المدخل إلى المسألة:
• كل متعبَّد بلفظه كالأذان، والتكبير في الصلاة، والتشهد، ونحوها فإن ألفاظها ومعانيها مقصودة شرعًا.
• ما كان مقصودًا للشارع لفظه ومعناه طلبت سلامته من اللحن، كالأذان، والإقامة، وما كان مقصودًا معناه دون لفظه، كالبيع والشراء، ونحوها لا يؤثر دخول اللحن في ألفاظه.
• إذا عاد اللحن بتغيير اللفظ، وسلم المعنى كره اللحن، وإن عاد اللحن بتغيير اللفظ والمعنى حرم اللحن؛ لأنه بمنزلة استبدال اللفظ بغيره.
اللحن: هو الخطأ في الإعراب.
وقيل: اللَّحْن هو خلل يطْرأ على الألفاظ فيخل بها، وهو نوعان:
جليٌّ: وهو ما يُخِلُّ إخلالًا ظاهرًا، يتغير به المعنى، ويفسد به اللفظ.
وخفيٌّ: لا يتغير به المعنى، وقد يختص بمعرفته العلماء، وطلبة العلم.
[م-٣٨] واختلف الفقهاء في اشتراط سلامة الأذان والإقامة من اللحن.
فقيل: يكره اللحن، وهو مذهب الحنفية والمالكية، والشافعية (^١).
_________________
(١) جاء في مراقي الفلاح (ص: ٧٩): «ويكره التلحين، وهو التطريب والخطأ في الإعراب». وانظر البحر الرائق (١/ ٢٧٠)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ١٩٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٨٨)، النهر الفائق (١/ ١٧٣). جاء في منح الجليل (١/ ١٩٩): «ويكره اللحن، ويستحب سلامته منه». وجاء في حاشية الدسوقي (١/ ١٩٤): «واعلم أن السلامة من اللحن في الأذان مستحبة كما في خش (شرح الخرشي) وحينئذٍ فاللحن فيه مكروه». اه =
[ ١ / ٣٥٨ ]
وهذا يعني أن السلامة من اللحن ليست بشرط.
وقيل: السلامة من اللحن شرط، وبه قال ابن الحاج من المالكية (^١).
وفُسِّر ذلك على أنه شرط ابتداء، لا على أنه لا يعتد به لو وقع.
وقيل: إن غيَّر اللَّحْنُ المعنى حُرِّم، وإلا كُرِهَ، وهذا مذهب الحنابلة، واختاره العبادي وابن عبد السلام من الشافعية (^٢).
_________________
(١) = قال الخرشي في شرح خليل (١/ ٢٣٠): «والسلامة من اللحن في الأذان مستحب». قال العدوي في حاشيته تعليقًا: «ويستحب ألا يكون لحانًا، واللحن: الخطأ في الإعراب ويقال: فلان لحان: أي يخطئ، قاله في المختار، فيظهر منه أن المعنى يستحب ألا يلحن». وفي حاشية الصاوي (١/ ٢٥٠، ٢٥١): «واعلم أن السلامة من اللحن في الأذان مستحبة كما في الخرشي، و(ح) -يعني الحطاب- فاللحن فيه مكروه، وإنما لم يحرم اللحن فيه كغيره من الأحاديث؛ لأنه خرج عن كونه حديثًا إلى مجرد الإعلام، قاله في الحاشية». وانظر: حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٥٥)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٣)، مواهب الجليل (١/ ٤٣٨)، حاشية العدوي على الخرشي (١/ ٢٣٢). جاء في حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ١٤٧): «ولا يضر في كل من الأذان والإقامة لحن، لكن يكره للقادر. وقيل: يحرم إن غير المعنى، ومشى عليه العبادي». وانظر: حاشية الجمل (١/ ٣٠٢).
