المدخل إلى المسألة:
• الأذان المعهود لا يشرع إلا للصلوات الخمس المفروضة، ومنها الجمعة.
• الأذان قبل الفجر لا يمكن أن يكون للوتر؛ لأن الأذان لم يشرع للنوافل، ولا يمكن أن يكون للسحور؛ لأنه ليس بصلاة حتى يشرع الأذان للإشعار به.
• ما قال فيه المؤذن حي على الصلاة حي على الفلاح كان ذلك دعوة إلى الاجتماع لفعل الصلاة، ولهذا إذا لم يُرِد المؤذنُ الدعوة، قال: صلوا في رحالكم.
• إذا لم يُؤذَّن للتراويح والاستسقاء والعيد وغيرها من الصلوات التي يجتمع لها لم يؤذَّن للوتر أو للسحور من باب أولى.
• صلاة الفجر لها أذانان: أذان قبل وقتها للتأهب لفعلها، وأذان بعد دخول وقتها للاجتماع لفعلها، واختصت بذلك كما اختصت بالتثويب لكونها تأتي في وقت نوم الناس وفيهم السريع والبطيء، وللحصول على فضيلة التغليس، والأول لا يغني عن الثاني على الصحيح.
[م-٣٣] اتفق العلماء على أن الإقامة لا تقدم على الوقت مطلقًا (^١).
[م-٣٤] كما اتفقوا على أنه لا يؤذن لغير الصبح قبل وقتها (^٢).
_________________
(١) فتح العزيز (٣/ ٤٠)، روضة الطالبين (١/ ٢٠٨).
(٢) قال ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٩): «أجمع أهل العلم على أن من السنة أن يؤذن للصلوات بعد دخول أوقاتها، إلا الفجر، فإنهم اختلفوا في الأذان لصلاة الفجر قبل دخول وقتها». قال ابن رشد في بداية المجتهد (١/ ١١٥): «أما وقت الأذان فاتفق الجميع على أنه لا يؤذن للصلاة قبل وقتها، ما عدا الصبح، فإنهم اختلفوا فيها». وحكى الإجماع كل من ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٤٠٦)، والنووي في المجموع = = (٣/ ٨٧، ٨٨)، وانظر فيض الباري (٢/ ٢١٨).
[ ١ / ٣٠٥ ]
لحديث مالك بن الحويرث: إذا حضرت الصلاة فليؤذِّنْ لكم أحدُكم وليؤمَّكم أكبركم (^١).
وحضور الصلاة: أبلغ من دخول الوقت.
ويلحق بالصبح كذلك الأذان الأول للجمعة، والذي زاده الخليفة الراشد عثمان ﵁ على القول بأن الجمعة لا يدخل وقتها إلا بالزوال.
[م-٣٥] واختلفوا في الأذان للصبح قبل وقتها على أقوال:
فقيل: لا يؤذن لصلاة الفجر حتى يطلع الفجر، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، ومحمد بن الحسن، وهو رواية عند الحنابلة (^٢).
وقيل: يصح الأذان للفجر قبل دخول وقتها، وهو مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة، وقول أبي يوسف من الحنفية (^٣).
وقيل: الأذان قبل الوقت يشرع في رمضان خاصة دون غيره، وهو قول عند الحنفية، وبه قال ابن القطان الفاسي، وابن دقيق العيد (^٤).
_________________
(١) صحيح البخاري (٦٣١)، وصحيح مسلم (٦٧٤).
(٢) انظر: المبسوط (١/ ١٣٤)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٥٣)، تبيين الحقائق (١/ ٩٣) الإنصاف (١/ ٤٢٠).
(٣) المبسوط (١/ ١٣٤)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٥٣)، تبيين الحقائق (١/ ٩٣)، الذخيرة (٢/ ٦٩)، الشرح الكبير للدردير (١/ ١٩٤)، النوادر والزيادات (١/ ١٦٠)، البيان والتحصيل (٢/ ١٢٥)، بداية المجتهد (١/ ١١٥)، مواهب الجليل (١/ ٤٢٨)، شرح الخرشي (١/ ٢٣٠)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٢٥١)، الأم للشافعي (١/ ١٠٢)، فتح العزيز (٣/ ٣٦)، روضة الطالبين (١/ ٢٠٨)، البيان للعمراني (٢/ ٦١)، الحاوي الكبير (٢/ ٢٦)، الإنصاف (١/ ٤٢٠)، المغني (١/ ٢٤٦)، الفروع (١/ ٢٢٥)، كشاف القناع (١/ ٢٤٢).
(٤) انظر: عمدة القارئ (٥/ ١٣٥)، تبيين الحقائق (١/ ٩٣)، وجاء في فيض الباري على صحيح البخاري (٢/ ٢١٩): «وجدتُ في «شرعة الإسلام» لشيخ صاحب «الهداية»: جواز العمل به في رمضان عندنا. وحاصلُ هذا الجواب: أنه لا نِزَاع في نفس التعدُّد، وإنما النزاع في تعدُّد الأذان للفجر، ولا دليلَ عليه من ألفاظ الحديث، بل فيها أنه كان للتسحير، وهو جائزٌ عندنا أيضًا». =
[ ١ / ٣٠٦ ]
وقيل: إذا لم يكن للمسجد مؤذنان، فلا يؤذن إلا بعد دخول الوقت حتى لا يلتبس الوقت على الناس، وإذا أذن للأول فلا يكتفى به عن الثاني، وهو قول ابن المنذر، وطائفة من أهل الحديث، ورجحه ابن حزم (^١).
• دليل الجمهور على صحة أذان الفجر قبل الوقت:
الدليل الأول:
(ح-١١٦) ما رواه أبو داود من طريق عبد الله بن عمر بن غانم، عن عبد الرحمن ابن زياد يعني الأفريقي، أنه سمع زياد بن نعيم الحضرمي،
أنه سمع زياد بن الحارث الصُّدَائي، قال: لما كان أول أذان الصبح أمرني يعني النبي ﷺ فأذنت، فجعلت أقول: أقيم يا رسول الله؟ فجعل ينظر إلى ناحية المشرق إلى الفجر، فيقول: لا، حتى إذا طلع الفجر نزل فبرز، ثم انصرف إلي وقد تلاحق أصحابه - يعني فتوضأ - فأراد بلال أن يقيم، فقال له نبي الله ﷺ: إن أخا صُدَاءٍ هو أَذَّن، ومن أذَّن فهو يقيم، قال: فأقمت (^٢).
[ضعيف، واختلف على الأفريقي فيه في وقت الأذان] (^٣).
_________________
(١) = وقال الحافظ في فتح الباري (٢/ ١٠٤): «وادعى ابن القطان أن ذلك كان في رمضان خاصة، وفيه نظر». وقال ابن دقيق العيد في الإمام نقلًا من نصب الراية (١/ ٢٨٧): «والتعارض بينهما لا يتحقق إلا بتقدير أن يكون قوله: إن بلالًا يؤذن بليل في سائر العام، وليس كذلك، وإنما كان في رمضان». وجاء في مرعاة المفاتيح (٢/ ٣٨٢): «واعلم أنه ادعى ابن القطان، وابن دقيق العيد، ومحمد بن الحسن أن قوله: إن بلالًا يؤذن بليل كان في رمضان خاصة، لا في سائر العام، وفيه نظر …».
(٢) المغني (١/ ٢٤٦)، الأوسط (٣/ ٣٠)، المحلى، مسألة (٣١٤).
(٣) سنن أبي داود (٥١٤).
