فإذا طلعت الشمس من اليوم التاسع سارَ من منى إلى عرفة فنزل بنَمِرَة إلى الزوال إن تَيسر له، وإلا فلا حرج عليه؛ لأن النزول بنمرة سنةٌ لا واجب.
فإذا زالت الشمس صلى الظهر والعصر ركعتين ركعتين، يجمع بينهما جمعَ تقديم كما فعل رسول الله ﷺ.
ففي «صحيح مسلم» من حديث جابر ﵁ قال: وأمر - يعني رسول الله ﷺ بقُبة من شعر تُضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة (٢) فوجد القبة قد ضُربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت
_________________
(١) رواه أبو داود والترمذي.
(٢) أخذ بعض الناس من هذا اللفظ أن نَمِرة من عرفة، ولكن لا دلالة فيه لأن نمرة موضع قرب عرفة وليست منها. ومراد جابر ﵁ أن منتهى مسيرة عرفة، ولم يفعل كما تفعل قريش في الجاهلية فتنتهي بمزدلفة وتقف فيها يوم عرفة.
[ ٥٨ ]
الشمس أمر بالقصواء فرُحِلَت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا.
ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة، فلم يزل واقفًا حتى غَرَبت الشمسُ «الحديث» .
والقصر والجمع في عرفة لأهل مكة وغيرهم.
وإنما كان الجمع جمع تقديم ليتفرغ الناس للدعاء، ويجتمعوا على إمامهم، ثم يتفرقوا على منازلهم، فالسنة للحاج أن يتفرغ في آخر يوم عرفة للدعاء والذكر والقراءة ويحرص على الأذكار والأدعية الواردة عن النبي ﷺ، فإنها من أجمع الأدعية وأنفعها فيقول:
ـ اللَّهُمّ لك الحمد كالذي نقول وخيرًا مما نقول، اللَّهُمّ لك صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي وإليك ربِّ مآبي ولك رب تُراثي.
ـ اللَّهُمّ إني أعوذُ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر.
ـ اللَّهُمّ إني أعوذ بك من شر ما تَجيء به الريحُ.
ـ اللَّهُمّ إنك تسمع كلامي، وترى
[ ٥٩ ]
مكاني، وتعلمُ سِرّي وعلانيتي، لا يخفى عليك شيءٌ من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنوبي، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك إبتهال المذنب الذليل، وأدعوكَ دعاءَ من خَضَعت لك رقبته وفاضت لك عيناه، وذلّ لك جسده، ورَغم لك أنفه.
ـ اللَّهُمّ لا تجعلني بدعائك ربِّ شقيًا، وكن بي رؤوفًا رحيمًا يا خير المسؤولين ويا خيرَ المعطين.
ـ اللَّهُمّ اجعل في قلبي نورًا، وفي سَمعي نورًا وفي بصري نورًا.
ـ اللَّهُمّ اشرح لي صدري ويسر لي أمري، اللَّهُمّ إني أعوذ بك من شرِّ ما يلج في الليل، وشَرِّ ما يلجُ في النهار، وشرِّ ما تهبُّ به الرياحُ، وشرِّ بوائق الدهر.
ـ اللَّهُمّ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقِنا عذابَ النار.
ـ اللَّهُمّ إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم.
ـ اللَّهُمّ إني أعوذ بك من جهد البلاء، ومن دَرك الشقاء، ومن سوء القضاء، ومن شماتةِ الأعداء.
ـ اللَّهُمّ إني أعوذ بك من الهمّ والحَزن، والعجز والكسل، والجُبن والبُخل، وضِلَعِ الدينِ وغَلبة الرجال، وأعوذُ بك من أن أُرَدَّ إلى أرذلِ العُمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا.
ـ اللَّهُمّ إني
[ ٦٠ ]
أعوذ بك من المأثم والمغرم، ومن شرِّ فتنة الغنى، وأعوذ بك من فتنة الفقر.
ـ اللَّهُمّ اغسل عني خطاياي بماء الثلج والبَرَد، ونقِّ قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب.
فالدعاء يومَ عرفة خيرُ الدعاء.
قال النبي ﷺ: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخيرُ ما قلتُ أنا والنبيُّون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له المُلكُ وله الحمدُ وهو على كل شيء قدير» . (١)
وإذا لم يُحط بالأدعية الواردة عن رسولِ الله ﷺ، دعا بما يعرفُ من الأدعية المباحة. فإذا حصل له مَللٌ، وأراد أن يستجم بالتحدث مع رفقته بالأحاديث النافعة، أو مُدارسة القرآن، أو قراءة ما تيسر من الكُتب المفيدة، خُصوصًا ما يتعلق بكرم الله تعالى وجزيل هباته، ليقوي جانب الرجاء في هذا اليوم، كان حَسنا ثم يعود إلى الدعاء والتضرع إلى الله، ويحرص على اغتنام آخر النهار بالدعاء.