(٢) قال ابن الحاج في المدخل (٢/ ٢٠٠): «والمؤذن شرطوا فيه ثمانية أوصاف: وهي أن يكون مسلمًا عاقلًا، بالغًا، ذكرًا، عدلًا، متكلمًا، عارفًا بالأوقات، سالمًا من اللحن في الأذان». قال الحطاب تعليقًا على كلامه في مواهب الجليل (١/ ٤٣٦): «فيحمل ذلك على أنه يجب فيه ابتداء». اه ومعناه أنه لا يبطل أذانه باللحن.
(٣) جاء في تحفة المحتاج (١/ ٤٧٣): «قال ابن عبد السلام: يحرم التلحين: أي إن غير المعنى، أو أوهم محذورًا، كمد همزة أكبر ونحوها، ومن ثم قال الزركشي: وليحترز من أغلاط تقع للمؤذنين، كمد همز أشهد، فيصير استفهامًا، ومد باء أكبر، فيصير جمع كبر بفتح أوله، وهو طبل له وجه واحد». وجاء في حاشية قليوبي وعميرة (١/ ١٤٧): «ولا يضر في كل من الأذان والإقامة لحن، لكن يكره للقادر. وقيل: يحرم إن غير المعنى، ومشى عليه العبادي». وانظر في مذهب الحنابلة: كشاف القناع (١/ ٢٤٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٣٧)، المغني (١/ ٢٥٧)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٩٦).
[ ١ / ٣٥٩ ]
فعلى هذا يمكن تقسيم اللحن إلى قسمين:
أحدهما: لحن لا يتغير به المعنى، فهذا مكروه.
والثاني: لحن جليٌّ يتغير به المعنى فهذا محرم، واختار الحنابلة بطلان الأذان.
قال في الإقناع: «فإن أخل المعنى كقوله: الله وأكبر لم يعتد به» (^١).
وفي شرح منتهى الإرادات: «وبطل الأذان إن أحيل المعنى باللحن، أو اللثغة، مثال الأول: مد همزة الله أكبر، أو بائه، ومثال الثاني: إبدال الكاف قافًا، أو همزة» (^٢).
• وجه كون السلامة ليست شرطًا:
الوجه الأول:
المقصود من الأذان هو الإعلام، وهذا حاصل مع الأذان وإن كان فيه لحن يغير المعنى.
قال في الفواكه الدواني: «لا يبطل بنصب المرفوع، ولا برفع المنصوب؛ لأن المعتمد صحة الصلاة باللحن في الفاتحة فكيف بالأذان؟» (^٣).
• ونوقش:
الأذان وإن كان الغرض منه الإعلام، إلا أنه يغلب عليه جانب التعبد، ولهذا يشرع للمنفرد والمسافر ممن لا يرجو جماعة، والقول بصحة الصلاة مع اللحن في الفاتحة موضع خلاف في المذهب المالكي فضلًا عن غيرهم من الفقهاء، ليس هذا موضع بحثه.
الوجه الثاني:
(ث-٢٧) ما يروى أن بلالًا يبدل الشين سينًا في الأذان.
فدل على أن السلامة من اللحن ليست شرطًا.
• وأجيب:
قال المزي: اشتهر على ألسنة العوام، ولم يرد في شيء من الكتب. اه وهذا دليل وضعه (^٤).
_________________
(١) الإقناع (١/ ٨٠ - ٨١).
(٢) شرح منتهى الإرادات (١/ ١٣٧، ١٣٨).
(٣) الفواكه الدواني (١/ ١٧٣).
(٤) المقاصد الحسنة (٥٨٢)، كشف الخفاء (١٥٢٠)، أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب (٣٤٦، ٧٧١)، المصنوع في معرفة الموضوع (١٥٩)، الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث (٧٠، ٧١).
[ ١ / ٣٦٠ ]
قلت: قد اختار النبي ﷺ بلالًا، وفضله على عبد الله بن زيد صاحب رؤيا الأذان؛ لأنه أندى صوتًا منه: أي أرفع، وأعلى. وقيل: أحسن، وأعذب، وقيل: أبعد. حكاها ابن الأثير (^١).
