ينصرف الحجاج المقيمون بمزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس عند الانتهاء من الدعاء والذكر، فإذا وصلوا إلى منى عملوا ما يأتي:
١ - رمي جمرة العقبة وهي الجمرة الكبرى التي تلي مكة في منتهى منى، فيلقطُ سبع حصيات مثل
[ ٦٧ ]
حصا الخَذفِ، أكبر من الحمص قليلًا، ثم يرمي بهن الجمرة، واحدةً بعد واحدةٍ، ويرمي من بطن الوادي إن تيسر له فيجعل الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه، لحديثِ ابن مسعود ﵁ «أنه انتهى إلى الجمرة الكُبرى فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، ورمى بسبع وقال: هكذا رمى الذي أُنزلت عليه سورةُ البقرة» متفق عليه.
ويُكبر مع كل حصاةٍ فيقول: الله أكبر.
ولا يجوزُ الرمي بحصاة كبيرة ولا بالخفاف والنعال ونحوها.
ويَرمي خاشعًا خاضعًا مُكبرًا الله ﷿، ولا يفعل ما يفعله كثيرٌ من الجهال من الصياح واللغط والسب والشتم؛ فإن رَمي الجمار من شعائر الله: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: ٣٢) وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما جُعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمارِ لإقامة ذكر الله» .
ولا يندفع إلى الجمرة بعنف وقوة، فيؤذي إخوانه المسلمين أو يضرهم.
٢ - ثم بعد رمي الجمرة يذبح الهدي إن كان معه هدي،
[ ٦٨ ]
أو يشتريه فيذبحه.
وقد تقدم بيان نوع الهدي الواجب وصفته ومكان ذبحه وزمانه وكيفية الذبح، فَليُلاحَظ.
٣ - ثم بعد ذبحِ الهدي يحلق رأسه إن كان رجلًا، أو يقصّره، والحلق أفضل، لأن الله قدمه فقال: (مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) (الفتح: الآية٢٧) ولأنه فِعلُ النبي ﷺ، فعن أنس بن مالك ﵁ «أن النبي ﷺ أتى منى، فأتى الجمرة، فرماها ثم أتى منزله بمنى ونَحَرَ ثم قال للحلاق: خُذ، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يُعطيه الناس» رواه مسلم.
ولأن النبي ﷺ دعا للمُحَلقين بالرحمة والمغفرة ثلاثًا وللمُقَصرين مرة، ولأن الحلق أبلغ تَعظيمًا لله ﷿ حيث يُلقي به جميعَ شعرِ رأسِه.
ويجب أن يكون الحلق أو التقصير شاملًا لجميع الرأس لقوله تعالى: (مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) (الفتح: الآية٢٧) والفعل المضاف إلى الرأس يشمل جميعه، ولأن حلق بعض الرأس دون بعض منهي عنه شرعًا لما في «الصحيحين» عن نافع عن ابن عُمر أن النبي ﷺ
[ ٦٩ ]
نهى عن القَزع، فقيل لنافع: ما القزعُ؟ قال: أن يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعضًا، وإذا كان القزعُ منهيًا عنه لم يصحَّ أن يكون قُربة إلى الله، ولأن النبي ﷺ حَلَق جميع رأسه تعبدًا لله ﷿ وقال: «لِتَأخذوا عني مناسككم» .
وأما المرأة فتقصر من أطراف شعرها بقدر أُنملة فقط.
فإذا فعل ما سبق حَلَّ له جميع محظورات الإحرام ما عدا النساء فيحل له الطيب واللباس وقص الشعر والأظافر وغيرها من المحظورات ما عدا النساء.
والسنة أن يتطيب لهذا الحِلِّ، لقول عائشة ﵂: «كنت أُطيب النبي ﷺ لإحرامه قبل أن يُحرم ولحلِّه قبل أن يطوف بالبيت» . متفق عليه واللفظ لمسلم.
وفي لفظ له: «كنت أطيب النبي ﷺ قبل أن يُحرم ويومَ النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيبٍ فيه مِسكٌ» .
