المدخل إلى المسألة
• كل عبادة تشترط لصحتها النية فإنها لا تصح من كافر، أو غير مميز.
• الأذان من القرب، ولها ثواب عظيم في الآخرة، والكافر ليس من أهل القرب.
• الأذان خبر يتعلق بأعظم العبادات، وهي الصلاة، والصيام، والإفطار، وهو مؤتمن على ذلك، والأخبار دورانها إما على الشهادة، أو على الرواية، وكلتاهما من شرطها العدالة.
• الوسائل نوعان، وسيلة لغيره، وهو مقصود بنفسه، كالوضوء، ووسيلة ليست مقصودة بذاتها، كإمرار الموسى على رأس الأقرع عند التحلل، والأذان من الأول.
[م-١٦] نص فقهاء الأئمة الأربعة على أن الإسلام شرط لصحة الأذان والإقامة، فلا يصحان من كافر (^١).
_________________
(١) البحر الرائق (١/ ٢٧٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٩٣)، مواهب الجليل (١/ ٤٣٤)، حاشية الدسوقي (١/ ١٩٥)، شرح الخرشي (١/ ٢٣١)، الذخيرة للقرافي (١/ ٤٤١)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٣)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٢٥١)، المجموع (٣/ ٩٩)، فتح العزيز (١/ ٤١٨)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ١٤٧)، البيان للعمراني (٢/ ٦٧)، المغني (١/ ٣٠٠)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٩٢)، كشاف القناع (١/ ٢٣٦).
[ ١ / ٢١٠ ]
قال ابن قدامة: «ولا يصح الأذان إلا من مسلم عاقل ذكر، فأما الكافر والمجنون فلا يصح منهما؛ لأنهما ليسا من أهل العبادات» (^١).
(ح-٨٦) لما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة،
عن مالك بن الحويرث: أتيت النبي ﷺ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلةً، وكان رحيمًا رفيقًا، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: ارجعوا فكونوا فيهم، وعلموهم، وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ (^٢).
وجه الاستدلال:
قوله: (فليؤذن لكم أحدكم) دليل على أن الأذان لا يصح من الكافر.
ولأن الأذان قربة، ورتب على فعلها أجر عظيم، والكافر ليس من أهل القرب.
ولأن الأذان خبر، والأخبار تدور إما على الشهادة، أو على الرواية، وكلتاهما من شرطها العدالة.
ولأن الأذان نداء للصلاة، وهو لا يعتقد وجوبها فكان فعله ضربًا من الاستهزاء بها.
ولأن الصحيح من أقوال أهل العلم اشتراط النية لصحة الأذان، والكافر ليس من أهل النية.
واستظهر ابن ناجي من المالكية صحة أذان الكافر إن عزم على الإسلام قبله قياسًا على صحة غسله إذا عزم على الإسلام (^٣).
• ويرد عليه:
بأن الصحيح أن الاغتسال ليس بواجب على الكافر إذا أسلم.
ولأن الغسل تارةً يكون ناشئًا عن حدث، وهو عبادة محضة تشترط لها النية، كما في اغتسال الجنب، وتارة يكون الغسل لطرح التفث والوسخ، وهذا حاصل بمجرد الغسل، ولا تشترط له النية.
وعلى التسليم فقد يوجد فرق عند المانعين يمنع القياس، فالمؤذن مخبر،
_________________
(١) المغني (١/ ٣٠٠)، وانظر مطالب أولي النهى (١/ ٢٩٢).
(٢) صحيح البخاري (٦٢٨)، وصحيح مسلم (٦٧٤).
(٣) حاشية الدسوقي (١/ ١٩٥).
[ ١ / ٢١١ ]
فلابد من عدالته؛ لأجل أن يقبل خبره، بخلاف المغتسل.
[م-١٧] واختلفوا: هل يكون بأذانه مسلمًا؟
فقيل: يكون مسلمًا لتضمن الأذان للشهادتين، ولهذا لا فرق بين أن يكون الأذان في الوقت أو في غيره، وهذا مذهب المالكية، والشافعية والحنابلة (^١)، إلا أن الشافعية اشترطوا ألا يكون عيسويًّا، وهو من يعتقد أن محمدًا رسول للعرب خاصة (^٢).
وقال الحنفية: يكون مسلمًا بشرط أن يؤذن في الوقت، وهو قول عند الحنابلة (^٣).
• توجيه اشتراط الحنفية:
أن الأذان يعتبر من الإسلام بالفعل، وليس من الإسلام بالقول، فالكافر إذا فعل عبادة مختصة بالمسلمين فإنه يكون بها مسلمًا؛ وليس من أجل تضمن الأذان للشهادتين، ولهذا اشترطوا أن يكون الأذان في الوقت لصحة العبادة (^٤).
ولو حكم بإسلامه فإنه لا يُعْتَدُّ به؛ لأن بعضه وقع في حال الكفر.
