بعد أن يُصلي في المسجد النبوي أول قدومه ما شاء الله أن يُصلي، يذهبُ للسلام على النبي ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعُمر ﵄.
١ - فيقفُ أمامَ قبر النبي ﷺ مُستقبلًا للقبر مُستدبرًا للقبلةِ، فيقولُ: السلامُ عليك أيها النبي ورحمةُ الله وبركاته، وإن زاد شيئًا مناسبًا فلا بأس مثل أن يقول: السلامُ عليكَ يا خليل الله وأمينه على وحيه، وخيرتَه من خلقِهِ، أشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونَصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده.
وإن أقتصر على الأول فَحَسَنٌ.
وكان ابن عمر ﵄ إذا سلم يقول: السلامُ
[ ١٢٠ ]
عليك يا رسول الله، السلامُ عليك يا أبا بكر، السلامُ عليك يا أَبَتِ، ثم ينصرفُ.
٢ - ثم يخطو خطوةً عن يمينه ليكون أمام أبي بكر ﵁ فيقول: السلام عليك يا أبا بكر، السلامُ عليك يا خليفةَ رسول الله ﷺ في أُمته، رضي الله عنك وجزاك عن أُمة محمدٍ خيرًا.
٣ - ثم يخطو خطوةً عن يمينهِ ليكونَ أمام عُمَرَ ﵁ فيقول: السلامُ عليك يا عمر، السلام عليك يا أمير المؤمنين، رضي الله عنك وجزاكَ عن أُمّة محمدٍ خيرًا.
وليكن سلامُهُ على النبي ﷺ وصاحبيه بأدبٍ، وخفض صوت، فإن رفع الصوت في المساجد منهيٌّ عنه، لا سيما في مسجد رسولِ الله ﷺ، وعند قبره.
وفي «صحيح البخاري» عن السائب بن يزيد قال: كنت قائما أو نائمًا في المسجد فَحصبني رجلٌ فنظرتُ فإذا عُمر بن الخطاب فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئتهُ بهما فقال: مَن أنتما؟ قالا: من أهلِ الطائفِ، قال: لو كنتُما من أهل البلد لأوجعتكما جَلدًا، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ.؟
[ ١٢١ ]
ولا ينبغي إطالة الوقوف والدعاء عند قبر الرسول ﷺ وقبري صاحبيه، فقد كرهه مالكٌ وقال: هو بدعةٌ لم يفعلها السلف، ولن يُصلح آخِرَ هذه الأمةِ إلا ما أصلح أولها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وكره مالكٌ لأهل المدينة كلما دخل إنسان المسجد أن يأتي إلى قبر النبي ﷺ، لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك، بل كانوا يأتون إلى مسجده فيصلون فيه خلف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ وهم يقولون في الصلاة: السلامُ عليك أيها النبي ورحمةُ الله وبركاته، ثم إذا قَضوا الصلاة قعدوا أو خرجوا ولم يكونوا يأتون القبر للسلامِ لعلمهم أن الصلاة والسلام عليه في الصلاة أكمل وأفضل.
قال: وكان أصحابه خيرَ القرون، وهم أعلمُ الأمة بسنتِهِ، وأطوعُ الأمة لأمره.
قلت: وأقواهم في تعظيمه ومحبته، وكانوا إذا دخلوا إلى مسجده لا يذهبُ أحدٌ منهم إلى قبره، لا من داخل الحجرة ولا من خارجها، وكانت الحُجرة في زمانهم يُدخَلُ إليها من الباب إلى أن بُني الحائط الآخرُ، وهم مع ذلك التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلون إليه، لا لسلامٍ، ولا لصلاةٍ عليه، ولا لدعاء لأنفُسهم، ولا لسؤالٍ عن حديثٍ أو علم!
[ ١٢٢ ]
ولم يكن أحدٌ من الصحابة رضوان الله عليهم يأتيه ويسألهُ عن بعض ما تنازعوا فيه، كما أنهم أيضًا لم يطمع الشيطان فيهم فيقولُ: اطلبوا منه أن يأتي لكم بالمطر، ولا أن يستنصر لكم، ولا أن يستغفرَ كما كانوا في حياته يطلبون منه أن يستسقي لهم، وأن يستنصَر لهم.
قال: وكان الصحابةُ إذا أراد أحدٌ أن يدعُوَ لنفسه، استقبل القبلة ودعا في مسجده كما كانوا يفعلون في حياته، لا يقصدون الدعاء عند الحجرة، ولا يدخل أحدهم إلى القبر.
قال: وكانوا يَقدُمون من الأسفارِ للاجتماعِ بالخلفاء الراشدين وغير ذلك، فَيُصلون في مسجده، ويُسَلّمون عليه في الصلاة، وعند دخولهم المسجدَ والخروج منه، ولا يأتون القبرَ؛ إذ كان هذا عندهم مما لم يأمرهم به. ولكن ابن عمر كان يأتيه فَيُسلّم عليه وعلى صاحبيه عند قدومهِ من السفر، وقد يكون فَعله غير ابن عمر أيضًا ولم يكن جمهورُ الصحابة يفعلون كما فَعَلَ ابنُ عمر ﵄.