[ ٧٠ ]
٤ - الطواف بالبيت وهو طواف الزيارة والإفاضة لقوله تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: ٢٩)
وفي «صحيح مسلم» عن جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ قال: ثم ركب ﷺ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر الحديث.
وعن عائشة ﵂ قالت: حَجَجنا مع رسول الله ﷺ فأفضنا يومَ النحرِ الحديث متفق عليه.
وإذا كان مُتمتعا أتى بالسعي بعد الطواف، لأن سعيه الأول كان للعمرة، فلزمه الإتيان بسعي الحج.
وفي «الصحيحين» عن عائشة ﵂ أنها قالت: «فطاف الذين كانوا أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلُّوا ثم طافوا طوافًا آخرَ بعد أن رجعوا من مِنى لحجهم، وأما الذين جَمَعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا» .
وفي «صحيح مسلم» عنها أنها قالت: ما أتم الله حج امرىء ولا عُمرته لم يطف بين الصفا والمروة وذكره البخاري تعليقًا.
وفي «صحيح البخاري»
[ ٧١ ]
عن ابن عباس ﵄ قال: «ثم أَمَرَنا - يعني رسول الله ﷺ عشية التروية أن نُهِلَّ بالحج، فإذا فَرغنا من المناسك جِئنا فَطُفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وقد تم حَجُّنا وعلينا الهدي» ذكره البخاري في: (باب ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) .
وإذا كان مفردًا أو قارنًا فإن كان قد سعى بعد طواف القدوم لم يُعِدِ السعي مرة أخرى لقول جابر ﵁: «لم يَطفُ النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، طوافَه الأول» رواه مسلم.
وإن كان لم يَسْعَ وجب عليه السعي لأنه لا يتمُّ الحج إلا به كما سبق عن عائشة ﵂.
وإذا طاف طواف الإفاضة وسعى للحج بعده أو قبله إن كان مُفردًا أو قارنًا فقد حلّ التحلل الثاني، وحلَّ له جميع المحظورات؛ لما في «الصحيحين» عن ابن عمر ﵄ في صفة حج النبي ﷺ قال: «ونحر هَديَه يومَ النحر وأفاضَ فطافَ بالبيت ثم حلَّ من كل شيء حُرِمَ منه» .
والأفضل أن يأتي بهذه الأعمال يومَ العيد مُرتبة كما يلي:
[ ٧٢ ]
١ - رمي جمرة العقبة.
٢ - ذبح الهدي.
٣ - الحلق أو التقصير.
٤ - الطواف ثم السعي إن كان متمتعًا أو كان مُفردًا أو قارنًا ولم يَسعَ مع طواف القدوم.
لأن النبي ﷺ رتبها هكذا وقال: «لتأخذوا عني مناسككم» .
فإن قدّم بعضها على بعض فلا بأس لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قيلَ له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال: «لا حرج» متفق عليه.
وللبخاري عنه قال: «كان النبي ﷺ يُسأل يومَ النحر بمنى؟ فيقول: «لا حرج» فسأله رجلٌ فقال: حلقتُ قبل أن أذبحَ، قال: «اذبح ولا حرج» وقال: رميت بعد ما أمسيت قال: «لا حرج» .
وفي «صحيح مسلم» من حديث عبد الله بن عمرو ﵄: «أن النبي ﷺ سُئل عن تقديم الحلقِ على الرمي، وعن تقديم الذبح على الرمي، وعن تقديم الإفاضة على الرمي، فقال: «ارمِ ولا حرج»، قال: فما رأيته سُئل يومئذٍ عن شيء، إلا قال: «افعلوا ولا حَرَجَ» .
[ ٧٣ ]
وإذا لم يتيسر له الطواف يومَ العيد جاز تأخيره، والأَولى أن لا يتجاوزَ به أيامَ التشريق إلا من عُذرٍ كمرضٍ وحيضٍ ونفاسٍ.