إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل هادي له، وأشهد أن لا إله إلا لله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠،٧١]
وبعد:
فإن الحج مدرسة إيمانية، وصلة تربوية، يزداد به المرء إيمانا، ويزداد إحسانا وإيقانا، يحس فيه بالراحة والطمأنينة
[ ٣ ]
والأنس، مع وجود المشقة والعناء والتعب، لاسيما مع أعداد الحجاج الهائلة من جميع أنحاء المعمورة، يؤدي المسلم فيه هذه الشعائر بروح عالية، ونفس مطمئنة، وحاله تقول: حبذا لو طالت أيام الحج.
في أيام الحج صور وعظات، وعبر وآيات، واكتساب علم وخبرات، وحصول منافع ودفع سيئات، ودوام ذكر وعبرات، قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾
[الحج: ٢٨] .
هذه المدرسة الإيمانية لابد أن تؤدى على وفق ما جاء عن رسول الله ﷺ الذي قال: " لتأخذوا عني مناسككم " حتى تؤتي ثمارها، وحتى يتحقق موعود الله فيها بمغفرة الذنوب والسيئات.
وقد كنت أكتب منذ سنتين في بعض مسائل الحج وأحاديثه لأهميتها، لاسيما ما يتعلق بحجة النبي ﷺ وما فيها من الدروس والعبر.
ثم إن الله ﷿ قد هيأ لي كتابا مختصرا مفيدا، أهداه لي بعض الإخوة الأفاضل١، لمجدد القرن الثاني عشر الهجري الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في بيان مناسك الحج بأسلوب سهل، وعبارة واضحة.
_________________
(١) ١ وهو الأخ: مقبل بن عبد الله أثابه الله.
[ ٤ ]
فاستعنت بالله ﷿ وعكفت على تحقيقه وتخريج أحاديثه والتعليق عليه، رجاء نفع الأمة، وإحياء تراث السلف رضوان الله عليهم أجمعين.
* * *
[ ٥ ]
* الكتاب ومنهجي في تحقيقه:
* اسمه ونسبته للمؤلف:
هذا الكتيب اسمه"منسك الحج" وقد كتب هذا العنوان على غلاف الكتاب بخط واضح.
* وأما نسبته للمؤلف:
فهذا الكتيب هو من تأليف الإمام الجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ ويظهر ذلك بأمور منها:
١- كتابة اسم المؤلف على غلاف الكتاب بخط واضح.
٢- أسلوبه وعباراته، فهي من أسلوب وعبارات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، ويتبين ذلك بوضوح لمن قرأ بعض مؤلفات الشيخ المختصرة كالأصول الثلاثة، والقواعد الأربع، وغيرها.
٣- أن بعض من ترجم له ذكر هذا الكتيب من مصنفاته.
* منهجي في تحقيقه:
لقد سلكت في تحقيق هذا الكتاب والتعليق عليه الخطوات التالية:
١- اعتمدت على نسخة خطية فريدة، وهي من القطع الصغير، فعدد صفحاتها "١٠" صفحات، في كل صفحة "١٧" سطرا، عدا الصفحة الأخيرة ففيها "٨ " أسطر.
[ ٦ ]
وقد كتبت بخط واضح، ولم يذكر تاريخ نسخها أو اسم ناسخها.
٢- إذا كان في المخطوط سقط، أو كلمة لم يتضح معناها لي، فإني أضيف السقط من مصادر التخريج، وكذا ما لم يتضح معناها، وهذا نادر جدا، وربما اجتهدت فيما أراه صوابا فأثبته وأنبه على ذلك في الحاشية. ولم يقع مثل هذا إلا في كلمة واحدة.
٣- وضعت عناوين بين معكوفين زيادة في الإيضاح، ولئلا يتشتت ذهن القارئ.
٤- خرجت الآيات بذكر رقم الآية واسم السورة.
٥- خرجت الأحاديث التي وردت في الكتاب تخريجا متوسطا ببيان اسم المصدر ورقم الحديث، وما كان من الأحاديث معلولا فإني أبين طرقه وعلله مع الحكم عليه.
٦- عزوت المسائل الفقهية لأشهر كتب المذهب كالمغني، وشرح منتهى الإرادات، وربما ذكرت الخلاف في مسألة ما باختصار مع ذكر المراجع.
٧- عزوت ما فسره المؤلف من الكلمات الغريبة إلى مصدر من مصادر بيان الغريب
٨- وضعت ترجمة موجزة للمؤلف.
[ ٧ ]
٩-قمت بعمل فهرس للموضوعات الواردة في الكتاب.
والله أسأل أن يجعل عملي خالصا لوجهه، موصلا إلى رضوانه وجنته، وأن ينفع بهذا الكتاب، وأن يجزي مؤلفه خيرا، وأن يجمعنا به في جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، إنه جواد كريم
بندر بن نافع العبدلي
* * *
[ ٨ ]
ترجمة موجزة عن المؤلف
اسمه ونسبه ومولده ونشأته:
هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد التميمي.
ولد سنة ١١١٥هـ في بلدة العيينة الواقعة شمال الرياض، ونشأ في حجر أبيه في تلك البلدة.
