المدخل إلى المسألة:
• الأذان وإن كان المقصود به الإعلام إلا أنه غلب عليه جانب التعبد فاشترط فيه أن يكون على الصفة الواردة، ومنه توالي جمله.
• الفعل الواحد يبنى بعضه على بعض مع الاتصال المعتاد، ولا ينقطع بالتفرق اليسير.
• كل فعل يبنى آخره على أوله فإن الفاصل الطويل يبطله إلا لعذر، كقراءة الفاتحة، وركعات الصلاة، وأشواط الطواف، والاستثناء في الأيمان، ومنه ألفاظ الأذان والإقامة.
• الكلام الكثير والسكوت الطويل في أثناء الأذان يخل بالإعلام، حتى يبدو للسامع أن الذي جاء به لم يكن أذانًا، فلا يحصل المقصود منه، بخلاف التفرق اليسير، فإنه لا يمنع من اتصال الأذان بعضه ببعض؛ فلا يخل بالإعلام.
• الأذان إنما يحصل الغرض المقصود منه إذا كان على النظام المعتاد أو قريبًا منه.
• إذا كان الخروج من الصلاة ساهيًا قبل إتمامها، والانصراف عن القبلة، والكلام اليسير مع المصلين لمصلحة الصلاة كل ذلك لا يمنع من البناء على ما مضى منها لم يمنع ذلك في الأذان والإقامة، أصل ذلك حديث ذي اليدين، وقوله: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟
[م-٢٩] الموالاة بين ألفاظ الأذان: هي المتابعة بين ألفاظه دون فصل من سكوت، أو قول، أو فعل.
[ ١ / ٢٨٠ ]
وقد اختلف الفقهاء في حكم الموالاة بين جمل الأذان والإقامة.
فقيل: إن تكلم في أذانه استأنفه، وهو مذهب الحنفية، وبه قال الزهري في أحد قوليه (^١).
وقيل: الموالاة ليست بشرط مطلقًا، ولو كان الفصل طويلًا.
وهو قول الحسن البصري، وعروة، وعطاء، وقتادة، ورجحه ابن حزم، وهو قول العراقيين من الشافعية، إلا أنهم استحبوا الاستنئناف من الفاصل الطويل (^٢).
_________________
(١) قال ابن الهمام في فتح القدير (١/ ٤٢٨): «ولا يتكلم في أثناء الأذان، فإن تكلم استأنفه». وفي الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (١/ ٣٨٩): «ولا يتكلم فيهما أصلًا ولو رد سلام، فإن تكلم استأنفه». وظاهره من غير فرق بين القليل والكثير، وبين الأذان والإقامة. وفي مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر (١/ ٧٧): «(ولا يتكلم في أثنائهما) أي في أثناء الأذان والإقامة: أي تكلم، حتى لو تكلم لأعاد؛ لأنه يخل بالتعظيم ويغير النظم». وهذه النصوص وإن قالت: يعيد إلا أنها لم تكشف حكم الإعادة، كما أن ظاهرها أنه يعيد الأذان والإقامة. وجاء في مراقي الفلاح (ص: ٨٠) «ويكره الكلام في خلال الأذان، ولو برد السلام، ويكره الكلام في الإقامة لتفويت سنة الموالاة، ويستحب إعادته: أي الأذان بالكلام فيه … دون الإقامة». ففرق بين الأذان والإقامة في الإعادة، وجعل الإعادة من باب الاستحباب؛ لأن أصل الأذان إذا لم يكن واجبًا عند الحنفية لم تكن الإعادة واجبة، والله أعلم. انظر: الاختيار لتعليل المختار (١/ ٤٤)، تبيين الحقائق (١/ ٩١)، البحر الرائق (١/ ٢٧٢). وقال ابن عبد البر: «ولم أجد عن أحد من العلماء فيما علمت إعادة الأذان وابتداءه لمن تكلم فيه إلا عن ابن شهاب بإسناد فيه ضعف وقال الأوزاعي: ما سمعت أن مؤذنًا قط أعاد أذانه».
(٢) قال النووي في المجموع (٣/ ١١٤): «إن طال الكلام أو سكت سكوتًا طويلًا … ففي بطلان أذانه طريقان، أحدهما: لا يبطل قولًا واحدًا، وبه قطع العراقيون، وهو نص الشافعي ﵀ في الأم ». وقال في مغني المحتاج (١/ ٣٢٣): «وفي قول: لا يضر كلام وسكوت طويلان بين كلماتهما كغيرهما من الأذكار». وقال النووي في روضة الطالبين (١/ ٢٠١): «وإن تكلم طويلًا فقولان». وانظر: فتح العزيز (١/ ٤١٧)، =
[ ١ / ٢٨١ ]
وهذان قولان متقابلان.
