المدخل إلى المسألة
• كل عمل يختص بأهل القربة لا يصح إلا بنية.
• آلات التسجيل حكاية لصوت المؤذن، وليس أذانًا.
• الأذان عبادة بدنية مقصودة بنفسها، ووسيلة إلى غيره، فاشترط له الإسلام، والنية كسائر العبادات.
• كل عبادة معقولة المعنى لا تشترط لها النية قولًا واحدًا، كالطهارة من النجاسة، والعبادة المحضة غير المعللة تشترط لها النية قولًا واحدًا كالصلاة. والأذان فيه شبه من العبادتين.
• الأعمال كلها إما مطلوبة أو مباحة، والمباح لا يتقرب به إلى الله قصدًا، فلا معنى للنية فيه.
والمطلوب: إما نواهٍ، أو أوامر، والنواهي يخرج الإنسان من عهدتها وإن لم يشعر بها، والنية فيها شرط للثواب، لا في الخروج من العهدة.
والأوامر على قسمين: منها ما يكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته، كأداء الديون، ورد الودائع، والغصوب، ونفقات الزوجات فهذه الأفعال يخرج المكلف بها من عهدتها، وإن لم يَنْوِها.
ومنها ما تكون صورة فعله ليست كافية في تحصيل مصلحته المقصودة منه، كالصلوات، والصيام، فالمقصود منها تعظيمه ﷾ بفعلها، والخضوع له في إتيانها، وذلك إنما يحصل إذا قصدت من أجله سبحانه، فإن
[ ١ / ٢١٥ ]
التعظيم بالفعل من دون قصد المعظم محال.
وقيل:
• الغاية من الأذان إعلام الناس بدخول وقت الصلاة، وهذا لا يتوقف على النية، فإذا وقع النداء في الوقت حصل المقصود.
• كل عبادة لا تلتبس بالعادات، ولا بغيرها من العبادات لا تشترط لها النية، كقراءة القرآن، والأذكار المطلقة، ونحوها، والأذان ملحق بها.
[م-١٨] اختلف العلماء في اشترط النية للأذان.
فقيل: لا يحتاج إلى نية، وهو مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (^١).
وقيل: الأذان يفتقر إلى نية لصحته، وهو قول في مقابل المشهور عند الحنفية، والأظهر من مذهب المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة (^٢).
_________________
(١) حاشية ابن عابدين (١/ ٤٣٧)، غمز عيون البصائر (١/ ٦٧)، مواهب الجليل (١/ ٤٢٥)، الذخيرة (٢/ ٥٢)، حاشية الدسوقي (١/ ١٩٩)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٢٥٥)، الأشباه والنظائر للسبكي (١/ ٦٠)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ١٢)، مغني المحتاج (١/ ١٣٧)، نهاية المحتاج (١/ ٤١٤)، كشاف القناع (١/ ٢٣٦)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٩٢). وقال العيني نقلًا من الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص: ٢٥): «الإجماع على أن التلاوة والأذكار، والأذان لا تحتاج إلى نية». وانظر عمدة القارئ (١/ ٣١٤). وحكاية الإجماع فيها تساهل. جاء في نهاية المحتاج (١/ ٤١٤): «ولو أذن قبل علمه بالوقت، فصادفه اعتد بأذانه بناء على عدم اشتراط النية فيه».
(٢) قال في فتح القدير: «وأما الأذان فالمشهور أنه لا يحتاج إلى نية». علق الحموي في غمز عيون البصائر قائلًا (١/ ٦٧): «ويفهم منه أنه في غير المشهور يشترط له النية». الفواكه الدواني (١/ ١٧٤). وقال في مواهب الجليل (١/ ٤٢٤): «قال صاحب الطراز في شرح مسألة المدونة السابقة: =
[ ١ / ٢١٦ ]
• وجه من قال: لا يحتاج الأذان إلى نية:
الدليل الأول:
لا يوجد دليل يدل على اشتراط النية في الأذان، والأصل عدم الاشتراط.
الدليل الثاني:
أن النية مشروعة لتمييز العبادات من العادات، ولتمييز العبادات بعضها من بعض، وأما العبادة التي لا تكون عادة، ولا تلتبس بغيرها؛ لكونها عبادة خالصة، لا تشترط فيها النية، وذلك كالإيمان بالله تعالى، ومعرفته، والخوف منه، والرجاء فيه، وقراءة القرآن، والأذكار؛ لأنها متميزة بصورتها؛ والأذان مثلها.