(٤) الحديث مداره على الأفريقي عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن زياد بن نعيم، عن زياد بن الحارث الصدائي، واختلف على الأفريقي في وقت أذان الصبح، أكان قبل الوقت، أم كان عند طلوع الفجر: =
[ ١ / ٣٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فرواه عبد الله بن عمر بن غانم كما في سنن أبي داود (٥١٤) عن الأفريقي، بأنه أذن قبل الفجر، ثم جعل النبي ﷺ يرقب الفجر حتى إذا طلع الفجر نزل، فصلى. ورواه أبو عبد الرحمن المقرئ، عن الأفريقي واختلف عليه فيه: فرواه الحارث بن أسامة في مسنده كما في بغية الباحث (٥٩٨)، ومن طريق الحارث رواه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٣٠٤١). ويعقوب بن سفيان كما في المعرفة والتاريخ (٢/ ٤٩٥)، ومن طريقه البيهقي في السنن (١/ ٥٦٠)، والحازمي في الاعتبار في الناسخ والمنسوخ (ص: ٦٦). وبشر بن موسى الأسد، كما في سنن البيهقي الكبرى (١/ ٥٦٠)، ودلائل النبوة له (٤/ ١٢٥)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني (٣٠٤١)، وتهذيب الكمال للمزي (٩/ ٤٤٦) ثلاثتهم رووه عن أبي عبد الرحمن المقرئ، عن الأفريقي به، وفيه أن الأذان قبل طلوع الفجر، وهذه متابعة لعبد الله بن عمر بن غانم. ورواه الحميدي كما في المعجم الكبير للطبراني (٥/ ٢٦٢) ح ٥٢٨٥، عن المقرئ بلفظ: (فلما تَحَيَّن الصبح أمرني فأذنت). ولفظ: تحين بمعنى حان الصبح. أي دخل وقته، ولم يذكر أن النبي ﷺ كان يرقب الفجر بعد الأذان حتى إذا طلع أمره بالإقامة. وكذلك رواه عيسى بن يونس، عن الأفريقي بلفظ: (فلما تحين أذان الصبح أمرني فأذنت) رواه الفريابي في دلائل النبوة (٣٨) عنه عن الأفريقي به. ورواه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٣٤٤) عن المقرئ به مختصرًا: أذنت فأراد بلال أن يقيم، قال: من أذن فهو يقيم. ورواه الآجري في الشريعة (١٠٥٩) من طريق ابن أبي عمر العدني، عن المقرئ به، فذكر وضوء النبي ﷺ عند طلوع الفجر، ونبوع الماء من أصابعه ﷺ ووضوء أصحابه، ولم يذكر قصة الأذان والإقامة. وخالفهم محمد بن يزيد الواسطي (ثقة ثبت) رواه أحمد (٤/ ١٦٩) عنه، حدثنا الأفريقي به، ولفظه: قال: قال رسول الله ﷺ أذن يا أخا صداء، قال: فأذنت وذلك حين أضاء الفجر الحديث. فهذه الرواية فيها التصريح بأنه إنما أذن بعد إضاءة الفجر. ورواه عبد الرزاق في المصنف (١٨١٧) عن يحيى بن العلاء، عن عبد الرحمن بن زياد الأفريقي به، بلفظ: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فحضرت صلاة الصبح، فقال: أذن يا أخا صداء … وحضور الصلاة يعني دخول وقتها، لكن يحيى بن العلاء قال فيه أحمد بن حنبل: كذاب يضع الحديث، وقال غيره: ليس بثقة. =
[ ١ / ٣٠٨ ]
وجه الاستدلال:
هذا الحديث يدل على أنه أذن قبل طلوع الفجر، واكتفى بذلك الأذان، ولم يعده بعد طلوعه.
• ونوقش:
بأن الحديث في إسناده الأفريقي، وهو ضعيف عند أكثر أهل العلم، قال الثوري كما في تهذيب التهذيب: جاءنا عبد الرحمن بستة أحاديث يرفعها إلى النبي ﷺ لم أسمع أحدًا من أهل العلم يرفعها … وذكر سادسها من أذن فهو يقيم (^١). اه
وقد اختلف عليه، أكان الأذان قبل الفجر، أم بعد طلوع الفجر كما أفصح عن ذلك تخريج الحديث؟
الدليل الثاني:
(ح-١١٧) ما رواه الشيخان من طريق عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: إن بلالا يُؤَذِّنُ بليل، فكلوا واشربوا حتى يُؤَذِّنَ ابن أم مكتوم (^٢).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ في الحديث: (يؤذن بليل) أي قبل طلوع الفجر، فدل ذلك على أن الفجر مستثنى
_________________
(١) = ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٤٢): من طريق عبد الله بن وهب عن الأفريقي به، بلفظ: فلما كان أول الصبح أمرني فأذنت. أي أول وقته، وهذا إنما يكون عند طلوع الفجر. قال ابن رجب في شرحه للبخاري (٥/ ٣٤٣): «خرجه الإمام أحمد، عن محمد بن يزيد الواسطي، عن الأفريقي بهذا الإسناد، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: أذن يا أخا صداء، قال: فأذنت، وذلك حين أضاء الفجر، وذكر الحديث مختصرًا. فهذه الرواية فيها التصريح بأنه إنما أذن بعد إضاءة الفجر وطلوعه». اه ورواه جماعة غيرهم عن الأفريقي وقد خرجت طرق الحديث في مسألة: من الأحق بالإقامة؟ وإنما أردت من هذا التخريج بيان الاختلاف على الأفريقي في الأذان قبل الوقت.
(٢) تهذيب التهذيب (٦/ ١٧٦).
(٣) البخاري (٢٦٥٦)، ومسلم (١٩٠٢)، ورواه البخاري من مسند عائشة.
[ ١ / ٣٠٩ ]
• وأجاب الحنفية على هذا الاستدلال بعدة أجوبة:
الجواب الأول:
ادعى الحنفية أن الأذان الأول إنما كان للتسحير لا للوقت (^١).
(ح-١١٨) فقد روى البخاري من طريق سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي،
عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: لا يمنعن أحدَكم أو أحدًا منكم أذانُ بلالٍ من سحوره، فإنه يُؤَذِّنُ أو ينادي بليل؛ ليرجع قائمكم؛ ولينبه نائمكم، وليس أن يقول الفجر أو الصبح … الحديث (^٢).
فتبين منه أن أذان بلال إنما كان لأجل أن يرجع قائم الليل عن صلاته ويتسحر، ويستيقظ النائم فيتسحر، فهذا تصريح بكونه للتسحير، لا للفجر.
• ورد هذا من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
أن الحديث يخبرهم أن أذان بلال ليس مانعًا من السحور، وليس فيه أن الأذان انعقد من أجل السحور، ولو كان الأذان للسحور، لقال: إن بلالًا يؤذن لسحوركم، وبينهما فرق، وإذا كان الخبر كما قال ابن مالك في الألفية:
والخبر الجزء المتم الفائدة
فلا بد في الخبر أن يحمل فائدة مجهولة للمستمعين، فالذي يظهر أن أذان بلال كان يقع قريبًا من وقت الفجر حتى خشي النبي ﷺ أن يشتبه على الناس، فيمنعهم من إتمام سحورهم، لاعتقادهم أن الفجر قد طلع، فأخبرهم أن بلالًا يؤذن بليل، وأن ذلك لا يمنع الأكل والشرب، وليس الأذان من أجل التذكير بالأكل والشرب.
الوجه الثاني:
أن المقصود من الأذان لا يخرج عن ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأول: أن يكون الأذان للتذكير بالوتر، وهذا لا يصح، لأن الوتر من صلاة النافلة، ولا جماعة له حتى ينادى له بقوله: حي على الصلاة. قال ابن
_________________
(١) انظر فيض الباري على صحيح البخاري (٢/ ٢١٩).
(٢) البخاري (٦٢١)، ومسلم (١٠٩٣).
[ ١ / ٣١٠ ]
عبد البر: إجماع المسلمين على أن النافلة لا أذان لها ما دل ذلك على أن أذان بلال بالليل إنما كان لصلاة الصبح (^١).