وقيل: التفريق بين الطويل واليسير، فيجب الاستئناف من الفاصل الطويل، دون اليسير، من غير فرق بين الكلام والسكوت، اختاره بعض الحنفية، وهو مذهب المالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، وهو الأشبه، وبه قال الحنابلة إلا أنهم استثنوا الكلام المحرم إذا فصل به بين جمل الأذان بطل الأذان ولو كان يسيرًا (^١).
_________________
(١) = الأوسط لابن المنذر (٣/ ٤٣)، فتح الباري (٢/ ٩٧)، شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٢٨٥).
(٢) جاء في الفتاوى الهندية (١/ ٥٥): «ولا ينبغي للمؤذن أن يتكلم في الأذان أو في الإقامة، أو يمشي، فإن تكلم بكلام يسير لا يلزمه الاستقبال». وفي البحر الرائق (١/ ٢٧٢) نقلًا عن الخلاصة: «وإن تكلم بكلام يسير لا يلزمه الاستقبال». واعتمده في المحيط البرهاني (١/ ٣٥٢)، وانظر درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٥٦). وجاء في التوضيح شرح جامع الأمهات (١/ ٢٩٥): «فإن فرق وكان التفريق يسيرًا بنى، وإن كان فاحشًا استأنف». وجاء في مواهب الجليل (١/ ٤٢٧): «فإن فُرِّق واحدٌ منهما الأذان والإقامة بما ذكر أو بغيره من سكوت، أو جلوس، أو شرب أو غير ذلك، فإن كان التفريق يسيرًا بنى، وإن كان متفاحشًا استأنف». وانظر الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ١٩٤). وتحرير مذهب الشافعية أن اليسير لا يضر قولًا واحدًا، وإن نوى به القطع، وفي الطويل قولان، الأشبه وجوب الاستئناف. وقيل: يستحب. قال النووي في المجموع (٣/ ١٢١): «إن سكت يسيرًا لم يبطل أذانه بلا خلاف، بل يبني». وقال الرافعي في فتح العزيز (٣/ ١٨٥): «الكلام في خلال الأذان إن كان يسيرًا لم يضر، كما في الخطبة، وكما في السكوت اليسير، هذا هو المشهور». وقال في حاشية الجمل (١/ ٣٠٢): «ولا يضر اليسير من الكلام والسكوت، وإن قصد بهما القطع؛ لأنه لا يخل بالإعلام وبذلك فارق الفاتحة ولا يندب الاستئناف في ذلك». هذا حكم اليسير، وأما حكم الفاصل الطويل، فقال في الروضة (١/ ٢٠١): «وإن تكلم طويلًا فقولان … الأشبه وجوب الاستئناف». وقال في المجموع (٣/ ١٤٤): «وإن طال الكلام، أو سكت سكوتًا طويلًا ففي بطلان أذانه طريقان: قال الرافعي: الأشبه وجوب الاستئناف». وقال الرافعي في فتح العزيز (٣/ ١٨٥): «الأشبه وجوب الاستئناف عند تخلل الفصل الطويل؛ لأنهم اتفقوا على اشتراط الترتيب في الأذان، وما يقتضي اشتراط الترتيب فيه هو بعينه يقتضي اشتراط الموالاة …». =
[ ١ / ٢٨٢ ]
وقيل: التفريق بين الكلام والسكوت، فيجب الاستئناف من الكلام الكثير بخلاف السكوت الطويل، فيستحب الاستئناف، ولا يجب، وهو قول في مذهب الشافعية (^١).
وقيل: التفريق بين الأذان والإقامة، فتشترط الموالاة بين جمل الإقامة دون الأذان، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٢).
• دليل الجمهور على أن الموالاة شرط، ولا يؤثر الفاصل اليسير:
الدليل الأول:
أن الأذان والإقامة عبادة واحدة، لا يفرق بين جملها، هكذا كان يفعل مؤذنا رسول الله ﷺ وعنهما ورثناه.
قال مالك كما نقل ذلك ابن عبد البر: «لم أعلم أحدًا يقتدى به تكلم في أذانه» (^٣).
الدليل الثاني:
أن الفصل اليسير عرفًا من سكوت، أو كلام، لا يؤثر في بناء آخر الآذان على أوله، كما بنى الرسول ﷺ حين سلم من الصلاة من ركعتين.