وينبغي أن يكون حال الدعاء مستقبلًا القبلة، وإن كان الجبل خلفه أو يمينه أو شماله، لأن السنة استقبال
_________________
(١) رواه مالك في "الموطأ" (١/٤٢٢) مرسلا بسند صحيح. ووصله الترمذي (٣٥٨٥) بسند ضعيف وله شواهد أخرى، فهو حسن إن شاء الله.
[ ٦١ ]
القبلة، ويرفع يديه، فإن كان في إحداهما مانعٌ رفع السليمة، لحديث أُسامة بن زيد ﵁ قال: «كنت رِدفَ النبي ﷺ بعرفات فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته فسقط خِطامها فتناول الخطام بإحدى يديه وهو رافعٌ الأخرى» رواه النسائي. (١)
ويُظهر الافتقار والحاجة إلى الله ﷿، ويُلح في الدعاء ولا يستبطىء الإجابة.
ولا يعتدي في دعائه بأن يسأل ما لا يجوز شرعًا، أو ما لا يُمكن قَدَرًا، فقد قال الله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (الأعراف: ٥٥) . وليتجنب أكل الحرام فإنه من أكبر موانع الإجابة، ففي «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا الحديث» . وفيه، «ثم ذكر الرجل يطيل السفرَ أشعثَ أغبر يمدُّ يديه إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمهُ حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وملبسه حرامٌ، وغُذي بالحرام فأنى يُستجاب لذلك» .
فقد استبعد النبي ﷺ إجابة من يتغذى بالحرام ويلبس الحرام مع توفر أسباب القَبول في حَقه وذلك لأنه يتغذى بالحرام.
وإذا تيسر له أن يقف في موقف النبي ﷺ عند
_________________
(١) (٥/٢٥٤) ورواه أحمد (٥/ ٢٠٩) وابن خزيمة (٢٨٢٤) بسند صحيح.
[ ٦٢ ]
الصخرات فهو أفضل، وإلا وقف فيما تيسر له من عرفة، فعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «نحرتُ ههنا، ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم، ووقفت ههنا وعرفة كلها موقف، ووقفت ههنا وجَمعٌ - يعني مزدلفة - كلها موقف» رواه أحمد ومسلم.
ويجب على الواقف بعرفة أن يتأكد من حدودها، وقد نُصبت عليها علامات يجدها من يتطلبها، فإن كثيرًا من الحجاج يتهاونون بهذا فيقفون خارج حدود عرفة جهلًا منهم، وتقليدًا لغيرهم، وهؤلاء الذين وقفوا خارج حدود عرفة ليس لهم حج؛ لأن الحج عرفة، لما روى عبد الرحمن بن يَعمر: «أن أُناسا من أهل نجد أتوا رسول الله ﷺ وهو واقفٌ بعرفة فسألوه فأمر مُناديًا ينادي: الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك أيام منى ثلاثةَ أيام، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه، وأردف رجلًا ينادي بهن» رواه الخمسة.
فتجب العناية بذلك، وطلب علامات الحدود حتى يتيقن أنه داخل حدودها.
ومن وقف بعرفة نهارًا وجبَ عليه البقاءُ إلى
[ ٦٣ ]
غروب الشمس، لأن النبي ﷺ وقف إلى الغروب، وقال: «لتأخذوا عني مناسككم» ولأن الدفع قبل الغروب من أعمال الجاهلية التي جاء الإسلام بمخالفتها.
ويَمتد وقتُ الوقوف بعرفة إلى طلوع الفجر يوم العيد، لقول النبي ﷺ: «من جاء ليلة جمعٍ قبل طلوع الفجر فقد أدركَ» . (١)
فإن طلع الفجر يوم العيد قبل أن يقف بعرفة فقد فاته الحج.
فإن كان قد اشترط في ابتداء إحرامه إن حبسني حابس فمَحلِّي حيث حَبَستني تحلل من إحرامه ولا شيء عليه، وإن لم يكن اشترط فإنه يتحلل بعمرة فيذهب إلى الكعبة، ويطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ويحلق، وإن كان معه هدي ذبحه، فإذا كان العام القادم قضى الحج الذي فاته، وأهدى هديًا، فإن لم يجد صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، لما روى مالك في «الموطأ» أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر أبا أيوب وهبّار بن الأسود حين فاتهما الحج فأتيا يوم النحر أن يُحِلا بعمرةٍ ثم يرجعا حلالًا ثم يَحجا عامًا قابلًا ويهديا، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.
[ ٦٤ ]