ولا يتمسح بجدار الحجرة، ولا يقبله، فإن ذلك إن فعله عبادةً لله وتعظيمًا لرسول الله ﷺ، فهو بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ، وقد أنكر ابن عباس ﵄
[ ١٢٣ ]
على مُعاوية ﵁ مَسحَ الركنينِ الشامي والغربي من الكعبة، مع أن جنسَ ذلك مشروعٌ في الركنين اليمانيين. وليس تعظيمُ رسول الله ﷺ ومحبته بمسح جدران حُجرةٍ لم تُبْنَ إلا بعد عهده بقرونٍ، وإنما محبته وتعظيمه باتباعهِ ظاهرًا وباطنًا، وعدمِ الابتداع في دينه ما لم يشرعه.
قال الله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (آل عمران: ٣١)
وأمّا إن كان مسحُ جدار الحجرة وتقبيله مُجرد عاطفةٍ أو عبثٍ فهو سفهٌ وضلالٌ لا فائدةَ فيه، بل فيه ضررٌ وتغريرٌ للجهال.
ولا يدعو رسولَ الله ﷺ بجلبِ منفعةٍ له، أو دفعِ مضرةٍ، فإن ذلك من الشركِ، قال الله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر: ٦٠)، وقال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) (الجن: ١٨)، وأمرَ الله نبيه ﷺ أن يعلنَ لأُمته بأنه لا يملكُ لنفسهِ نفعًا ولا ضَرًّا، فقال تعالى: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) (الأعراف: ١٨٨)، وإذا كان لا يملكُ ذلك لنفسه، فلا يمكن أن يملكَه لغيره.
وَأَمَره سبحانه أن يُعلن لأمتهِ أنّه لا يملكُ مثل ذلك
[ ١٢٤ ]
لهم، فقال تعالى: (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا) (الجن: ٢١) وعن عائشة ﵂ قالت: لما نزلت: (وَأَنْذِرْعَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (الشعراء: ٢١٤) قام رسول الله ﷺ فقال: «يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية بنتَ عبد المطلب، يا بني عبد المطلب لا أملكُ لكم من الله شيئًا، سَلُوني من مالي ما شئتم» رواه مسلم.
ولا يَطلب من النبي ﷺ أن يدعو له، أو يستغفرَ له، فإن ذلك قد انقطع بموتهِ ﷺ، لِما ثبت عنه ﷺ أنه قال: «إذا مات ابن آدمَ انقطع عمله» .
فأما قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) (النساء: ٦٤) فهذا في حياته، فليس فيها دليلٌ على طلب الاستغفار منه بعد موته؛ فإن الله قال:: (إِذْ ظَلَمُوا) ولم يَقُلْ: إذا ظلموا أنفسهم، وإذ ظرفٌ للماضي لا للمستقبل، فهي في قومٍ كانوا في عهدِ النبي ﷺ، فلا تكون لمن بعده.
فهذا ما ينبغي في زيارة قبر النبي ﷺ، وقبري صاحبيه والسلام عليهم.
وينبغي أن يزورَ مقبرةَ البقيع، فَيُسلّم على مَن فيها من الصحابة والتابعين، مثل عُثمان بن عَفان
[ ١٢٥ ]
﵁، فيقفُ أمامه ويُسلم عليه فيقول: السلام عليك يا عثمان بن عفان، السلامُ عليك يا أميرَ المؤمنين، رضي الله عنك وجزاك عن أُمة محمدٍ خيرًا.
وإذا دخلَ المقبرة فَليقُلْ ما علّمه رسول الله ﷺ أُمّته كما في «صحيح مسلم» عن بُريدة ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يُعَلّمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: السلامُ عليكم أهلَ الديارِ من المُؤمنين والمُسلمين، وإنّا إنْ شاءَ الله بكم لَلاحقون، نسألُ الله لنا ولكم العافية» .
وفيه أيضًا عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يخرجُ من آخرِ الليل إلى البقيعِ، فيقولُ: «السلامُ عليكم دارَ قومٍ مؤمنين، وأتاكم ما تُوْعدون غدًا مُؤجّلون، وإنّا إنْ شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفرْ لأهلِ بقيع الغرقدِ» .
وإنْ أحبّ أن يخرجَ إلى أُحُدٍ ويزورَ الشهداءَ هناك فَيُسلّم عليهم ويدعو لهم ويتذكر ما حَصل في تلك الغزوةِ من الحكَمِ والأسرارِ فَحَسَنُ.
وينبغي أن يَخْرُجَ إلى مسجدِ قُباء، فيُصلّي فيه لقوله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ) (التوبة: ١٠٨) وفي «صحيح البخاري» عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «كان النبي ﷺ
[ ١٢٦ ]
يأتي مسجد قُباء كلَّ سبتٍ ماشيًا وراكبًا، وكان ابن عمر يفعلهُ»، وفي رواية: «فَيُصلّي فيه ركعتين» .
وروى النسائي عن سهل بن حُنيف ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ خرج حتى يأتي هذا المسجدَ - مسجد قباء - فصلّى فيه كان له عدلُ عمرةٍ» .
وإذا انصرف إلى بلاده وأقبلَ عليها قال: آيبونَ تائبون عابِدون لربّنا حامدون. حتى يَقدُمَ كما كان النبي ﷺ يفعل ذلك.
وليحمدِ الحاجُّ الذي يسّر الله له الحجَّ وزيارة المدينة، ليحمدِ الله على ذلك، وليقم بشكرهِ، ويستقم على أمره، فاعلًا ما أمرَ الله به ورسولُه، تاركًا ما نهى الله عنه ورسولُه، ليكونَ من عبادِ الله الصالحين، وأوليائهِ المتقين. (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس: ٦٢) (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (يونس: ٦٣) (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (يونس: ٦٤)
والحمدُ لله رَبّ العالمين
وصلّى الله على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٢٧ ]