(ح-١٠٦) فقد روى البخاري من طريق محمد،
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أَقُصِرت
_________________
(١) = وذكر ابن الرفعة في كفاية النبيه (٢/ ٤٢٦) أن الأكثر من أصحابنا على عدم جواز البناء، ولم يذكر في التتمة والكافي غيره. وقال الروياني: وهو الأقيس. وقال في مغني المحتاج (١/ ٣٢٣): «ومحل الخلاف إذا لم يفحش الطول، فإن فحش، قال في المجموع: بحيث لا يسمى مع الأول أذانًا أي في الأذان، ولا إقامةً في الإقامة استأنف جزمًا». وانظر حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ١٤٧). وقال في الإنصاف (١/ ٤١٩): «فإن نكسه أو فرق بينه بسكوت طويل، أو كلام كثير، أو محرم لم يعتد به». وانظر الإقناع (١/ ٧٨)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٩٣).
(٢) جاء في مغني المحتاج (١/ ٣٢٣): «وقيل: يضر كثير الكلام دون كثير السكوت».
(٣) فتح الباري لابن رجب (٥/ ٣٠٠).
(٤) الاستذكار (١/ ٤٠١).
[ ١ / ٢٨٣ ]
الصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟ فقال: أَصَدَقَ ذو اليدين؟، فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﷺ، فصلى ركعتين أخريين … الحديث.
وفي رواية: لم أَنْسَ ولم تُقْصَر، قال: بلى قد نسيت. ورواه مسلم (^١).
فهذا النبي ﷺ خرج من صلاته قبل إتمامها ناسيًا، وانصرف عن القبلة، وتكلم بكلام يسير لمصلحة الصلاة، ومع هذا لم يمنعه ذلك من بناء آخر الصلاة على أولها مع أن الموالاة في أفعالها آكد من غيرها من العبادات، وإذا لم يمنع ذلك من البناء على أفعال الصلاة لم يمنع مثل ذلك في الأذان والإقامة.
وكذلك الطواف يتخلله صلاة مكتوبة أو جنازة فإنه يبني، ولا يستأنف.
واستثنى الحنابلة الكلام المحرم، كالسب، والقذف، فإنه يبطل الأذان، ولو كان يسيرًا؛ لأن المحرم ينافي العبادة.
والصحيح أن الإفساد حكم وضعي، لا فرق فيه بين المباح والمحرم.
الدليل الثالث:
(ث-٢٤) ما رواه أبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب الصلاة، قال: حدثنا محمد بن طلحة بن مصرف، عن جامع بن شداد أبي صخرة، عن موسى بن عبد الله بن يزيد،
أن سليمان بن صرد، كان يؤذن في العسكر، فيأمر غلامه بالحاجة وهو في أذانه (^٢).
[صحيح].
الدليل الرابع:
كل دليل استدل به على اشتراط الترتيب في الأذان، هو بعينه يقتضي اشتراط
_________________
(١) صحيح البخاري (١٢٢٩، ٧٢٥٠)، ومسلم (٥٧٣).
(٢) كتاب الصلاة (٢١٢)، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف عن وكيع، حدثنا محمد بن طلحة به، وهو في كتاب وكيع، ورواه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٤٤) من طريق حجاج، قال: حدثنا محمد بن طلحة به. وعلقه البخاري بصيغة الجزم، قال البخاري: وتكلم سليمان بن صرد في أذانه. وانظر فتح الباري لابن رجب (٥/ ٢٩٨).
[ ١ / ٢٨٤ ]
الموالاة، ذكر ذلك الرافعي في فتح العزيز (^١).
الدليل الخامس:
أن الفاصل الطويل من كلام، أو سكوتٍ يجعل الكلام لا يتصل بعضه ببعض، وهذا يخل بنظام الأذان، ولا يحصل المقصود منه، وهو الإعلام، فسامعه لا يعلم أنه يؤذن، لذا وجب عليه الاستئناف، بخلاف الفاصل اليسير، فإنه لا يمنع من اتصال الأذان بعضه ببعض، فيحصل به الإعلام، وهو المقصود الشرعي منه.
• دليل من قال: يستأنف إذا تكلم:
هذا القول لم أقف على دليلهم وسوف أستدل لهم ما أمكن:
الدليل الأول:
أن ظاهر هذا القول يدل على أنهم يرون أن الكلام في أثناء الأذان إما أن يعتبر زيادة في الأذان، وهو محرم، أو خروجًا عنه، وكلاهما يوجب الاستئناف.
الدليل الثاني:
القياس يقتضي وجوب الموالاة، كما أنه لو قال كلامًا، وأراد أن يلحق به استثناءً، أو شرطًا، أو عطفًا، وجب ألا يكون بينهما فاصل أجنبي، وكما تجب الموالاة في قراءة الفاتحة، فإذا كان ذلك يقطع الموالاة، فكذلك الأذان.
• ويناقش:
بأن المصلي إذا عطس، فحمد الله لم يقطع ذلك قراءته، وكذلك إذا مرَّت به آية رحمة، أو آية عذاب، فسأل، وتعوَّذ لم يقطع ذلك قراءته، فالأذان من باب أولى ألا يقطع ذلك أذانه، خاصة إذا كان يسيرًا.
