في
_________________
(١) متفق عليه، البخاري، برقم ١٥٢١، ومسلم، برقم ١٣٥٠، وتقدم تخريجه.
(٢) الترمذي، برقم ٨١٠، والنسائي، برقم ٢٦٣١، وقال الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٤٢٦:» حسن صحيح»، وتقدم تخريجه.
[ ٥٣ ]
تركه » (١)، وقد رجح اختيار الإمام ابن جرير العلامة الجهبذ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ (٢).