الاحتمال الثاني: أن يكون الأذان للسحور، وهذا أبعد؛ لأن السحور ليس بصلاة، حتى يمكن الإشعار به بقول المؤذن (حي على الصلاة حي على الفلاح) ولو احتاج السحور إلى تذكير لم يكن بصورة الأذان المفروض للصلوات الخمس، فهذه صلاة الكسوف التي يشرع لها الجماعة، ويدعى الناس للاجتماع إليها، ويقع الكسوف فجأة، والناس في غفلة لم يُنَادَ لها بالأذان المعهود، مع أنها من جملة الصلوات، فكيف بالسحور، والذي هو ليس بصلاةٍ أصلًا؟
الاحتمال الثالث: أن يكون الأذان الأول من أجل صلاة الفجر، ولكن ليس لفعلها، وإنما للتأهب لفعلها، وهذا ظاهر من قول المؤذن ودعوته للناس (حي على الصلاة حي على الفلاح)، فإن هذا النداء لم يناد به قط إلا للصلوات الخمس، ومنها الجمعة، فكيف يدعو المؤذن الناس بقوله: حي على الصلاة ثم يقال: إن الأذان ليس للصلاة. فإن قيل: وكيف يدعو الناس إلى الصلاة ولم يدخل وقتها بعد؟
قيل: لما كان الصبح يغشى الناس، وكثير منهم في حال النوم، فلو لم يؤذن للفجر إلا بعد طلوع الفجر لما تمكنوا من الوضوء، والغسل، والاجتماع في المسجد إلا بعد الإسفار كثيرًا، والناس فيهم السريع والبطيء، ومن سنة الفجر التغليس بها، فاقتضى ذلك أن يكون للصبح إعلامان: أذان بقرب الفجر، وفيه دعوة للتأهب للصلاة، وآخر للاجتماع لفعلها حتى إذا أذن الصبح كان بإمكانهم المبادرة للصلاة، وصلاتها في وقت الغلس كما هي السنة في وقت صلاتها، كما شرع الأذان الأول للجمعة لما كثر الناس، واتسعت المدينة، واحتاجوا للتذكير للرجوع من الأسواق والاستعداد للصلاة، فإذا علم ذلك، كان معنى قوله ﷺ: (ليرجع قائمكم، ولينتبه نائمكم) فالرجوع والانتباه من أجل التأهب لصلاة الصبح.
ويبقى الخلاف بين الجمهور، هل يجزئ هذا الأذان عن الأذان الثاني؟
والذي يظهر أنه لا يغني عن الثاني، ولم يصح قط حديث عن النبي ﷺ أنه كان يقتصر على الأذان الذي يقع قبل الوقت، وسيأتي بحث المسألة إن شاء الله تعالى
_________________
(١) الاستذكار (١/ ٤٠٥).
[ ١ / ٣١١ ]
في فصل مستقل، والله أعلم.
الجواب الثاني للحنفية:
يحتمل أن يكون الأذان الأول بغير ألفاظ الأذان المعهودة.
وهذا بعيد؛ لأنه لو كان بغير ألفاظ الأذان لما خشي منه النبي ﷺ أن يلتبس بأذان الفجر، فيمنعهم من السحور؛ لأن التمييز حينئذٍ سيكون بالكلمات، وليس بالأشخاص.
الجواب الثالث للحنفية:
قال الطحاوي: إن بلالًا كان يريد الفجر فيخطئه لضعف بصره، فأمرهم رسول الله ﷺ ألا يعملوا على أذانه؛ إذ كان من عادته الخطأ لضعف بصره (^١).
(ح-١١٩) واحتج لقوله بما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا سعيد، عن قتادة،
عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: لا يمنعنكم أذان بلال من السحور، فإن في بصره شيئًا (^٢).
[رجاله ثقات، وقد تفرد بقوله: (إن في بصره شيئًا) محمد بن بشر، عن سعيد ابن أبي عروبة، ولا إخاله محفوظًا] (^٣).
_________________
(١) شرح معاني الآثار (١/ ١٤٠).
(٢) المسند (٣/ ١٤٠).
(٣) رواه محمد بن بشر، واختلف عليه فيه: فرواه عنه الإمام أحمد بن حنبل كما في إسناد الباب: وابن أبي شيبة كما في المصنف (٩٠١٩)، ومن طريق ابن أبي شيبة رواه أبو يعلى في مسنده (٢٩١٧). وشهاب بن عباد العبدي كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٤٠)، ثلاثتهم (أحمد، وابن أبي شيبة، والعبدي) عن محمد بن بشر به، بزيادة: (فإن في بصره شيئًا). وخالفهم: عبدة بن عبد الله الصفار، وسعيد بن بحر، وهما ثقتان، رواه البزار في مسنده (٧١٠٧)، قال: حدثنا عبدة بن عبد الله، وسعيد بن بحر، قالا: حدثنا محمد بن بشر به، بلفظ: إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم. ولم يذكر زيادة (فإن في بصره شيئًا). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى من حديث أنس إلا من هذا الوجه بهذا =
[ ١ / ٣١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الإسناد، ولا نعلم حدث به عن سعيد، إلا محمد بن بشر. اه والبزار، قال عنه الدارقطني كما في سؤالات الحاكم (٢٣): يخطئ في الإسناد والمتن، حدث بالمسند بمصر حفظًا ينظر في كتب الناس، ويحدث من حفظه، ولم تكن معه كتب، فأخطأ في أحاديث كثيرة، يتكلمون فيه، وجرحه النسائي. وقال الدارقطني كما في سؤالات حمزة السهمي (١١٦) ثقة يخطئ كثيرًا، ويتكل على حفظه. فلا يمكن الاعتماد على رواية البزار لتخطئة من رواه عن محمد بن بشر بهذه الزيادة، لكن يمكن اعتبار أن هذه الزيادة قد تفرد بها محمد بن بشر، وهو وإن كان ثقة، إلا أنه لم يتابع على هذه الزيادة. ومحمد بن بشر روى عن سعيد قبل اختلاطه، ذكر ذلك الإمام أحمد في سؤالات المروذي (٤٧). وقال عثمان بن أبي شيبة: ثقة ثبت إذا حدث من كتابه. وهو من رجال الصحيحين إلا أن البخاري لم يخرج له من روايته عن ابن أبي عروبة، وأخرج مسلم أحاديث يسيرة من روايته عن سعيد، وكلها قد توبع عليها في الصحيح نفسه، لهذا تفرده بهذه الزيادة في النفس منها شيء، خاصة أن الحديث قد روي من مسند ابن عمر في الصحيحين، ومن مسند عائشة فيهما أيضًا، ومن مسند ابن مسعود في البخاري، وليس فيه هذه الزيادة، لهذا أجدني أميل إلى شذوذها، وكيف يفضل الرسول ﷺ بلالًا على عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وهو الذي أُرِيَ الأذان، ويكون بلال ممن لا يمكن الاعتماد على خبره لشيء في بصره، فهل هذا إلا قدح في اختيار الرسول ﷺ؟ والله أعلم. وقد صححه المقدسي في الأحاديث المختارة (٢٤٢٨). وقال ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ١٩٩)، وابن التركماني في الجوهر النقي (١/ ٣٨٥): رواه الطحاوي بسند جيد. وقال الهيمثي في مجمع الزوائد (٣/ ١٥٣): «رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، ورواه أبو يعلى أيضًا». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٣/ ٩٦): رواته ثقات. اه وله شاهد من حديث سمرة بن جندب إلا أنه شاذ أيضًا. رواه همام، عن سوادة، واختلف على همام: فرواه أحمد في المسند (٥/ ٩)، حدثنا عفان، عن همام بن يحيى، حدثني سوادة، قال: سمعت سمرة بن جندب يقول: إن رسول الله ﷺ قال: لا يغرنكم نداء بلال، فإن في بصره سوءًا، ولا بياض يرى بأعلى السحر. =
[ ١ / ٣١٣ ]
واحتج الطحاوي أيضًا بما في الصحيح: (ولم يكن بينهما إلا مقدار ما يصعد هذا وينزل هذا) (^١).