• دليل من قال: الموالاة ليست شرطًا:
الدليل الأول:
لم يحفظ دليل من الشرع ينهى المؤذن عن الكلام في الأذان، والأصل الإباحة، وعدم الاشتراط، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، فمن منع من الكلام فعليه الدليل.
_________________
(١) فتح العزيز (٣/ ١٨٥).
[ ١ / ٢٨٥ ]
الدليل الثاني:
لو سلم أن التعاليل التي ذكرت تدل على مشروعية الموالاة في الأذان، فهي لا تكفي للقول باشتراطها، فالشرطية قدر زائد عن القول بالوجوب، فالشرط لا يثبت للعبادة إلا إذا جاء في الأدلة ما يدل على انتفاء الأذان بانتفاء الموالاة، أو نفي القبول للدلالة على نفي الصحة.
الدليل الثالث:
جاءت نصوص من الشرع تأمر برد السلام، وتشميت العاطس، وهي مطلقة، أو عامة، والمطلق والعام على إطلاقه وعمومه حتى يرد من الشارع ما يقتضي التخصيص أو التقييد، ولا يخصص كلام الشارع ولا يقيده إلا نص مثله.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦].
(ح-١٠٧) وروى البخاري من طريق عبد الله بن دينار، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم (^١).
ومن أخرج أحدًا من هذه النصوص فعليه الدليل.
الدليل الرابع:
صح التكلم مع الخطيب يوم الجمعة، ولو في غير شأن الخطبة، وإذا صح هذا في الخطبة، فالأذان أسهل.
(ح-١٠٨) فقد روى البخاري من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة،
عن أنس بن مالك، قال: أصابت الناسَ سنةٌ على عهد النبي ﷺ، فبينا النبي ﷺ يخطب في يوم جمعة قام أعرابي، فقال يا رسول الله: هلك المال وجاع العيال، فادع الله لنا الحديث (^٢).
(ح-١٠٩) ومنها ما رواه الشيخان من طريق عمرو بن دينار،
_________________
(١) البخاري (٦٢٢٤).
(٢) صحيح البخاري (٩٣٣)، ومسلم (٨٩٧).
[ ١ / ٢٨٦ ]
عن جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع ركعتين (^١).
(ح-١١٠) وروى أحمد من طريق حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بريدة، قال:
سمعت أبي بريدة يقول: كان رسول الله ﷺ يخطبنا، فجاء الحسن، والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر، فحملهما فوضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله ورسوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما (^٢).
[حسن إن كان حسين بن واقد حفظه، فقد تفرد به] (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري (٩٣١)، ومسلم (٨٧٥).
(٢) مسند أحمد (٥/ ٣٥٤).
(٣) الحديث أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٧٢٩)، وأبو داود (١١٠٩) والنسائي في المجتبى (١٤١٣، ١٥٨٥)، وفي الكبرى (١٧٤٣)، والترمذي (٣٧٧٤)، وابن ماجه (٣٦٠٠)، والبزار في مسنده (٤٤٠٦)، وابن خزيمة بإثر الحديث (١٤٥٦) وبرقم (١٨٠١)، وابن حبان (٦٠٣٨، ٦٠٣٩)، والحاكم (٤/ ١٨٩)، والبيهقي (٦/ ١٦٥)، والآجري في الشريعة (١٦٥١)، من طرق عن حسين بن واقد، به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من حديث الحسين بن واقد. ورواه أبو داود وسكت عليه. وصححه ابن خزيمة وابن حبان. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وهو أصل في قطع الخطبة، والنزول. وقال البزار: هذا الحديث لا نعلم رواه إلا بريدة، ولا نعلم له طريقًا إلا هذا الطريق. وقال ابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ٥٦٩): «إسناد هذا الحديث على شرط مسلم …». وقال مثله النووي في الخلاصة. وقال أحمد بن حنبل: وقد ذكر أبو عبد الله حسين بن واقد، فقال: ليس بذاك. سؤالات المروذي (١٤٦). وقال الميموني: قال أبو عبد الله حسين بن واقد له أشياء مناكير. سؤالاته (٤٤٤). وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: ما أنكر حديث حسين بن واقد وأبي المنيب عن ابن بريدة. =
[ ١ / ٢٨٧ ]
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن المقيس عليه محل خلاف، فمن العلماء من يرى أن الفصل الطويل يقطع الخطبة، والأدلة الواردة تدخل في حد الكلام اليسير.
الوجه الثاني:
أن هناك فرقًا بين الأذان والخطبة، فكلمات الأذان متعينة، فيعد قاطعه معرضًا عنه، وليست كذلك الخطبة، فإن لفظها غير متعين.
