المدخل إلى المسألة:
• الأذكار نوعان، مطلق، والأصل فيه الإباحة، ومقيد والأصل فيه المنع والاقتصار فيه على ما ورد جنسًا، وقدرًا، وكيفية، وزمنًا، وسببًا.
• الأذان والإقامة أذكار مقيدة بوقت، وسبب، وصفة، وعبادة خاصة.
• كل ذكر مقيد لا يشرع تبديله بالزيادة فيه، ولا بالنقص منه، ولا بتغييره بتقديم أو تأخير، بخلاف الذكر المطلق؛ لقول النبي ﷺ للصحابي الذي قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فقال له النبي ﷺ: قل: وبنبيك الذي أرسلت. متفق عليه.
[م-٢٨] اختلف الفقهاء في حكم تقديم بعض جمل الأذان والإقامة على بعض:
فقيل: الترتيب سنة، وهو مذهب الحنفية (^١).
قال في تحفة الفقهاء: «وأما بيان سنن الأذان فمنها أن يرتب بين كلمات الأذان والإقامة كما شرع، حتى إذا قَدَّم البعض، وأخر البعض، فالأفضل أن يعيد مراعاة للترتيب» (^٢).
وقيل: الترتيب شرط، وهو قول الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة،
_________________
(١) بدائع الصنائع (١/ ١٤٩)، تحفة الفقهاء (١/ ١١١)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٤٤)، مجمع الأنهر (١/ ٧٥)، الفتاوى الهندية (١/ ٥٦).
(٢) تحفة الفقهاء (١/ ١١١).
[ ١ / ٢٧٥ ]
وهو ظاهر عبارة ابن نجيم في البحر الرائق (^١).
فلو نكس الأذان استأنف، ويرى الشافعية وبعض المالكية أنه له أن يبني على المنتظم منه، فلو قدم الشهادة بالرسالة على الشهادة بالتوحيد، أعاد الشهادة بالرسالة، وإن كان الاستئناف أولى في كلتا الحالتين ليقع متواليًا (^٢).
قال في منح الجليل: «ويشترط في الأذان ترتيب جمله فإن نكس شيئًا منها ابتدأه» (^٣).
• دليل من قال إن الترتيب سنة:
الدليل الأول:
الأصل عدم الشرطية، وذلك أن الشرطية قدر لا يثبت للعبادة إلا إذا جاء في
_________________
(١) قال ابن نجيم في البحر الرائق (١/ ٢٧٧): «لأن للأذان شبهًا بالصلاة حتى يشترط له دخول الوقت وترتيب كلماته كما ترتبت أركان الصلاة». وقال في بدائع الصنائع (١/ ١٤٩): «الترتيب في الصلاة فرض، والأذان شبيه بها فكان الترتيب فيه سنة». فهل يقصدون بالسنة الواجب؟ هذا محتمل، لكن يعكر عليه أن أكثر الحنفية يقولون إذا لم يُرَاعِ الترتيب فالأفضل أن يعيد، فجعلوا الإعادة من باب الأفضلية. قال في العناية شرح الهداية (١/ ٢٤٤): «ويرتب بين كلمات الأذان والإقامة كما شرع، فإن قَدَّم بعضًا، وأخر بعضًا فالأفضل الإعادة مراعاة للترتيب». وقال في الفتاوى الهندية (١/ ٥٦): «وإذا قَدَّم في أذانه أو في إقامته بعض الكلمات على بعض، نحو أن يقول: أشهد أن محمّدًا رسول الله قَبْلَ قوله: أشهد أن لا إله إلا الله فالأفضل في هذا أن ما سبق على أوانه لا يعتد به حتى يعيده في أوانه وموضعه، وإن مضى على ذلك جازت صلاته كذا في المحيط». وقال في مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر (١/ ٧٥): «والترتيب بينها مسنون، فلو غَيَّر الترتيبَ كانت الإعادة أفضل».
(٢) البحر الرائق (١/ ٢٧٧)، مواهب الجليل (١/ ٤٢٥)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٥٢)، منح الجليل (١/ ١٩٨)، القوانين الفقهية (ص: ٣٧)، حاشية الدسوقي (١/ ١٩٢)، البيان للعمراني (٢/ ٧٨)، المهذب (١/ ٥٨)، المجموع (٣/ ١٢٠)، مغني المحتاج (١/ ١٣٧)، الوسيط في المذهب (٢/ ٥٢)، فتح العزيز (٣/ ١٨٢)، روضة الطالبين (١/ ٢٠١)، المحرر (١/ ٣٨)، الإنصاف (٢/ ١١٤)، المبدع (١/ ٣٢٣)، كشاف القناع (١/ ٢٤٠).
(٣) منح الجليل (١/ ١٩٨).
[ ١ / ٢٧٦ ]
الأدلة ما يدل على انتفاء الأذان بانتفاء الترتيب، كالطهارة للصلاة حين قال النبي ﷺ: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ (^١).