فلما كان بين أذانيهما من القرب ما ذكرنا ثبت أنهما كانا يقصدان وقتًا واحدًا،
_________________
(١) = ورواه حجاج بن منهال كما في المعجم الكبير للطبراني (٧/ ٢٣٦) ح ٦٩٨٠، عن همام به، وليس فيه: (فإن في بصره سوءًا). وهذا يكشف لك أن همامًا كان يهم فيه، فمرة يذكر هذه الزيادة، ومرة لا يذكرها، وهو في حفظه شيء. قال عفان: كان همام لا يكاد يرجع إلى كتابه، ولا ينظر فيه، وكان يخالف فلا يرجع إلى كتابه. وكان يكره ذلك. قال: ثم رجع بعد، فنظر في كتبه، فقال: يا عفان كنا نخطئ كثيرًا، فاستغفر الله. وعلق على ذلك ابن حجر في التهذيب قائلًا: وهذا يقتضي أن حديث همام بأخرة أصح ممن سمع منه قديمًا، وقد نص على ذلك أحمد بن حنبل. ومما يبين أن هذا من أوهام همام، أن الحديث قد رواه شعبة، وعبد الله بن سوادة، وأبو هلال الراسبي (محمد بن سليم) كلهم رووه عن سوادة به، ولم يذكروا ما ذكره همام، وإليك تخريج مروياتهم. فقد رواه مسلم (١٠٩٤)، وأحمد (٥/ ١٣)، والروياني في مسنده (٨٦١)، وأبو داود (٢٣٤٦)، والطبراني في المعجم الكبير (٧/ ٢٣٦) ح ٦٩٨٣، وأبو عوانة في مستخرجه (١١٠٧)، والطوسي في مستخرجه على الترمذي (٦٤٩)، وابن خزيمة في صحيحه، (١٩٢٩)، والدارقطني (٣/ ١١٧، ١١٨)، والحاكم (١/ ٥٨٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٥٥٩)، وأبو نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم (٢٤٥٨) من طريق عبد الله بن سوادة. ورواه أبو داود الطيالسي (٩٣٩)، ومسلم (١٠٩٤)، وأحمد (٥/ ١٨)، والنسائي في المجتبى (٢١٧١)، وفي السنن الكبرى (٢٤٩٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٣٨)، وأبو عوانة في مستخرجه (٢٧٧٩) عن شعبة. ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٨٩٢٧)، وأبو داود الطيالسي (٩٤٠)، وأحمد (٥/ ١٣)، والترمذي (٧٠٦)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢٣٦) ح: ٦٩٨٢، من طريق أبي هلال الراسبي (محمد بن سليم)، ثلاثتهم رووه عن سوادة بن حنظلة الهلالي به، ولم يذكروا قول همام (ليس ببصره شيء). قال ابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ٦٦): سوادة: هو ابن حنظلة القشيري، إمام مسجد بني قشير، قال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبان في الثقات، ولم يرووا له غير هذا الحديث. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
(٢) رواه البخاري في الصحيح من قول القاسم (١٩١٨)، ورواه مسلم في الصحيح من قول ابن عمر ﵁ (١٠٩٢)، وسوف أتعرض إن شاء الله تعالى في هذا الكتاب لتحقيق هذه اللفظة، من قالها؟ وما تحتمله من الفقه، أسأل الله وحده العون والتوفيق.
[ ١ / ٣١٤ ]
وهو طلوع الفجر، فيخطئه بلال لما ببصره، ويصيبه ابن أم مكتوم؛ لأنه لم يكن يفعله حتى يقول له الجماعة: أصبحت أصبحت (^١).
• وأجيب عن ذلك من وجوه:
أحدها: أن قول النبي ﷺ: (إن بلالا يؤذن بليل) يقتضي أن هذه كانت طريقته وعادته دائمًا، وليس عن خطأ قد يتعرض له نادرًا.
ثانيًا: أن نداء بلال قبل الوقت كان مرادًا للشارع، وليس نتيجة خطأ عارض.
(ح-١٢٠) ففي صحيح الإمام البخاري من طريق سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي،
عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: لا يمنعن أحدَكم أو أحدًا منكم أذانُ بلالٍ من سحوره؛ فإنه يؤذن أو ينادي بليل؛ ليرجع قائمكم؛ ولينبه نائمكم (^٢).
وهذا صريح في أنه كان يؤذن قبل الفجر عمدًا؛ لغرض صحيح أفصح عنه النبي ﷺ بقوله: (ليرجع القائم، وينتبه النائم) والرجوع والانتباه من أجل السحور والتأهب لصلاة الصبح.
ثالثًا: أن القدح في أذان بلال، قدح باختيار النبي ﷺ له، فهو المؤذن الراتب للنبي ﷺ في سائر الأوقات، وكان بتعيين من النبي ﷺ ابتداءً، حتى فَضَّله على عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي أُرِيَ الأذانَ، فلو كان في بصره ما يقدح في اعتماد خبره لَغَيَّرَه النبي ﷺ، وقد استمر بلال على الأذان طيلة حياة النبي ﷺ، وأراده له أبو بكر فامتنع (^٣).
الدليل الثالث:
أن الأذان قبل الوقت في صلاة الصبح هو عمل أهل الحرمين، ينقلونه خلفًا عن سلف، حتى قال مالك في الموطأ: «لم تزل الصبح ينادى لها قبل الفجر، فأما
_________________
(١) المرجع السابق (١/ ١٤١).
(٢) صحيح البخاري (٦٢١)، ورواه مسلم (١٠٩٣).
(٣) انظر طرح التثريب (٢/ ٢٠٧).
[ ١ / ٣١٥ ]
غيرها من الصلوات فإنا لم نرها ينادى لها إلا بعد أن يحل وقتها» (^١).
قال ابن عبد البر تعليقًا على مقالة الإمام مالك: «فهذا يدلك على أن الأذان عنده مأخوذ من العمل؛ لأنه لا ينفك منه كل يوم، فيصح الاحتجاج فيه بالعمل؛ لأنه ليس مما ينسى» (^٢).
• حجة من يقول: لا يجوز الأذان لصلاة الفجر حتى يطلع الفجر:
الدليل الأول:
(ح-١٢١) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، وداود بن شبيب المعنى قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع،
عن ابن عمر، أن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي ﷺ أن يرجع فينادي: ألا إن العبد قد نام، ألا إن العبد قد نام، زاد موسى: فرجع فنادى: ألا إن العبد قد نام، قال أبو داود: وهذا الحديث لم يَرْوِه عن أيوب، إلا حماد بن سلمة (^٣).
[رجاله ثقات إلا أنه شاذ، والمحفوظ عن أيوب معضلًا، ولا تثبت القصة عن بلال، وإنما رواه نافع، أن مؤذنًا لعمر ﵁، وهو منقطع، فالقصة بين عمر ومؤذنه] (^٤).
_________________
(١) موطأ مالك (١/ ٧٠).
(٢) الاستذكار (١/ ٣٩٧).
(٣) سنن أبي داود (٥٣٢).