_________________
(١) = العلل (٤٩٧). قلت: وهذا مما انفرد به الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة. وقال عبد الله: قال أبي: عبد الله بن بريدة الذي روى عنه حسين بن واقد ما أنكرها، وأبو المنيب أيضًا يقولون: كأنها من قبل هؤلاء. العلل (١٤٢٠). وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: ما تقول في الحسين بن واقد؟ فقال لا بأس به، وأثنى عليه خيرًا. الجرح والتعديل (٣/ ٦٦). وقال أبو زرعة: ليس به بأس. المرجع السابق. وقد وثقه ابن معين انظر تاريخ ابن معين، رواية الدارمي (٢٩٠)، ورواية الدوري (٤٧٥٠). وله شاهد من حديث زيد بن أرقم، إلا أنه ضعيف. فقد روى ابن سعد كما في الجزء المتمم لطبقات ابن سعد (١/ ٢٩٥) قال: أخبرنا علي بن محمد. عن أبي معشر. عن محمد الضمري. عن زيد بن أرقم. قال: خرج الحسن بن علي وعليه بردة، ورسول الله ﷺ يخطب، فعثر الحسن، فسقط، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر، وابتدره الناس، فحملوه، وتلقاه رسول الله ﷺ، فحمله، ووضعه في حجره، وقال رسول الله ﷺ: إن للولد لفتنة، ولقد نزلت إليه، وما أدري أين هو. ومن طريق ابن سعد أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٣/ ٢١٥) إلا أنه قال: عن محمد الصيرفي بدلًا من الضمري. ورواه البلاذري في أنساب الأشراف (٣/ ٧) وقال المدائني: عن أبي معشر، عن الضمري به. ولم يذكر فيه: لقد نزلت وما أدري أين هو. شيخ ابن سعد هو علي بن محمد هو المدائني الأخباري، قال فيه ابن معين: ثقة ثقة ثقة، وقال ابن عدي في الكامل: ليس بالقوي في الحديث، وهو صاحب الأخبار، قل ما له من الروايات المسندة. وأبو معشر ضعيف، والضمري لم أقف له على ترجمة. والله أعلم.
[ ١ / ٢٨٨ ]
الدليل الخامس:
لا يمكن أن يقاس الأذان على الصلاة، فإن الصلاة جاء النص بالنهي عن الكلام فيها، وأجمع العلماء على تحريمه فيها، بخلاف الأذان فإنه لا نص فيه على تحريم الكلام، ولا تشترط له الطهارة، ولا تجب له القبلة، ففارق الصلاة.
• دليل من فرق بين الأذان والإقامة:
حجة من فرق بينهما: أن الإقامة مبنية على الحدر والإسراع، فالكلام ينافي ذلك بخلاف الأذان المبني على الترسل والتمهل (^١).
• دليل من فرق بين السكوت والكلام:
أن السكوت اليسير لا بد منه للتنفس، والاستراحة، ولا ينفك عنه أحد، فلا يستحب الاستئناف من السكوت اليسير، بخلاف الكلام فإنه يستحب الاستئناف، منه وإن كان يسيرًا.
هذا وجه الفرق بين السكوت والكلام اليسير.
وأما وجه الفرق بين السكوت الطويل والكلام الكثير: أن السكوت الطويل لا يجر لبسًا على السامعين فأمكن البناء، واستحب الاستئناف، بخلاف السكوت الطويل إذا تخلله كلام أجنبي عن الأذان، فهو يجعل السامع يظن أن الذي سمعه لم يكن أذانًا، أو لم يقصد به الإعلام بدخول الوقت فلم يمكن البناء على ما سبق.
• الراجح:
أرى أن قول الجمهور أقرب إلى الصواب، وأن الموالاة شرط، ولا يضر اليسير من الكلام والسكوت، والله أعلم.
_________________
(١) انظر فتح الباري لابن رجب (٥/ ٣٠٠).
[ ١ / ٢٨٩ ]
مبحث في اشتراط الموالاة بين الإقامة والصلاة
مدخل إلى المسألة:
• الأصل عدم التوقيت بين انتهاء الإقامة والدخول في الصلاة.
• الشروط لا تثبت إلا بدليل، والأصل عدم الاشتراط.
• الإقامة عبادة مستقلة عن الصلاة، ليست جزءًا منها.
• كون الإقامة دعوة للدخول في الصلاة لا يعني اشتراط الموالاة بينهما، كالأذان دعوة إلى الاجتماع للصلاة، ولا توقيت بينهما.
• كل فاصل بين الإقامة والصلاة من قول أو فعل إذا كان لمصلحة الصلاة فلا تعاد منه الإقامة، ولو طال الفصل.