الدليل الثالث:
أن كل فعل تكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته فلا تشترط له النية، ومن ذلك الأذان فإن الإعلام به حاصل بمجرد فعله في الوقت، سواء أنوى المؤذن الأذان أم لم يَنْوِ، وإنما النية لتحصيل الثواب، لا لصحة الأذان.
• حجة من قال: تشترط النية في الأذان:
الدليل الأول:
الأذان من أعظم القرب، وشعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة، الذي إذا تركها أهل بلد وجب قتالهم في أحد قولي أهل العلم، وهو العلامة الفارقة بين دار الإسلام ودار الكفر، ويتعلق بأعظم العبادات العملية في الإسلام، وإذا كانت عبادته بهذه المنزلة افتقر فعله إلى نية.
• ويناقش:
بأن ترتيب الثواب على النية لا نزاع فيه، ولكن النقاش بترتيب الصحة عليها،
_________________
(١) = النية معتبرة في الأذان، فإن أراد أن يؤذن فغلط فأقام لم يكن ذلك أذانًا من حيث الصفة، ولا ينبغي أن يعتد به إقامة؛ لأنه لم يقصد به الإقامة، وإن أراد أن يقيم فأذن لم يكن ذلك إقامة من حيث الصفة، ولا ينبغي أن يصلي بغير إقامة، وقال قبله من أخذ في ذكر الله بالتكبير، ثم بدا له عقب ما كبر أن يؤذن، فإنه يبتدئ الأذان، ولم يقل أحد: إنه يُبْنَى على تكبيره الذي من غير قصد أذان، فبان بذلك أن النية معتبرة فيه انتهى». وانظر الفواكه الدواني (١/ ١٧٤).
[ ١ / ٢١٧ ]
فإذا لم يَنْوِ الأذان لم يحصل له أجره، ولكن حصول المقصود من الأذان، وهو العلم بدخول الوقت ليس متوقفًا على النية، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٨٧) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة،
عن مالك بن الحويرث، أتيت النبي ﷺ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيمًا رفيقًا، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: ارجعوا فكونوا فيهم، وعلموهم، وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ (^١).
وجه الاستدلال:
قوله: (فليؤذن لكم أحدكم) دليل على أن الأذان لا يصح من كافر، ولو كان الأذان لا يحتاج إلى نية لصح ذلك من الكافر.
• ويناقش:
بأن اشتراط الإسلام ليس سببه افتقار الأذان إلى النية، وإنما لأن الأذان خبر، ومن شروط قبول الأخبار العدالة عند الجمهور، فإن أذن الفاسق تبعًا لغيره صح أذانه، وسوف يأتينا إن شاء الله مناقشة أذان الفاسق في مبحث مستقل.
• الراجح:
إذا أَذَّن المؤذن وقد وقع فعله في الوقت، ولم يَنْوِ به الأذان كما لو نوى أن يختبر مكبر الصوت، أو نوى تجريب صوته، أو حكاية الأذان، أو لم يَنْوِ شيئًا، لم يحصل له أجر الأذان، وهذا ينبغي ألا يكون محل خلاف؛ لأن ثواب الأعمال متوقف على النية: (وإنما لكل امرئٍ ما نوى).
وحصول المقصود منه، وهو الإعلام بدخول وقت الصلاة لا يتوقف على النية، ذلك أن الناس لا يعلمون عن نية المؤذن، هل نوى بأذانه إخبارهم، أو نوى به شيئًا آخر؟ فإذا وقع الأذان من المؤذن بالوقت حصلت هذه الفائدة للناس، نوى أو لم يَنْوِ.
ولأن الناس يعلمون بدخول وقت الصلاة من خلال الأجهزة الذكية التي
_________________
(١) صحيح البخاري (٦٢٨).
[ ١ / ٢١٨ ]
يحملونها، ومن خلال سماع المذياع، وقد يكون المؤذن ميتًا.
وهل يصح الاكتفاء بسماع الأذان من المذياع، أو من الهواتف الذكية؟
الذي يظهر لي أنه لا يصح الاكتفاء بمثل هذا عن الأذان، لأن هناك مقاصد شرعية من الأذان، منها:
الأول: إظهار شعيرة من شعائر الإسلام، وأن الدار دار إسلام، وهذا يدل على أنه عبادة بدنية مقصودة بنفسها، وإن كان وسيلة إلى غيره.
