المدخل إلى المسألة:
• يقدم المفضول الذي يخشى فوته على الفاضل الذي لا يخشى فوته، كتقديم حمد العاطس وتشميته وتقديم السلام ورده في أثناء الأذان، وفي أثناء قراءة القرآن على توالي كلمات الأذان، وقراءة القرآن، وكتقديم تحية المسجد على سماع خطبة الجمعة.
• كل كلام أو سكوت لا ينافي توالي كلمات الأذان كالكلام والفاصل اليسير فإن الحاجة والمصلحة تبيحه.
ويمكن أن يقال:
• الكلام الكثير والسكوت الطويل في أثناء الأذان يخل بالإعلام، حتى يبدو للسامع أن الذي جاء به لم يكن أذانًا، فلا يحصل المقصود منه.
• مراعاة حق توالي الأذان مقدم على الحق في رد السلام ونحوه، فالأول حق عام وسابق، والثاني حق خاص ومتأخر، ومراعاة العام السابق أحق من مراعاة الخاص المتأخر اللاحق.
• المسَلِّم على المؤذن يعرضه لأحد أمرين: إن لم يرد السلام فقد ترك واجبًا، وإن رد السلام فربما يخل بتوالي الأذان، خاصة إذا كثر المسَلِّمون، لهذا قيل: المشغول لا يُشْغَل.
[م-٣١] عرفنا في المسألة السابقة أن الكلام اليسير لا يقطع الموالاة في الأذان، وهذا من حيث الحكم الوضعي للكلام، وأما الحكم التكليفي للكلام في الأذان فقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال:
[ ١ / ٢٩٧ ]
القول الأول:
يكره الكلام مطلقًا، فلا يرد سلامًا، ولا يشمت عاطسًا، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، ورواية عن أحمد على خلاف بينهم في وجوب الاستئناف إذا تكلم (^١).
واستثنى الشافعية من الكراهة الكلام إذا كان لمصلحة أو حاجة (^٢).
وقال إسحاق: لا ينبغي للمؤذن أن يتكلم في أذانه إلا كلامًا من شأن الصلاة، نحو صلوا في رحالكم، ورجحه ابن المنذر في الأوسط، وهو يرجع إلى قول الشافعية (^٣).
وأدلتهم هي نفس أدلتهم على اشتراط الموالاة.
_________________
(١) فقيل: يبني، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية، وقول واحد في مذهب المالكية. قال ابن عبد البر كما في الاستذكار (١/ ٤٠١): «كان مالك يكره الكلام في الأذان، روى ذلك عنه جماعة من أصحابه، وقال: لم أعلم أحدًا يقتدى به تكلم في أذانه، وكره رد السلام في الأذان؛ لأن لا يشتغل المؤذن بغير ما هو فيه، وكذلك لا يشمت عاطسًا فإن فعل شيئًا من ذلك وتكلم في أذانه فقد أساء، ويبني على أذانه، ولا شيء عليه». وفي المدونة (١/ ١٥٨): «قلت لابن القاسم: فإن تكلم في أذانه، أيبتديه أم يمضي؟ قال: يمضي». وفي النوادر والزيادات نقلًا من المجموعة (١/ ١٦٨): قال ابن القاسم: «لا يتكلم في أذانه، فإن فعل بنى». وانظر: التهذيب في اختصار المدونة للبراذعي (١/ ٢٢٨). وقيل: يستأنف، اختاره بعض الحنفية، جاء في فتح القدير (١/ ٢٤٦): «ولا يتكلم في أثناء الأذان، فإن تكلم استأنفه». اه وفي البحر الرائق (١/ ٢٧٢) نقلًا عن الخلاصة: «وإن تكلم بكلام يسير لا يلزمه الاستقبال». واعتمده في المحيط البرهاني (١/ ٣٥٢)، وانظر درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٥٦). وقد تكلمت عن هذه المسألة في المسألة السابقة.
(٢) انظر: الغرر البهية شرح البهجة الوردية (١/ ٢٦٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٠١)، المجموع شرح المهذب (٣/ ١٢١).