قال النووي: «وسواء أحكمنا بإسلامه أم لا، لا يصح أذانه؛ لأنه وإن حكم بإسلامه فإنما يحكم بعد الشهادتين، فيكون بعض الأذان جرى في الكفر» (^٥).
_________________
(١) مواهب الجليل (١/ ٤٣٤)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٣)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ١٩٥)، المجموع (٣/ ٩٩)، فتح العزيز (١/ ٤١٨)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ١٤٧)، البيان للعمراني (٢/ ٦٧). قال المرداوي في الإنصاف (١/ ٣٩٥): «ويحكم بإسلامه إذا أذن في غير وقته ومحله على الصحيح من المذهب».
(٢) العيسوية فرقة من اليهود تنسب إلى أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الأصبهاني كان في خلافة المنصور يعتقد أن محمدًا رسول الله أرسل إلى العرب خاصة.
(٣) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٥٣)، الإنصاف (١/ ٣٩٥).
(٤) اعتبر الحنفية أن الأذان بالوقت من الإسلام بالفعل، وليس من الإسلام بالقول، فلا فرق عندهم بين العيسوي وغيره، فإذا أذن بالوقت حكم بإسلامه. وأما الأذان خارج الوقت فهو من الإسلام بالقول، فيحتمل الاستهزاء وغيره، فلا يصير به الكافر مسلمًا، فإن كان عيسويًّا؛ فلابد فيه حينئذٍ من التبرُّؤ من دينه. انظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٣٥٣).
(٥) المجموع (٣/ ١٠٧).
[ ١ / ٢١٢ ]
وجاء في منتهى الإرادات: «وإذا صلى أو أذن، ولو في غير وقته كافر يصح إسلامه حكم به … ولا يُعْتَدُّ به بأذانه» (^١).
وقيل: لا يكون الكافر مسلمًا بالأذان، ومثله الإقامة، اختاره بعض المالكية (^٢)، وهو قول في مذهب الحنابلة إذا أذن في غير وقته ومحله (^٣).
جاء في شرح الخرشي: «وشرط صحة الأذان أن يكون فاعله مسلمًا … فلا يصح من كافر؛ إذ لا يقتدى بخبره، وتشهده لغو، لا يكون به مسلمًا» (^٤).
• الراجح:
أن الكافر إذا أذن، فإن قصد به حكاية أذان المسلمين لم يحكم بإسلامه، كما لو أتى بالشهادتين على سبيل الحكاية، فقال: سمعت أن فلانًا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، وقياسًا على المسلم لو حكى الكفر؛ فإنه لا يكون كافرًا بذلك.
وإن أذن من تلقاء نفسه، فمات مباشرة حكمنا بإسلامه تقديمًا للظاهر على الأصل؛ لأن هذه عبادة مختصة بالمسلمين، وقد تضمنت الشهادتين، ولو نطق الشهادتين صح إسلامه فكذلك إذا أذن أو صلى.
فإن أبان عن نيته، وقال الكافر: إنه أذن على سبيل الحكاية، ولم يكن قاصدًا بذلك الإسلام، كما نقل فعل ذلك عن أبي محذورة، أو كان مستهزئًا، أو أنه فعل ذلك تقية لتحصين نفسه، أو ماله، فينبغي ألا يحكم بردته خلافًا للحنابلة (^٥).
قال في حاشية الدسوقي: «من حكم بإسلامه بالأذان إذا رجع لدينه فإنه يؤدب ولا تجري عليه أحكام المرتد، إن كان لم يقف على الدعائم لا قبل الأذان ولا بعده
_________________
(١) منتهى الإرادات (١/ ١٣٦).
(٢) شرح الخرشي (١/ ٢٣١).
(٣) الإنصاف (١/ ٣٩٥).
(٤) شرح الخرشي (١/ ٢٣١).
(٥) جاء في كشاف القناع (٢/ ٢٢٤): «لو أراد البقاء على الكفر، وقال: إنما صليت، أو إنما أذنت متلاعبًا، أو مستهزئًا لم يقبل منه، كما لو أتى بالشهادتين، ثم قال: لم أرد الإسلام».
[ ١ / ٢١٣ ]
فإن وقف عليها كان مرتدًّا تجري عليه أحكام المرتد، فيستتاب ثلاثة أيام، فإن لم يتب قتل، ومحل كونه إذا وقف على الدعائم، ورجع يكون مرتدًا ما لم يَدَّعِ أنه أذن لعذر كقصد التحصن بالإسلام؛ لحفظ ماله مثلًا، وإلا قبل منه ذلك، ولا يكون مرتدًّا حيث قامت قرينة على ما ادعاه» (^١).
ومقتضى قبول قوله ألا يحكم بدخوله في الإسلام، ولا ردته.
_________________
(١) حاشية الدسوقي (١/ ١٩٥).
[ ١ / ٢١٤ ]