وقوله ﷺ: لا تقبل صلاة بغير طهور (^٢).
وأما أحاديث الأذان فهي تدل على مشروعية الترتيب فحسب؛ لأنها مجرد أفعال، والفعل المجرد لا يبلغ في الدلالة على الوجوب فضلًا عن الشرطية.
الدليل الثاني:
أن المقصود من الأذان هو الإعلام بدخول الوقت، والدعوة إلى الاجتماع بالصلاة، فإذا جاء المؤذن بجميع جمل الأذان حصل المقصود، ولا يضره تقديم جملة على أخرى، وإن كان ذلك خلاف السنة.
• ويناقش:
الأحكام لا تدور مع الحكم، وهو عبادة توقيفية.
• دليل من قال: الترتيب شرط:
الدليل الأول:
أن هذا الأذان نقل إلينا بحديث عبد الله بن زيد، وحديث تعليم النبي ﷺ الأذان لأبي محذورة، وقد جاء مرتبًا، فلا يحل لأحد مخالفة أمره ﷺ في تقديم ما أخر، ولا تأخير ما قدم.
فمن قدم فيه، أو أخر فقد خالف أمر رسول الله ﷺ
(ح-١٠٤) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد، قال:
أخبرتني عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (^٣).
الدليل الثاني:
أن الأذان والإقامة من الأذكار، والأذكار على نوعين:
مطلق: والأصل فيه الإباحة.
_________________
(١) صحيح البخاري (٦٩٥٤)، ومسلم (٢٢٥).
(٢) صحيح مسلم (٢٢٤).
(٣) صحيح مسلم (١٧١٨).
[ ١ / ٢٧٧ ]
ومقيد والأصل فيه المنع، والاقتصار فيه على ما ورد.
(ح-١٠٥) فقد روى البخاري ومسلم من طريق منصور عن سعد بن عبيدة، قال:
حدثني البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: إذا أخذت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، واجعلهن من آخر كلامك، فإن مت من ليلتك، مت وأنت على الفطرة قال: فرددتهن لأستذكرهن فقلت: آمنت برسولك الذي أرسلت، قال: قل: آمنت بنبيك الذي أرسلت (^١).
فمنع الرسول ﷺ من استبدال الرسول بالنبي، مع أن كل رسول فهو نبي.
فإذا سلم ذلك، فإن الأذان والإقامة من الأذكار المقيدة التي يجب الاقتصار فيها على ما ورد جنسًا، وقدرًا، وكيفيةً، وزمنًا، وسببًا.
فالموافقة في الجنس: بحيث لا يجوز الإعلام بدخول وقت الصلاة بأي قول من الأقوال سوى الأذان.
والموافقة في القدر: بحيث لا يزاد في الأذان ولا ينقص منه إلا ما ورد من التثويب في صلاة الفجر. ولهذا حرم العلماء التثويب في غير أذان الصبح.
والموافقة في الكيفية: بحيث لا يقدم بعض جمله على بعض، فإذا قدم أو أخر وإن كان موافقًا في القدر فقد خالف في الكيفية.
والموافقة في الزمن: بحيث لا يجوز الأذان قبل الوقت إلا ما استثني من الأذان قبل الفجر.
والموافقة في السبب: بحيث لا يجوز الأذان لغير الصلوات الخمس، ومنها الجمعة، فلا يؤذن لصلاة التراويح، أو العيد، أو غيرهما من الصلوات.
الدليل الثالث:
أن الإقامة جاءت مخالفة للأذان، فدل على أن صفتهما مقصودة، فإذا لم يكونا
_________________
(١) صحيح البخاري (٦٣١١)، وصحيح مسلم (٢٧١٠).
[ ١ / ٢٧٨ ]
مرتبين لم يعلم بحصول الأذان والإقامة، والله أعلم.
الدليل الرابع:
أن الأذان وإن كان خبرًا بدخول وقت الصلاة ودعوة إلى الاجتماع إليها إلا أنه يغلب عليه جانب العبادة، فهو لا يصح من الكافر، ويبدأ بتعظيم الله سبحانه، والشهادة له بالتوحيد، ولنبيه بالرسالة، ويختم المؤذن الأذان بمثل ما بدأ به من التكبير والتوحيد، وهو علامة على دار الإسلام، وشعيرة من شعائره، وإذا كان من العبادات، فالعبادات لا يجوز تبديلها لأن ذلك يدخل في تبديل الشريعة، والإحداث في العبادة، وهو لا يجوز.
الدليل الخامس:
أن استمرار العمل على هذه الصفة دليل على شرطيته، وهذا الدليل يستدل به الشافعية كثيرًا حتى استدلوا به على شرطية الجلوس بين خطبتي الجمعة.
• الراجح:
أرى أنه لا يجوز مخالفة الترتيب في الأذان على ما ورد، وأن التقديم في جمله، أو التأخير عمل محدث، وبدعة في الأذان، وكل بدعة ضلالة، والله أعلم.
[ ١ / ٢٧٩ ]