• لا دليل على التفريق بين الفاصل الطويل والقصير، وبين العمل الكثير والقليل.
[م-٣٠] اختلف الفقهاء في حكم الموالاة بين الإقامة والصلاة:
فقيل: يكره الفصل بين الإقامة والصلاة لغير حاجة، وهذا يعني أن الموالاة ليست شرطًا، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة، وقول في مذهب المالكية (^١).
قال الكاساني: «يكره للمؤذن أن يتكلم في أذانه وإقامته لما فيه من ترك
_________________
(١) بدائع الصنائع (١/ ١٤٩، ١٥١)، المحيط البرهاني في الفقه النعماني (١/ ٣٤٤)، الهداية شرح البداية (١/ ٤٤)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٤٤)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٥٢)، مواهب الجليل (١/ ٤٦٥)، التوضيح لخليل (١/ ٢٨٤)، النوادر والزيادات (١/ ١٦٧)، الخرشي (١/ ٢٣٦)، المبدع (١/ ٣٢٤)، الروض المربع (١/ ١٢٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٣٦)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٩٥).
[ ١ / ٢٩٠ ]
سنة الموالاة» (^١).
وقال خليل في التوضيح: «وتستحب الطهارة في الأذان والإقامة، واستحبابها في الإقامة آكد؛ لاتصالها بالصلاة» (^٢).
ومن كتاب النوادر والزيادات «قال أبو بكر الأبهري: وإنما يكره أن يقيم من ليس على طهارة؛ لتكون الصلاة متصلة بالإقامة، لا عمل بينهما» (^٣).
وقيل: الموالاة شرط، فتبطل الإقامة بسبب الفصل الطويل، اختاره بعض الحنفية، وهو مذهب المالكية، ومذهب الشافعية (^٤).
جاء في الفواكه الدواني: «ولا بد من اتصالها بالصلاة، فإن تراخى بالإحرام أعادها» (^٥).
وقال النووي في المجموع: وإن أقام في الوقت، وأخر الدخول في الصلاة، بطلت إقامته إن طال الفصل؛ لأنها تراد للدخول في الصلاة، فلا يجوز الفصل والله أعلم» (^٦).
وقيل: لا يكره الفصل بين الإقامة والصلاة، وهو قول في مذهب الحنفية في مقابل المشهور (^٧).
ونفي الكراهة يدل على إباحة الفصل بين الإقامة والصلاة.
_________________
(١) بدائع الصنائع (١/ ١٤٩).
(٢) التوضيح (١/ ٢٨٤).
(٣) النوادر والزيادات (١/ ١٦٧).
(٤) حاشية ابن عابدين (١/ ٤٠٠)، المنتقى للباجي (١/ ١٤٠). جاء في مواهب الجليل (١/ ٤٦٥): «قال اللخمي: من شرط الإقامة أن تعقبها الصلاة، فإن تراخى ما بينهما أعاد الإقامة وقد قال ابن عرفة: روى ابن القاسم: إن بعد تأخير الصلاة عن الإقامة أعيدت». وانظر في مذهب الشافعية: شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٤٦)، المجموع (٣/ ٨٩)، إعانة الطالبين (١/ ٢٧٢)، تحفة المحتاج (١/ ٤٧٦).
(٥) الفواكه الدواني (١/ ١٧٢).
(٦) المجموع (٣/ ٨٩).
(٧) فتح القدير (١/ ٢٥٢)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٤٤)، تبيين الحقائق (١/ ٩٣)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ١٩٩)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٥٢).
[ ١ / ٢٩١ ]
• دليل من قال: لا تشترط الموالاة، ويكره الفصل بينهما:
الدليل الأول:
(ح-١١١) ما رواه البخاري من طريق عبد العزيز بن صهيب،
عن أنس بن مالك، قال: أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلًا في جانب المسجد، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم (^١).
قال ابن رجب: «وظاهر هذه الرواية يدل على أنه صلى بالإقامة السابقة، واكتفى بها» (^٢).
الدليل الثاني:
(ح-١١٢) ما رواه البخاري من طريق يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا رسول الله ﷺ، فلما قام في مصلاه، ذكر أنه جنب، فقال لنا: مكانكم، ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه (^٣).
قال ابن حجر: «يؤخذ منه جواز التخلل الكثير بين الإقامة والدخول في الصلاة» (^٤).
وأما أدلتهم على الكراهة فاحتجوا بأدلة القول الثاني القائلين بأن الموالاة شرط، إلا أنهم حملوا هذه الأدلة على كراهة الفصل بدلًا من القول بالشرطية.
من ذلك قوله: أتصلي فأقيم؟ وسيأتي تخريجه في أدلة القول الثاني.