الثاني: التقرب إلى الله ﷾ بتعظيمه بهذا الذكر، وارتباطه بهذه الأوقات المختلفة، ورتب الله على هذه العبادة أجرًا عظيمًا في الآخرة، حتى كان المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة، وحتى أخبر الرسول ﷺ بأن الناس لو يعلمون ما فيه من الأجر، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، وهذه الفائدة والتي قبلها لا تحصل من هذه الآلات، وهي تدل على أنه لابد من النية في الأذان.
الثالث: الإعلام بدخول وقت الصلاة بهذه الكيفية دون زيادة أو نقص؛ لأنه ذكر مقيد، ولا يغني أي شعار آخر عنه؛ لأن الإعلام بدخول وقت الصلاة يمكن تحصيله بالظل، أو عن طريق الساعة، وقد شرعت هذه الطريقة للإعلان، وقصد فيها مخالفة شعائر اليهود والنصارى، فتعينت.
الرابع: الدعوة إلى الاجتماع إلى فعل الصلاة ومكان صلاتها. والفائدة الثالثة والرابعة لا يتوقفان على النية، بل تكفي نية القائم على هذه الآلات.
وقد اختار شيخنا ابن عثيمين ﵀ بأن الأذان من التسجيل لا يصح، ولا يجزئ، قيدته من تعليقه على الكافي لابن قدامة.
وبذلك صدر قرار من المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي.
«الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي المنعقد بدورته التاسعة في مكة المكرمة من يوم السبت ١٢/ ٧/ ١٤٠٦ هـ إلى يوم السبت ١٩/ ٧/ ١٤٠٦ هـ وبعد استعراض ما تقدم من بحوث وفتاوى والمداولة في ذلك، فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي تبين له ما يلي:
[ ١ / ٢١٩ ]
١ - أن الأذان من شعائر الإسلام التعبدية الظاهرة، المعلومة من الدين بالضرورة بالنص، وإجماع المسلمين، ولهذا فإن الأذان من العلامات الفارقة بين بلاد المسلمين وبلاد الكفر، وقد حكي الاتفاق على أنه لو اتفق أهل بلد على تركه لقوتلوا.
٢ - التوارث بين المسلمين من تاريخ تشريعه في السنة الأولى من الهجرة وإلى الآن ينقل العمل المستمر بالأذان لكل صلاة من الصلوات الخمس في كل مسجد، وإن تعددت المساجد في البلد الواحد.
٣ - في حديث مالك بن الحويرث ﵁: أن النبي ﷺ قال: إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم. متفق عليه.
٤ - أن النية من شروط الأذان، ولهذا لا يصح من المجنون، ولا من السكران ونحوهما؛ لعدم وجود النية في أدائه، فكذلك في التسجيل المذكور.
٥ - أن الأذان عبادة بدنية، قال ابن قدامة رحمه الله تعالى في المغني (١/ ٤٢٥) وليس للرجل أن يبني على أذان غيره؛ لأنه عبادة بدنية، فلا يصح من شخصين كالصلاة.
٦ - أن في توحيد الأذان للمساجد بواسطة مسجل الصوت على الوجه المذكور عدة محاذير ومخاطر، منها ما يلي:
أ - أنه يرتبط بمشروعية الأذان أن لكل صلاة في كل مسجد سننًا وآدابًا، ففي الأذان عن طريق التسجيل تفويت لها، وإماتة لنشرها، مع فوات شرط النية فيه.
بأنه يفتح باب التلاعب بالدين، ودخول البدع على المسلمين في عباداتهم وشعائرهم؛ لما يفضي إليه من ترك الأذان بالكلية، والاكتفاء بالتسجيل.
وَبِنَاءً على ما تقدم، فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي يقرر ما يلي:
أن الاكتفاء بإذاعة الأذان في المساجد عند دخول وقت الصلاة بواسطة آلة التسجيل ونحوها لا يجزئ، ولا يجوز في أداء هذه العبادة، ولا يحصل به الأذان
[ ١ / ٢٢٠ ]
المشروع، وأنه يجب على المسلمين مباشرة الأذان لكل وقت من أوقات الصلوات في كل مسجد على ما توارثه المسلمون من عهد نبينا ورسولنا محمد إلى الآن.
والله الموفق، وصلى الله وسلم على سيدنا، ونبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين».
[ ١ / ٢٢١ ]