(٤) الحديث روي مرفوعًا من مسند ابن عمر. وروي معضلًا عن أيوب، قال: أذن بلال. وروي موقوفًا على عمر. وروي من مسند بلال. وقد رجح الأئمة وقفه على عمر كما سيأتي النقل عنهم إن شاء الله تعالى. هذا من حيث الإجمال، ودونك بيانه مفصلًا: تخريج حديث ابن عمر ﵄: رواه نافع، عن ابن عمر، واختلف عليه على طرق منها: الطريق الأول: أيوب، عن نافع. رواه أيوب، عن نافع، واختلف على أيوب: =
[ ١ / ٣١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فرواه حماد بن سلمة، عن أيوب عن نافع، عن ابن عمر، أن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي ﷺ … الحديث رواه أبو داود (٥٣٢) وعبد بن حميد في مسنده كما في المنتخب (٧٨٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٣٩)، والدارقطني (١/ ٢٤٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٥٦٣)، من طرق عن حماد بن سلمة به. وتابع حمادًا سعيد بن زربي ذكره الدارقطني في سننه، قال: «تابعه سعيد بن زربي، وكان ضعيفًا عن أيوب». قلت: سعيد بن زربي قال البخاري كما في التاريخ الكبير (٣/ ٤٧٣): «عنده عجائب». وقال النسائي في الضعفاء والمتروكين (٢٧٨): ليس بثقة. وخالفهما معمر، كما في مصنف عبد الرزاق (١٨٨٨) ومن طريق عبد الرزاق رواه الدارقطني في سننه (١/ ٢٤٤) فرواه عن أيوب، قال: أذن بلال مرة بليل، فقال النبي ﷺ اخرج فَنَادِ: إن العبد قد نام، فخرج يقول: ليت بلالًا لم تلده أمه. فأعضله، فلم يذكر نافعًا ولا ابن عمر. هذا ما يخص الاختلاف على أيوب. وعلى هذا فطريق أيوب الراجح فيه أنه معضل، وأن وصله شاذ. قال ابن حجر كما في الفتح (٢/ ١٠٣): «اتفق أئمة الحديث علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، والذهلي، وأبو حاتم، وأبو داود، والترمذي، والأثرم، والدارقطني على أن حمادًا أخطأ في رفعه، وأن الصواب وقفه على عمر بن الخطاب، وأنه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذنه، وأن حمادًا انفرد برفعه …». وانظر كلام علي بن المديني في سنن الترمذي (١/ ٣٩٥)، وسنن البيهقي (١/ ٣٨٣). وكلام أحمد بن حنبل في شرح ابن رجب للبخاري (٥/ ٣٢٧). وكلام أبي حاتم في العلل لابنه (٢/ ١٩٧). وكلام أبي داود في سننه بإثر ح (٥٣٣)، وكلام الترمذي في سننه (١/ ٣٩٤)، وكلام الذهلي في سنن البيهقي (١/ ٣٨٣)، والتحقيق لابن الجوزي (٤١٧). وكلام الدارقطني في العلل (١٢/ ٣٣٩) و(١٣/ ٢٣). وقد حكم عليه الذهلي بالشذوذ، انظر سنن البيهقي (١/ ٣٨٣)، وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٥٩): «وهذا حديث تفرد به حماد بن سلمة، دون أصحاب أيوب، وأنكروه عليه، وخطؤوه؛ لأن سائر أصحاب أيوب، يروونه عن أيوب، قال: أذن بلال مرة بليل .. فذكره مقطوعًا». وهل إذا اتفق هؤلاء الأئمة يبقى نظر لأحد بعدهم؟ لا وربك، قسم لا أخشى الحنث فيه، =
[ ١ / ٣١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وهيهات أن تسول لأحد نفسه بأن يقول: قالوا .. وقلت، ولكن إذا اختلفوا، أو كان الكلام عن واحد منهم، فربما صح له ذلك مع الحذر الشديد، والتقليب الرشيد، خشية أن يؤتى الإنسان من سوء فهمه لكلام المتقدمين، على أن يعارض كلامهم بمقتضى قواعدهم، لا يحاكمهم بقواعده هو، ولا يحاكمهم بما فهمه من قواعد المتأخرين ممن اشتغل بالأصول عن فهم طريقة أهل الحديث المتقدمين، فإن أكثر معارضة المتأخرين للمتقدمين تأتي من عدم فهم طريقتهم، ومعارضتها بالتنظير المجرد عن الممارسة. الطريق الثاني: عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع: رواه عبد العزيز بن أبي رواد، واختلف عليه أيضًا: فرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٣٠٨) عن وكيع. عن ابن أبي رواد، عن نافع أن مؤذنًا لعمر … وهذا منقطع؛ لأن نافعًا لم يدرك عمر ﵁. قال الترمذي (١/ ٣٩٥): «وهذا لا يصح، لأنه عن نافع، عن عمر منقطع، ولعل حماد بن سلمة أراد هذا الحديث». وعبد العزيز بن أبي رواد، رجل عابد، وقد رمي بالإرجاء، واختلف في توثيقه، وأعدل ما قيل فيه، ما قاله الدارقطني في رواية: هو متوسط الحديث، وربما وهم. اه قال أحمد: ليس هو في التثبت مثل غيره. اه ورواه أبو داود (٥٣٣) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٨٣)، والدارقطني (١/ ٢٤٤) من طريق شعيب بن حرب، عن عبد العزيز بن أبي رواد، أخبرنا نافع، عن مؤذن لعمر يقال له مسروح، أذن قبل الفجر، فأمره عمر، فذكر نحوه. فجعله من رواية مؤذن عمر، ومؤذن عمر مجهول، فإن حملت رواية (عن مؤذن عمر) على رواية وكيع (أن مؤذنًا لعمر) فتكون روايتا وكيع وشعيب متفقتين، وتكون علة الإسناد الانقطاع، حيث لم يدرك نافع عمر ﵁، وإن حملت على الاختلاف، فوكيع وشعيب كلاهما ثقة ثبت، والله أعلم. وخالفهما: عامر بن مدرك، وإبراهيم بن عبد العزيز بن أبي محذورة. فرواه الدارقطني (١/ ٢٤٤) من طريق عامر بن مدرك، حدثنا عبد العزيز بن أبي رَوّاد، عن نافع، عن ابن عمر أن بلالًا أذن قبل الفجر فغضب النبي ﷺ، وأمره أن ينادي إن العبد نام. ورواه ابن أبي حاتم في العلل لابن أبي حاتم (٢/ ١٩٨)، والبيهقي في السنن (١/ ٣٨٣)، من طريق إبراهيم بن عبد العزيز بن أبي محذورة، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، أن بلالًا أذن بليل، فقال له النبي ﷺ: ما حملك على ذلك؟ قال: استيقظت وأنا وسنان، فظننت أن الفجر قد طلع، فأذنت، فأمره النبي ﷺ أن ينادي بالمدينة ثلاثًا: إن العبد=
[ ١ / ٣١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = رقد، ثم أقعده إلى جنبه حتى طلع الفجر، ثم قال: قم الآن، ثم ركع رسول الله ﷺ ركعتي الفجر. وعامر بن مدرك وإبراهيم بن عبد العزيز بن أبي محذورة ضعيفان. قال البيهقي بعد أن ذكر طريق عامر بن مدرك وابن أبي محذورة (١/ ٣٨٤): «وهو وهم، والصواب رواية شعيب بن حرب …». وقال الدارقطني في السنن (١/ ٢٤٤): وهم فيه عامر بن مدرك، والصواب قد تقدم عن شعيب بن حرب، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن مؤذن عمر، عن عمر قوله. الطريق الثالث: عبيد الله بن عمر، عن نافع. رواه عبيد الله بن عمر، واختلف عليه فيه: قال أبو داود بإثر ح (٥٣٣) قد رواه حماد بن زيد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع أو غيره، أن مؤذنًا لعمر يقال له مسروح أو غيره. هكذا رواه أبو داود معلقًا، ولم أقف على من وصله. وهذه توافق رواية ابن أبي رواد، من رواية وكيع، عنه. كما توافق رواية شعيب بن حرب إن حملت صيغة (عن مؤذن عمر) على قوله هنا (أن مؤذنًا لعمر ﵁. وخالف الدراوردي حماد بن زيد، فقال أبو داود بإثر ح (٥٣٣) رواه الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان لعمر مؤذن يقال له مسعود، وذكر نحوه. قال أبو داود: وهذا أصح من ذاك. اه هكذا رواه أبو داود معلقًا، ولم أقف على من وصله. فرواية الدراوردي تخالف رواية حماد بن زيد عن عبيد الله بن عمر، وتخالف رواية شعيب بن حرب، عن عبد العزيز بن أبي رواد. وفي لفظ الدراوردي أن المؤذن اسمه مسعود، ولعل ذلك تصحيف، والصواب مسروح. فصار الاختلاف في الحديث يرجع إلى وجهين: أحدهما: ما كان من مسند ابن عمر، وهو يدور بين شاذ ومنكر، وتارة يجعل القصة لبلال، وتارة يجعل القصة لمؤذن عمر ﵁. والثاني: عن نافع، أن مؤذنًا لعمر ﵁، وهو منقطع، وتلخصيه على النحو التالي. أما رواية ابن عمر ﵄، فجاءت من ثلاثة طرق، كلها شاذة أو منكرة. فرواه حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، وجعل القصة لبلال. وهذا الوجه تفرد به حماد بن سلمة، عن أيوب، وهو شاذ، المحفوظ ما رواه معمر، عن أيوب معضلًا. ورواه عامر بن مدرك، وإبراهيم بن عبد العزيز بن أبي محذورة (ضعيفان)، عن ابن أبي رواد، =