(٣) بدائع الصنائع (١/ ١٤٩)، تبيين الحقائق (١/ ٩١)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٤٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٨٩)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٥١). وجاء في البحر الرائق (١/ ٢٧٢): «قوله: (ولا يتكلم فيهما) أي في الأذان والإقامة لما فيه من ترك الموالاة، ولأنه ذكر معظم كالخطبة، أطلقه فشمل كل كلام، فلا يحمد لو عطس هو، ولا يشمت عاطسًا، ولا يسلم، ولا يرد السلام». وانظر الأوسط لابن المنذر (٣/ ٤٤).
[ ١ / ٢٩٨ ]
• واحتجوا لذلك:
بأن النصوص التي جاءت بالكلام في الخطبة، أوالكلام في الأذان إنما كان ذلك إما لحاجةٍ، أو لمصلحة الصلاة، ومثل ذلك يرفع الكراهة، فإن كان الكلام بلا حاجة، ولا مصلحة فإنه يكره، لأن مثل ذلك يخل بجمل الأذان.
القول الثاني:
يكره السكوت والكلام اليسير في الإقامة مطلقًا، ولو كان هناك حاجة، ولا يكرهان في الأذان إن كان هناك حاجة، وإلا كرها، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (^١).
جاء في مسائل أحمد رواية أبي داود: «قلت لأحمد: الرجل يتكلم في أذانه، قال: نعم. قلت لأحمد: يتكلم في إقامته، فقال: لا» (^٢).
قال ابن رجب: «يكره -يعني الكلام- في الإقامة دون الأذان، وهو المشهور عن أحمد، والذي نقله عنه عامة أصحابه، واستدل بفعل سليمان بن صرد» (^٣).
وقال الأوزاعي: يرد السلام في الأذان، ولا يرده في الإقامة (^٤).
وقال الزهري: إذا تكلم في إقامته يعيد (^٥).
• وجه التفريق بين الأذان والإقامة:
أن الإقامة يستحب حدرها، بخلاف الأذان.
القول الثالث:
لا يكره الكلام مطلقًا، وهو قول الحسن البصري، وعروة، وعطاء، وقتادة، ورجحه ابن حزم (^٦).
_________________
(١) مطالب أولي النهى (١/ ٢٩٣)، كشاف القناع (١/ ٢٤١).
(٢) مسائل أحمد رواية أبي داود (ص: ٤٤).
(٣) فتح الباري لابن رجب (٥/ ٣٠٠).
(٤) المرجع السابق.
(٥) المرجع السابق.
(٦) روى ابن أبي شيبة في المصنف (٢٢٠٠) حدثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن. وحجاج =
[ ١ / ٢٩٩ ]
وبه قال من المالكية عبد العزيز بن أبي سلمة وابن أبي حازم (^١).
وهو قول الحسن البصري، فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن علية، قال: سألت يونس عن الكلام في الأذان والإقامة، فقال: حدثني عبيد الله ابن غلاب، عن الحسن أنه لم يكن يرى بذلك بأسًا (^٢).
وقد ذكرنا أدلتهم في المسألة السابقة، والله أعلم.
وقول الشافعية قول وسط بين المنع المطلق، والإباحة المطلقة، فإن كان الكلام لمصلحة، أو حاجة أبيح؛ لأن الحاجة ترفع الكراهة، وإلا كره؛ لإخلاله بجمل الأذان، ويمكن للمؤذن أن يرد السلام، ويشمت العاطس، إما إشارة، وإما مع خفض الصوت بحيث لا يرفع صوته كالأذان، فلا يسمعه إلا من يعنيه، ولا يسمعه من يقصد بسماع الأذان.
_________________
(١) = عن عطاء، أنهما كانا لا يريان بأسًا أن يتكلم المؤذن في أذانه. وروى أيضًا (٢٢٠١) حدثنا عباد، عن سعيد بن أبي عروبة، قال: كان قتادة لا يرى بذلك بأسًا، وربما فعله فتكلم في أذانه. وأسانيدها صحيحة. وانظر: الأوسط لابن المنذر (٣/ ٤٣)، وفتح الباري (٢/ ٩٧)، وشرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٢٨٥).
(٢) إكمال المعلم (٣/ ٢٢)، شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٢٤٥).
(٣) المصنف (٢١٩٩).
[ ١ / ٣٠٠ ]