ومن ذلك قولهم: إن الإقامة تراد للدخول في الصلاة، فَكُرِه الفصل بينهما.
• دليل من قال: إن الموالاة شرط:
الدليل الأول:
(ح-١١٣) ما رواه البخاري من طريق أبي حازم بن دينار،
عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف
_________________
(١) صحيح البخاري (٦٤٢)، مسلم (٣٧٦).
(٢) فتح الباري (٥/ ٤٤٠).
(٣) صحيح البخاري (٢٧٥)، صحيح مسلم (٦٠٥).
(٤) فتح الباري (١/ ٣٨٤).
[ ١ / ٢٩٢ ]
ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم … الحديث وهو قطعة من حديث طويل (^١).
وجه الاستدلال:
قوله: (فأقيم) الفاء دالة على الترتيب والتعقيب.
• ونوقش:
ليس في الحديث دليل على الموالاة بين الإقامة والصلاة، نعم لو قال: (أقيم، فتصلي) لكان فيه دليل استحباب الموالاة عند من يرى الاحتجاج بقول الصحابي، وأما قوله: (أتصلي فأقيم؟) فالترتيب بين موافقة أبي بكر على الإمامة وبين الإقامة، وفي كلا الحالين لا دلالة فيها على الوجوب فضلًا عن الشرطية، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ث-٢٥) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر أنه كان يؤذن على البعير، وينزل فيقيم (^٢).
[صحيح].
• ويناقش:
(يؤذن وينزل) الواو لا تفيد ترتيبًا، وعلى التنزل، فالاحتجاج بفعل الصحابي غايته أن يدل على الاستحباب إذا قصد إلى التعبد بهذا الفعل، مع أنه ربما اختار الأنسب له؛ لأنه سوف ينزل ويصلي الفريضة على الأرض، وأما الاحتجاج بهذا على الشرطية أو الكراهة فلا ينهض هذا الفعل على الاستدلال.
الدليل الثالث:
أن الإقامة تراد للدخول في الصلاة، لهذا اشترط أن تكون متصلة بها من غير أن يتخللهما عمل.
• ويناقش:
أن هذا نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا، وقد يقال: إن الإقامة إعلام بقرب
_________________
(١) صحيح البخاري (٦٨٤).
(٢) المصنف (٢٢١٥).
[ ١ / ٢٩٣ ]
الدخول في الصلاة، فلا ينافيها وجود الفاصل، وهي عبادة مستقلة، قائمة بذاتها، ليست جزءًا من الصلاة، وصحة الصلاة ليست متوقفة على فعلها، وإن شرعت لها، وفعلها قبل الصلاة كافٍ في الامتثال، سواء أتصلت أم انفصلت، والله أعلم.
الدليل الرابع:
أن المؤذن يقول في إقامته (قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة)، وهذه الجملة هي الجملة الوحيدة التي لا توجد في جمل الأذان، ومنها سميت الإقامة بالإقامة، وهو إعلام من المؤذن بقرب إقامتها، فالفصل الطويل يخالف ما أخبر به المؤذن.
• ويجاب:
بأن هذا هو الأصل في الإقامة، وأنها إيذان بقرب الدخول فيها، ولا ننازع في هذا، وإنما النزاع في دعوى أن يكون اتصالها بالصلاة شرطًا لصحتها، والأدلة الصحيحة الصريحة على خلافه، وإنما تؤخذ الشروط من نصوص الشارع، فإذا لم يوجد ما يدل على الشرطية فالأصل عدم الاشتراط، كيف وقد وجد ما يدل على نفي الشرطية، كما في حديث أنس، وأبي هريرة.
• دليل من قال: يجوز الفصل بلا كراهة:
الدليل الأول:
الأصل عدم الكراهة.
الدليل الثاني:
الكراهة حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل شرعي، ولا دليل على الكراهة.
الدليل الثالث:
(ح-١١٤) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري، أخبرنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة،
عن سالم أبي النضر، قال: كان رسول الله ﷺ حين تقام الصلاة في المسجد، إذا رآهم قليلًا جلس لم يُصَلِّ، وإذا رآهم جماعة صلَّى (^١).
_________________
(١) سنن أبي داود (٥٤٥).
[ ١ / ٢٩٤ ]
[مرسل، وقد خولف في لفظه] (^١).