[ ١ / ٣١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عن نافع به. وجعلا القصة لبلال أيضًا، وهذا منكر، فقد خالفهما كل من شعيب بن حرب (ثقة ثبت)، ووكيع مثله، عن نافع، أن مؤذنًا لعمر ﵁، فجعلا القصة لمؤذن عمر. ورواه الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، كان لعمر مؤذن يقال له مسعود وهذا وإن جعل القصة لمؤذن عمر ﵁ إلا أنه شاذ أيضًا، فقد خالف الدراوردي حماد بن زيد، وهو أحفظ منه. هذا وجه الاختلاف على ابن عمر. وأما رواية نافع، أن مؤذنًا لعمر: فرواه حماد بن زيد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع به، رواه أبو داود معلقًا. ورواه وكيع، عن ابن أبي رواد، عن نافع به موصولًا. وقيل: عن نافع، عن مؤذن لعمر، رواه شعيب بن حرب، عن ابن أبي رواد، عن نافع به، وهذه تحتمل أن تكون (عن مؤذن عمر)، وتحتمل أن تكون (عن) بمعنى (أن) فتكون موافقة لرواية وكيع، وحماد بن زيد، وهو الأظهر. وأرجح هذه الطرق والله أعلم، رواية حماد، عن عبيد الله. ورواية وكيع، وشعيب بن حرب، عن ابن أبي رواد، كلاهما (عبيد الله، وابن أبي رواد) عن نافع، أن مؤذنًا لعمر … والله أعلم، وهذا الطريق كما سلف منقطع، والله أعلم. وللحديث شواهد: الشاهد الأول: عن حميد بن هلال مرسلًا، رواه أبو نعيم في كتاب الصلاة (٢٢١). والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٨٤) من طريق المقرئ (أبي عبد الرحمن)، كلاهما، عن سليمان ابن المغيرة. ورواه الدارقطني (١/ ٢٤٤) من طريق هشيم، حدثنا يونس بن عبيد، كلاهما (سليمان بن المغيرة ويونس) عن حميد بن هلال، قال: أذن بلال بليل، فقال له رسول الله ﷺ: ارجع إلى مقامك فناد ثلاثًا: إن العبد قد نام، وهو يقول: ليت بلالًا لم تلده أمه … وابتل من نضح دم جبينه. وهذا رجاله ثقات إلا أنه مرسل. قال الحافظ في الدراية (١/ ١١٩): وهذا مرسل قوي. اه وقال عنه مغلطاي في شرح ابن ماجه (١/ ١١٤٤): مرسل بسند صحيح. اه وخالفهما إسماعيل بن مسلم، فرواه عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة العدوي. رواه البيهقي في الخلافيات كما في مختصر الخلافيات (١/ ٤٦٧)، وكمال الدين بن العديم في بغية الطلب في تاريخ حلب (٢/ ١٠٠٠). =
[ ١ / ٣٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال البيهقي: حميد لم يَلْقَ أبا قتادة، فهو مرسل. قلت مع ما فيه من الشذوذ لمخالفة إسماعيل بن مسلم كلًّا من سليمان بن المغيرة ويونس بن عبيد. اه هل يمكن أن يكون هذا المرسل القوي في كون القصة حدثت لبلال يقوي طريق حماد بن سلمة، عن أيوب في جعل القصة لبلال أيضًا؟ الجواب: لا يمكن، وذلك أن طريق حماد بن سلمة طريق شاذ، والشاذ لا يعتبر به؛ لأنه من قبيل الخطأ. والكلام نفسه يقال في رواية عبد العزيز بن أبي رواد، فقد رواه عامر بن مدرك، وابن أبي محذورة، وهما ضعيفان، روياه عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر. وخالفهما شعيب بن حرب، ووكيع، وهما ثقتان، فروياه عن ابن أبي رواد، عن نافع، أن مؤذنًا لعمر. وكذا رواه حماد بن زيد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع نحوه. والضعيف إذا خالف الثقة كانت روايته منكرة، والمنكر لا يعتبر به بحال. فلم يوفق من اعتبر بالشاذ والمنكر. الشاهد الثاني: حديث أنس. وله عنه طريقان: الأول: قتادة، عن أنس. رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، واختلف على سعيد: فرواه أبو يوسف القاضي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس. رواه الدارقطني (١/ ٢٤٥) من طريق محمد بن سعد العوفي، حدثنا أبي، حدثنا أبو يوسف القاضي به. بلفظ: أن بلالًا أذن قبل الفجر، فأمره رسول الله ﷺ أن يعود فينادي: إن العبد نام … وذكر الحديث. قال الدارقطني: تفرد به أبو يوسف عن سعيد، وغيره يرسله عن سعيد، عن قتادة، عن النبي ﷺ. قلت: محمد بن سعد العوفي له ترجمة في ميزان الاعتدال، قال فيه الخطيب البغدادي: كان لينًا في الحديث. تاريخ بغداد (٣/ ٣٦٨) وروى الحاكم في سؤالاته (١٧٨) عن الدارقطني أنه قال: لا بأس به. وفيه أيضًا والده سعد العوفي، قال فيه أحمد: لم يكن ممن يستأهل أن يُكْتَبَ عنه، ولا كان موضعًا لذاك. تاريخ بغداد (٩/ ١٢٨). وخالفه: عبد الوهاب بن عطاء الخفاف أبا يوسف، كما في سنن الدارقطني (١/ ٢٤٥)، فرواه عن ابن أبي عروبة، عن قتادة أن بلالًا أذن وهذا مرسل. قال الدارقطني: والمرسل أصح. =
[ ١ / ٣٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الطريق الثاني: عن الحسن، عن أنس. أخرجه البزار في مسنده البحر الزخار (٦٦٦٧)، والدارقطني (١/ ٢٤٥)، والبيهقي في الخلافيات كما في مختصره (١/ ٤٦٦)، من طريق محمد بن القاسم الأسدي (كذَّبه أحمد)، حدثنا الربيع بن صبيح، عن الحسن، عن أنس، قال: أذن بلال قبل الفجر، فأمره النبي ﷺ أن يرجع فيقول: ألا إن العبد نام وذكر الحديث. قال أحمد كما في العلل لابنه (١٨٩٩): محمد بن القاسم يكذب، أحاديثه موضوعة. وقال الدارقطني: محمد بن القاسم الأسدي: ضعيف جدًّا. وفي إسناده الربيع بن صبيح، رجل صالح كان من عباد أهل البصرة، إلا أنه ضعيف في الحديث، قال ابن سعد في الطبقات الكبرى (٧/ ٢٧٧): حدث عنه الثوري، وأما عفان فتركه. وقال عفان عن أحاديثه: كلها مقلوبة. الجرح والتعديل (٣/ ٤٦٥). وقال ابن المديني: صالح، وليس بالقوي. إكمال تهذيب الكمال (٤/ ٣٤١). قال البزار: لا نعلم رواه عن الحسن، عن أنس، إلا محمد بن القاسم، تفرد به عن أنس. الشاهد الثالث: حديث بلال. رواه إسحاق بن راهويه في مسنده كما في المطالب العالية (٢٣٠)، وإتحاف الخيرة المهرة (٨٩٦) أخبرنا أحمد بن أيوب، عن أبي حمزة السكري، عن جابر، عن أبي نصر، قال: قال بلال ﵁ أذنت بليل، فقال النبي ﷺ: منعت الناس من الطعام والشراب، انطلق، فاصعد، فَنَادِ: ألا إن العبد قد نام … وذكر بقيته. ورواه الدولابي في الكنى (١٩٢٣) من طريق علي بن صالح، عن جابر، عن أبي نصر، قال: أذن بلال بليل … وذكر بقيته. وهذا إسناد ضعيف جدًّا، فيه جابر الجعفي متروك، وشيخه أبو نصر ضعيف جدًّا، ولم يدرك بلالًا. فلا يصلح للاعتبار. الشاهد الرابع: عن الحسن البصري مرسلًا، ومرسلات الحسن من أضعف المراسيل. رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٣٠٧) من طريق أشعث (هو ابن سوار)، والقاسم بن ثابت السرقسطي في غريب الحديث كما في نصب الراية (١/ ٢٨٦) من طريق أبي سفيان السعدي، كلاهما عن الحسن، قال: أذن بلال بليل، فأمره النبي ﷺ أن ينادي، ألا إن العبد نام .. وذكر بقيته، وزاد القاسم بن ثابت قصة أن الحسن سمع مؤذنًا أذن بليل، فقال: علوج تباري الديوك، وهل كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ إلا بعد طلوع الفجر؟ ولقد أذن بلال بليل، فأمره النبي ﷺ فصعد، فنادى … وذكر بقية الحديث. وأشعث ضعيف، وأبو سفيان السعدي، واسمه: طريف بن شهاب متفق على ضعفه، قال عنه =
[ ١ / ٣٢٢ ]
الدليل الثاني:
(ح-١٢٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن جعفر بن برقان، عن شداد مولى عياض بن عامر،
عن بلال، أن النبي ﷺ قال: لا تؤذن حتى ترى الفجر هكذا، ومد يديه (^١).