وقد ظهرت عليه علامات النجابة والفطنة في صغره، فقد حفظ القرآن الكريم قبل بلوغ العاشرة، وبلغ الاحتلام قبل إتمام الاثنتي عشرة سنة، قال أبوه: رأيته أهلا للصلاة بالجماعة، وزوجته في ذلك العام.
طلبه للعلم:
طلب العلم على والده، الفقه الحنبلي والتفسير والحديث وكان في صغره مكبا على كتب التفسير والحديث والعقائد، وكان كثير الاعتناء والمطالعة بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم:
رحلاته:
رحل إلى مكة قاصدا حج بيت الله الحرام ثم زار مسجد
[ ٩ ]
رسول الله ﷺ، والتقى هناك بعلماء المدينة النبوية، واستفاد منهم، ثم رحل إلى البصرة فقام فيها مدة، درس فيها على جماعة من العلماء، ثم رحل إلى نجد مرورا بالأحساء، وفي رحلته الطويلة هذه رأى ما بنجد والأقطار التي زارها من العقائد الضالة والعادات الفاسدة، فصمم على القيام بالدعوة إلى التوحيد ونبذ الخرافات والشركيات، فعند ما زار المدينة كان يسمع الاستغاثات الشركية برسول الله ﷺ ودعائه من دون الله.
وقد كانت نجد مرتعا للخرافات والعقائد الفاسدة التي تناقض أصول الدين الصحيحة، فقد كان فيها بعض القبور التي تنسب إلى بعض الصحابة، يحج الناس إليها، ويطلبون منها حاجاتهم، ويستغيثون بها لدفع كروبهم.
وأغرب من ذلك توسلهم في بلدة منفوحة بفحل النخل واعتقادهم أن من تؤمه من العوانس تتزوج!!. فكانت تقصده تقول: "يا فحل الفحول، أريد زوجا فبل الحول"!!.
ورأى في الحجاز من تقديس قبور الصحابة وأهل البيت- رضوان الله عليهم أجمعين – والرسول ﷺ، ما لا ينبغي إلا مع رب الأرباب.
كما رأى في البصرة من الوثنية الجاهلية ما لا يستسيغه العقل، ولا يقره الشرع، ووازن تلك الأفكار المنكرة بميزان الوحيين، كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسيرة أصحابه المتقين،
[ ١٠ ]
فرآها بعيدة عن منهج الدين وروحه، ورأى فاعليها لم يعرفوا لماذا بعث الله الرسل؟ ولماذا بعث الله محمدا ﷺ للناس كافة؟ ورأى أنهم لم يعرفوا حالة الجاهلية وما كان فيها من الوثنية الممقوتة، رآهم غيروا وبدلوا أصول الدين وفروعه إلا القليل.
مؤلفاته:
ألف الشيخ ﵀ عددا من الكتب والرسائل التي كان يبعث بها إلى بعض من يناصحهم ويدعوهم إلى الله، وقد قامت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بإقامة مؤتمر باسم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والغرض منه جمع ما ألفه الشيخ ﵀ من الكتب والرسائل ووضعها في مجموع باسم "مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، وقد طبع هذا المجموع- بحمد الله- مرارا باثني عشر مجلدا.
وأكثر مؤلفاته ﵀ تتركز حول العقيدة والآداب الإسلامية، وذلك لكثرة فشو البدع والخرافات في زمانه.
وله مؤلفات في الفقه والحديث والسيرة وغيرها، واشتغل كثيرا بكتب المذهب اختصارا وتعليقا ونحو ذلك.
ما تميز به الشيخ في مؤلفاته:
١- سهولة العبارة ووضوحها.
٢- البعد عن التكلف والتعسف والإطالة والاستطراد في غير
[ ١١ ]
الموضوع الذي يبحث فيه:
٣- أنه اعتمد في أقواله وتقريراته على كتاب الله سنة رسوله ﷺ.
٤- أنه يحكم على الأحاديث في الغالب، وربما ينقل كلام الأئمة على الأحاديث، ويظهر ذلك جليا في كتاب "التوحيد" وفي "الأصول الثلاثة".
٥ – الأمانة العلمية عند اختصاره للكتب أو النقل منها حيث إنه ﵀ لا يخل بكلام صاحب الكتاب الذي يقوم باختصاره، وكذا الكتب التي ينقل منها.
وفاته:
وبعد حياة مليئة بالعلم والجهاد والدعوة إلى الله سبحانه، توفي الشيخ ﵀ في بلدة الدرعية سنة١٢٠٦هـ.
نسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجمعنا وإياه في مستقر رحمته إنه جواد كريم ١
_________________
(١) ١ انظر للاستزادة من ترجمة الشيخ إلى كتاب "الشيخ محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية، ودعوته الإصلاحية، وثناء العلماء عليه "بقلم الشيخ أحمد بن حجر آل أبوطامي، وكتاب "محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه "للأستاذ مسعود الندوي، ومقدمة كتاب "الكبائر" للشيخ محمد بن عبد الوهاب، تحقيق د. باسم الجوابرة.
[ ١٢ ]
بسم الله الرحمن الرحيم