ولو كانت فيه لثغة لتوفرت الدواعي على نقلها.
ومثله ما يروى: سين بلال عند الله شين.
قال ابن كثير: كان -يعني بلالًا- من أفصح الناس، لا كما يعتقده بعض الناس، أن سينه كانت شينًا، حتى إن بعض الناس يروي حديثًا في ذلك لا أصل له عن رسول الله ﷺ أنه قال: إن سين بلال شين (^٢).
وقد رد الناس ما ذكره ابن قدامة بقوله: روي أن بلالًا كان يقول: أسهد، فيجعل الشين سينًا (^٣).
• دليل كون السلامة من اللحن شرطًا:
الدليل الأول:
أن كل متعبد بلفظه كالأذان، والإقامة، والتكبير، والتشهد، فإن ألفاظها ومعانيها مقصودة شرعًا، فإن عاد اللحن بتغيير اللفظ وسلم المعنى كره اللحن، وإن عاد اللحن بتغيير اللفظ والمعنى فات مقصود الشارع، وصار كما لو استبدل لفظة الأذان بغيره، فبطل الأذان.
الدليل الثاني:
(ح-١٣٦) ما رواه تمام في فوائده من طريق علي بن جميل الرقِّي، حدثنا
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٣٧).
(٢) السيرة النبوية لابن كثير (٤/ ٦٥٧).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٣١٢)، المقاصد الحسنة (٥٨٢)، كشف الخفاء (١٥٢٠)، أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب (٣٤٦، ٧٧١)، المصنوع في معرفة الموضوع (١٥٩).
[ ١ / ٣٦١ ]
عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: لا يؤذن لكم من يدغم الهاء (^١).
[موضوع] (^٢).
• الراجح:
أن اللحن الجلي الذي يحيل المعنى، ولا يأتي على لغة، أو لُغَيَّة من لغات العرب أن مثله يحرم، ولا يجوز تعيين صاحبه مؤذنًا راتبًا للمسلمين.
وإذا وقع، هل يعاد؟ فيه تأمل:
هل يقال: إن الأذان يقصد به الإعلام، وقد حصل، وهذا كافٍ لصحته؟
أو يقال: إن الأذان قد غلب عليه جانب التعبد، ولهذا يشرع للمنفرد والمسافر ممن لا يرجو جماعة، فلا يكفي حصول الإعلام به لصحته؛ لأن ألفاظ الأذان ومعانيها مقصودة للشارع، قد يكون هذا أقرب القولين، والله أعلم.
_________________
(١) فوائد تمام (١٠١٧).
(٢) ورواه الدارقطني بإسناده في العلل (٨/ ١٧٤) ومن طريق الدارقطني رواه ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ٨٧) من طريق علي بن جميل الرقِّي، قال: كنا نمشي مع عيسى بن يونس، فجاء رجل، ظننت أنه كان حايكًا، فأذن، فقال: ألا أكبر، فقال عيسى بن يونس حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: لا يؤذن لكم من يدغم الهاء، قلنا: فكيف يقول؟ قال: يقول: أشهد أن لا إله إلا إلاَّ، أشهد أن محمدًا رسول إلاَّ. قال أبو بكر بن أبي داود: هذا حديث منكر، وإنما مر الأعمش برجل يؤذن يدغم الهاء، فقال: لا يؤذن لكم من يدغم الهاء. ومن طريق الرقي رواه ابن حبان في المجروحين (٦٩٧)، وقال: هذا خبر باطل موضوع، لا شك فيه؛ علي بن جميل يضع الحديث وضعًا، لا يحل كتابة حديثه، ولا الرواية عنه بحال. وقال أبو أحمد الحاكم في الكنى، نقلًا من سلسلة الأحاديث الضعيفة (١٢/ ٦٥٦): هذا حديث منكر، لا أعرف له أصلًا، فالله يرحم علي بن جميل؛ فلقد أحال على شيخ ثقة جليل بحديث منكر، لا يقبله القلب. اه
[ ١ / ٣٦٢ ]