[ضعيف] (^٢).
_________________
(١) = أحمد: ليس بشيء، لا يكتب عنه. انظر العلل (١٢٠٩). فلو صح هذا لكان ضعيفًا لأنه من مراسيل الحسن، وهو من أضعف المراسيل، كيف، وهو لا يصح إسناده إلى الحسن. والخلاصة: أن حديث إن العبد قد نام لا يثبت، ومخالف للأحاديث الصحيحة، من أن بلالًا يؤذن بليل. والله أعلم.
(٢) المصنف (٢٢٢٠).
(٣) في هذا الإسناد علتان: إحداهما: جهالة شداد مولى عياض بن عامر، لم يَرْوِ عنه أحد إلا جعفر بن برقان، وذكره ابن حبان في الثقات، ولم يوثقه أحد غيره، وقال عنه الذهبي: لا يعرف، وقال ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام (٣/ ٤٧): «مجهول، لا يعرف بغير رواية جعفر بن برقان عنه». العلة الثانية: الانقطاع، قال أبو داود: شداد مولى عياض لم يدرك بلالًا، وانظر جامع التحصيل (٢٨٠)، إكمال تهذيب الكمال (٦/ ٢٢٥). تخريج الحديث: الحديث أخرجه ابن أبي شيبة كما في إسناد الباب، ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (١/ ٣٦٥) ح ١١٢١. وأخرجه أبو داود (٥٣٤)، والبزار في مسنده (١٣٧٤)، والطبراني في الكبير (١/ ٣٦٥) ح ١١٢١، والروياني في مسنده (٧٦٢) من طريق وكيع. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٨٨٧) عن معمر. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٨٤) من طريق سفيان (هو الثوري)، ثلاثتهم عن جعفر بن برقان، عن شداد به. وفي مطبوع عبد الرزاق، قال: عن شداد مولى عباس، عن ثوبان. وهذا تحريف، فقد قال ابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٥٩): «رواه وكيع، عن جعفر بن برقان، عن شداد، مولى عياض بن عامر، عن بلال. ورواه معمر، عن جعفر بن برقان، بإسناده ومعناه، إلا أنه قال: شداد مولى عياش». وهذا يعني أن مصنف عبد الرزاق أيضًا يرويه عن بلال، =
[ ١ / ٣٢٣ ]
الدليل الثالث:
(ح-١٢٣) روى الطبراني في مسند الشاميين، من طريق سليمان بن عبد الرحمن، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله، عن أبي بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام،
عن بلال مؤذن رسول الله ﷺ، قال: كنا لا نؤذن بصلاة الفجر حتى نرى الفجر، وكان يضع أصبعيه في أذنيه كلتيهما عند الأذان (^١).
[ضعيف جدًّا على اضطرابه] (^٢).
الدليل الرابع:
(ح-١٢٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو الرَّقِّيُّ، عن عبد الكريم يعني الجَزَرِيَّ، عن نافع، عن ابن عمر،
عن حفصة أن النبي ﷺ كان إذا أذن المؤذن صلى ركعتين، وحرم الطعام، وكان لا يؤذن حتى يطلع الفجر (^٣).
[رجاله ثقات، إلا أن زيادة وكان لا يؤذن حتى يطلع الفجر تفرد بها الجزري،
_________________
(١) = فبقي التحريف في شداد مولى عياض بن عامر، هذه رواية الأكثر، وفي مصنف عبد الرزاق مولى عباس، وفي التمهيد مولى عياش، وهذا تصحيف أيضًا. ورواه أبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب الصلاة (٢٢٠) قال: حدثنا جعفر بن برقان، عن شداد مولى عياض بن عامر، قال: بلغني أن بلالًا أتى النبي ﷺ يؤذنه بصلاة الفجر، فقال: يا بلال: لا تؤذن حتى تنظر إلى الفجر هكذا، وقال بيده. وقد أفصحت رواية أبي نعيم عن صريح الانقطاع الواقع برواية شداد، عن بلال. وقال يحيى بن معين، وقد سئل عن هذا الحديث، فقال: شداد، عن بلال مرسل. انظر تاريخ ابن أبي خيثمة (٤٥٦٩). وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٥٩): «هذا حديث لا تقوم به حجة، ولا بمثله لضعفه وانقطاعه».
(٢) مسند الشاميين (١٣٤٨).
(٣) انظر تخريجه عند الكلام على وضع الأصبعين في الأذنين، شواهد ح (١٦٥).
(٤) مسند أبي يعلى (٧٠٣٦).
[ ١ / ٣٢٤ ]
عن نافع، وهي زيادة شاذة] (^١).
الدليل الخامس:
(ث-٢٦) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق منصور، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: ما كانوا يؤذنون حتى ينفجر الفجر (^٢).