_________________
(١) اختلف فيه على ابن جريج: فرواه الضحاك بن مخلد (أبو عاصم النبيل) عن ابن جريج به، كما في إسناد الباب، وقد دَلَّ على أن الصلاة تقام، ثم ينتظر النبي ﷺ أحيانًا اجتماعهم. وخالفه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن ابن جريج به، بلفظ: أن النبي ﷺ كان يخرج بعد النداء إلى المسجد، فإذا رأى أهل المسجد قليلًا جلس حتى يرى منهم جماعة، ثم يصلي، وكان إذا خرج، فرأى جماعة أقام الصلاة. أخرجه الفاكهي في فوائده (١١٤) ومن طريقه أمالي ابن بشران (٩٤٨)، والبيهقي في السنن (٢/ ٣١) عن أبي يحيى عبد الله بن أحمد بن زكريا بن الحارث بن أبي ميسرة، حدثنا أبي، حدثنا عبد المجيد به. وفي إسناده: والد أبي يحيى أحمد بن زكريا بن أبي ميسرة ذكره العيني في مغاني الأخيار (٤٦) ولم يذكر فيه شيئًا، ولم أقف على كلام فيه. وقد قال الحافظ في الفتح (٢/ ١١٠): إسناده قوي مع إرساله. اه قلت: لفظه أقرب لأن يكون محفوظًا من لفظ أبي عاصم، إلا أن الطريقين لا حجة فيهما؛ لكونه مرسلًا، والله أعلم. وساق الرجلان هذا اللفظ أيضًا على اختلافهما فيه بإسناد آخر موصول: فرواه أبو عاصم كما في سنن أبي داود (٥٤٦). والوليد بن مسلم كما في مستدرك الحاكم (٧٢٤) كلاهما عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع بن جبير، قال أبو عاصم (عن أبي مسعود الزرقي) وقال الوليد: عن مسعود الزرقي، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يكون في المسجد حين تقام الصلاة، فإذا رآهم قليلًا جلس، ثم صلى، وإذا رآهم جماعة صلى. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ومسعود هذا أبو الحكم الزرقي. وخالفهما عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، قال: قال ابن جريج، وحدثني موسى بن عقبة أيضًا، عن نافع بن جبير، عن مسعود بن الحكم الزرقي، عن علي بن أبي طالب مثل هذا الحديث، أي مثل حديث سالم أبي النضر المتقدم (كان يخرج بعد النداء إلى المسجد فإذا رأى أهل المسجد قليلًا جلس إلخ. أخرجه الفاكهي في فوائده (١١٥)، وعنه ابن بشران في الأمالي (٩٤٧)، والبيهقي في السنن (٢/ ٣١)، وفي إسناده أحمد بن زكريا بن الحارث بن أبي ميسرة. فوافق ابن أبي رواد الوليد بن مسلم في إسناده، وأنه عن مسعود بن الحكم، وليس عن=
[ ١ / ٢٩٥ ]
الدليل الرابع:
لم يرد في النصوص توقيت بين الإقامة والدخول في الصلاة، والأصل عدم التوقيت.
الدليل الخامس:
دلت أدلة القول الأول على أن الموالاة ليست شرطًا، ولو كان الفصل بين الصلاة والإقامة مكروهًا لما فعله النبي ﷺ في مناجاته لأحد أصحابه، ولا يقال: إن هذا حاجة؛ لأنه لو عَلَّق الأمر بالحاجة لكان المقصود بالحاجة حاجة المصلين، أو الصلاة، لا حاجة آحادهم.
الدليل السادس:
كل الأدلة التي سقناها على عدم كراهة الإقامة من الراكب تصلح حجة لهؤلاء؛ باعتبار أن الإقامة من الراكب سبب في وجود فاصل بين الصلاة والإقامة، خاصة في الزمن الأول حين كانت آلة الركوب من الدواب، والله أعلم.
• الراجح:
أن الفصل بين الإقامة والصلاة من المباح خاصة إذا وجد حاجة لذلك، وأن اتصال الإقامة بالصلاة أولى من الفصل لما يشعره قوله في الإقامة: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، والله أعلم.
_________________
(١) = أبي مسعود كما قال أبو عاصم، وخالف الوليدَ وأبا عاصم في لفظه. والذي أميل إلى أن رواية عبد المجيد أرجح، وإن كان في إسناده: أحمد بن زكريا لم ينكشف لي حاله. أولًا: لأنه ثبت في ابن جريج، قال ابن معين: كان أعلم الناس بابن جريج. وثانيًا: أن أبا عاصم قد رواه بنحو رواية عبد المجيد، قال ابن رجب في شرح البخاري (٥/ ٤٢١): «وخرجه الإسماعيلي في مسند علي من طريق أبي عاصم، عن ابن جريج بالإسنادين أيضًا، ولفظ حديثه: أن النبي ﷺ كان إذا دخل المسجد، فرأى جماعة أقام الصلاة، وإن رآهم قليلًا جلس». والله أعلم. وإذا رجحنا هذا اللفظ لم يكن فيه شاهد على مسألتنا، والله أعلم.
[ ١ / ٢٩٦ ]