ثبت في «الصحيحين» عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «أُمر الناس أن يكونَ آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض» .
وفي لفظٍ لمسلم عنه قال: «كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال النبي ﷺ: «لا ينفرنَّ أحدٌ حتى يكون آخرَ عهده بالبيتِ» .
ورواه أبو داود بلفظ: «حتى يكونَ آخرَ عهده الطوافُ بالبيت» .
وفي «الصحيحين» عن أُم سلمة ﵂ قالت: «شكوتُ إلى النبي ﷺ أني أشتكي، فقال: «طُوفي من وراء الناس وأنتِ راكبةٌ»، فَطُفتُ ورسول الله ﷺ يُصلي إلى جنب البيت وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور» .
وللنسائي
[ ١١٣ ]
عنها أنها قالت: «يا رسول الله، والله ما طُفتُ طوافَ الخروجِ فقال: «إذا أُقيمت الصلاةُ فطوفي على بعيرك من وراء الناس» .
وفي «صحيح البخاري» عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رَقدَةً بالمُحَصب ثم ركب إلى البيت فطاف به.
وفي «الصحيحين» عن عائشة ﵂ أن صفية ﵂ حاضت بعد طوافِ الإفاضة فقال النبي ﷺ: «أحابِسَتُنا هي؟» قالوا: إنها قد أفاضت وطافت بالبيت، قال: «فلتنفر إذن» .
وفي «الموطأ» عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أن عمر ﵁ قال: «لا يَصدُرن أحدٌ من الحج حتى يطوف بالبيت، فإن آخرَ النسكِ الطوافُ بالبيت» .
وفيه عن يحيى بن سعيد أنّ عمرَ ﵁ رَدّ رجلًا مِن مرِّ الظهران لم يكن وَدّع البيتَ حتى ودّع.
والخطأ الذي يرتكبه بعضُ الناس هنا:
١ - نزولهم من منى يوم النفر قبل رمي الجمرات، فيطوفوا للوداع ثم يَرجعوا إلى منى فيرموا
[ ١١٤ ]
الجمرات، ثم يُسافروا إلى بلادهم من هناك.
وهذا لا يجوز، لأنه مخالف لأمر النبي ﷺ أن يكون آخرَ عهدِ الحاجّ بالبيت، فإن من رمى بعد طواف الوداع فقد جعل آخرَ عهده بالجمار لا بالبيتِ، ولأن النبي ﷺ لم يَطُف للوداع إلا عند خروجه حين استكمل جميعَ مناسكِ الحج، وقد قال: «خُذوا عني مناسككم» .
وأثرُ عمر بن الخطاب ﵁ صريحٌ في أن الطواف بالبيت آخرُ النسك، فمن طافَ للوداع ثم رمى بعده فطوافه غيرُ مجزىء لوقوعه في غير مَحَلِّه، فيجبُ عليه إعادتُه بعد الرمي، فإن لم يُعد كان حُكمُه حُكم مَن تركه.
٢ - مُكثهم بمكة بعد طواف الوداع، فلا يكونُ آخرَ عهدهم بالبيت وهذا خلاف ما أمر به النبي ﷺ، وبينه لأُمته بفعله، فإن النبي ﷺ أمرَ أن يكون آخرَ عهدِ الحاج بالبيت، ولم يَطُف للوداع إلا عند خروجه، وهكذا فعل أصحابه، ولكن رخّص أهلُ العلم في الإقامةِ بعد طوافِ الوداع للحاجةِ إذا كانت عارضةً، كما لو أُقيمت الصلاة بعد طوافه
[ ١١٥ ]
للوداع فصلاها، أو حضرت جنازةٌ فصلى عليها أو كان له حاجةٌ تتعلق بسفره كشراء متاعٍ وانتظار رفقةٍ ونحو ذلك. فمن أقام بعد طواف الوداع إقامةً غيرَ مرخصٍ فيها وجبت عليه إعادتهُ.
٣ - خروجهم من المسجد بعد طواف الوداعٍ على أقفيتهم يزعمون بذلك تعظيم الكعبة، وهذا خلافُ السنة، بل هو من البدع التي حذَّرنا منها رسول الله ﷺ وقال فيها: «كل بدعةٍ ضلالة» .
والبدعة: كل ما أُحدث من عقيدة أو عبادةٍ على خلافِ ما كان عليه رسولُ الله ﷺ وخُلفاؤه الراشدون، فهل يظنُّ هذا الراجعُ على قفاه تعظيمًا للكعبة على زعمهِ أنه أشدُّ تعظيما لها من رسولِ الله ﷺ، أو يظنّ أن النبي ﷺ لم يكن يعلمُ أنّ في ذلك تعظيمًا لها، لا هو ولا خُلفاؤه الراشدون؟!!
٤ - التفاتهم إلى الكعبة عند باب المسجد بعد انتهائهم من طواف الوداع ودعاؤهم هناك كالمودعين للكعبة، وهذا من البدع لأنه لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن خُلفائه الراشدين، وكل ما قُصد به التعبُّد
[ ١١٦ ]
لله تعالى وهو مما لم يَردْ به الشرعُ فهو باطلٌ مردودٌ على صاحبه، لقول النبي ﷺ: «من أحدثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَد»، أي: مردودٌ على صاحبه.
فالواجب على المؤمن بالله ورسوله أن يكونَ في عباداته مُتبعًا لما جاء عن رسول الله ﷺ فيها لينال بذلك محبة الله ومغفرته، كما قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران: ٣١) واتباعُ النبي ﷺ كما يكونُ في مفعولاته يكونُ كذلك في متروكاته.
فمتى وُجد مقتضى الفعل في عهده ولم يفعله كان ذلك دليلًا على أن السنة والشريعة تركه، فلا يجوز إحداثهُ في دين الله تعالى، ولو أحبه الإنسان وهواه.
قال الله تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ) (المؤمنون: ٧١) وقال النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» .
نسألُ الله أن يهدينا صراطَه المستقيم، وأن لا يُزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهبَ لنا منه رحمةً إنه هو الوهاب.
[ ١١٧ ]