[رجاله ثقات، واضطرب فيه أبو إسحاق، فمرة يروي قوله: (ما كانوا يؤذنون
_________________
(١) انفرد الجزري عن نافع بذكر: (وكان لا يؤذن حتى يصبح)، وخالفه جمع من الرواة. الأول: مالك، رواه البخاري (٦١٨) ومسلم (٧٢٣)، وهو في الموطأ (١/ ١٢٧)، وأكتفي بالصحيحين عن ذكر غيرهما. الثاني: عبيد الله بن عمر، في البخاري (١١٧٢)، ومسلم (٧٢٣)، وأكتفي بالصحيحين. الثالث: الليث بن سعد، كما في صحيح مسلم (٧٢٣) وغيره، وأكتفي بالصحيح عن غيره. الرابع: أيوب، رواه مسلم (٧٢٣) وغيره، وأكتفي بصحيح مسلم عن ذكر غيره. الخامس: زيد بن محمد، كما في صحيح مسلم (٧٢٣) ويكفي الصحيح عن ذكر مصدر غيره. السادس: محمد بن إسحاق، كما في مسند إسحاق بن راهويه (١٩٩٣)، والمنتخب من مسند عبد بن حميد (١٥٤٦). السابع: يحيى بن سعيد الأنصاري، كما في سنن النسائي (١٧٦٦). الثامن: يحيى بن أبي كثير، كما في مسند أحمد (٦/ ٢٨٤)، والنسائي في المجتبى (١٧٦٦)، والطبراني في مسند الشاميين (٢٨٤٩)، والخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ٢١٣). التاسع: عبد الله العمري المكبر، أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٤٧٦٩)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ١٩٢) ح ٣٢٢. العاشر: موسى بن عقبة، أخرجه الطبراني في الكبير (٢٣/ ١٩٣). الحادي عشر: عبد الله بن محمد بن إسماعيل، كما في المعجم الكبير للطبراني (٣٣٠). الثاني عشر: سفيان بن عيينة، رواه الحميدي في مسنده (٢٩٠)، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا من لا أحصي من أصحاب نافع، عن نافع به. الثالث عشر: الزهري، كما في المعجم الأوسط (١٢٦٩، ٥١٨٧). فهؤلاء ثلاثة عشر راويًا، وكثير منهم في الصحيحين أو في أحدهما رووه عن نافع، ولم يذكروا ما ذكره الجزري. وقد تأكد خطأ الجزري أيضًا من غير رواية نافع، فقد رواه سالم، عن أبيه، بمثل ما رواه نافع عن ابن عمر، وروايته في صحيح مسلم (٧٢٣). وليس فيها ما ذكره الجزري.
(٢) المصنف (٢٢٢٣).
[ ١ / ٣٢٥ ]
حتى يطلع الفجر) من قول عائشة، ومرة يرويها من كلام الأسود، وهو المحفوظ] (^١).
_________________
(١) ظاهر الأثر عن عائشة أنه لم يكن يؤذن لصلاة الصبح قبل وقتها، فإن أخذنا بظاهر هذا الأثر كان ذلك معارضًا لما روته عائشة في الصحيحين مرفوعًا عن النبي ﷺ: إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم انظر: البخاري (٦٢٢)، ومسلم (١٠٩٢). فهذا صريح أن بلالًا كان يؤذن لصلاة الفجر قبل وقتها. وله شاهد من حديث ابن عمر في الصحيحين أيضًا، ومن مسند ابن مسعود فيهما. فلا يمكن معارضة الأحاديث المرفوعة الصريحة بظاهر هذا الأثر الموقوف. فمن سلك مسلك الترجيح سيأخذ بأحاديث الصحيحين المرفوعة على حديث فرد موقوف، مرويًّا خارج الصحيح. وإن لم نعتبر ذلك معارضًا تعين الجواب بين لفظ: (ما كانوا يؤذنون حتى ينفجر الفجر) وبين رواية عائشة المرفوعة: (إن بلالًا يؤذن بليل ). ويظهر لي في ذلك جوابان: الجواب الأول: أن هذه اللفظة ليست من قول عائشة، وإنما هي مدرجة من كلام ا لأسود. فقد رواه أبو إسحاق، واختلف عليه فيه: فرواه ابن أبي شيبة (٢٢٢٣) من طريق منصور. وأبو نعيم في كتاب الصلاة (٢١٩) من طريق زهير بن معاوية، كلاهما عن أبي إسحاق، عن الأسود عن عائشة، قالت: ما كانوا يؤذنون حتى يطلع الفجر. فهنا (منصور، وزهير) روياه من قول عائشة ﵂. وزهير روى عن أبي إسحاق بعد تغيره. وخالفهما شعبة، والثوري، وهما من قدماء أصحاب أبي إسحاق، فرويا هذه اللفظة من قول الأسود، وليس من قول عائشة. أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٤٠) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود، قال: قلت: يا أم المؤمنين متى توترين؟ قال: إذا أذن المؤذن. قال الأسود: وإنما كانوا يؤذنون بعد الصبح. وتابعه على ذلك سفيان الثوري، أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٤٦٢٨)، عنه، عن أبي إسحاق، عن الأسود، قال: سألت عائشة متى توترين؟ قالت: بين الأذان والإقامة. قال: وما يؤذنون حتى يصبحوا. الجواب الثاني: أن المنفي في قولها (وما كانوا يؤذنون حتى ينفجر الفجر) غير المثبت، في قولها: (إن بلالًا يؤذن بليل …) فهي تنفي الأذان قبل الفجر لصلاة الصبح، والأذان المثبت أن بلالًا كان يؤذن بليل، لم يكن للصلاة، وإنما كان للتأهب لفعلها، ويؤيد ذلك أن يونس وإسرائيل رويا الحديث عن أبي إسحاق، فجمعوا بين اللفظين، وهذا يثبت عدم تعارضهما. فقد روى أحمد (٦/ ١٨٥)، وابن خزيمة (٤٠٧)، من طريق يونس بن أبي إسحاق، =
[ ١ / ٣٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، قال: قلت لعائشة أم المؤمنين: أي ساعة توترين؟ قالت: ما أوتر حتى يؤذنوا، وما يؤذنون حتى يطلع الفجر، قالت: وكان لرسول الله ﷺ مؤذنان: بلال وعمرو بن أم مكتوم، فقال رسول الله ﷺ: إذا أذن عمرو فكلوا واشربوا، فإنه رجل ضرير البصر، وإذا أذن بلال فارفعوا أيديكم، فإن بلالًا لا يؤذن كذا قال: حتى يصبح. فهذه أم المؤمنين أثبتت الأذان قبل الفجر مع قولها: (وما يؤذنون حتى يطلع الفجر)، فكان نفيها متوجهًا للأذان الذي ينادى به لصلاة الصبح، وليس للأذان مطلقًا، وإلا اعتبر آخر الكلام ينقض أوله. ويونس وإن كان في روايته عن أبيه كلام، فقد تابعه إسرائيل. فأخرجه الإمام إسحاق بن راهويه (١٥٢٢، ١٥٢٣)، من طريق وكيع، ومن طريق المصعب ابن المقدام. وابن خزيمة (٤٠٨) من طريق عبيد الله بن موسى، ثلاثتهم عن إسرائيل، عن أبي إسحاق به، بلفظ: (كان لرسول الله ﷺ ثلاثة مؤذنين: بلال، وأبو محذورة، وعمرو بن أم مكتوم) هذا لفظ وكيع. زاد المصعب وعبيد الله بن موسى: فقال رسول الله ﷺ: إن ابن أم مكتوم ضرير، لا يغرنكم أذانه، فكلوا واشربوا، فإذا أذن بلال فلا يطعمن أحد). فتبين بهذا أنه لا حجة للحنفية بقولهم: (وما كانوا يؤذنون حتى ينفجر الفجر) لأنها أثبتت أن ابن أم مكتوم يؤذن قبل صلاة الصبح، فسقط الاحتجاج. وأعله ابن خزيمة بالعنعنة، فقال في صحيحه (١/ ٢١٢): أما خبر أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، فإن فيه نظرًا؛ لأني لم أقف على سماع أبي إسحاق هذا الخبر من الأسود». اه والتعليل بالعنعنة فيه تأمل، خاصة أن شعبة روى بعضه عن أبي إسحاق، والمتن ليس بالمنكر، فكون الرسول ﷺ له مؤذنان هذا ثابت في الصحيحين من مسند ابن عمر وعائشة. وإذا كان هناك ما يعتبر مخالفة من أبي إسحاق، هو أن حديث عائشة في الصحيحين ولفظه: (إن بلالًا يؤذن بليل) وهذا الحديث عكس الأمر، والخطب سهل، لأنه لا يبنى عليه حكم أكان الأول هذا أم ذاك؟ وإن كنت أرجح أن الحديث مقلوب. قال الحافظ ابن رجب في شرح البخاري (٥/ ٣٣٦): «والأظهر والله أعلم أن هذا اللفظ ليس بمحفوظ، وأنه مما انقلب على بعض رواته». واختاره ابن القيم في إعلام الموقعين (٢/ ٢٦٣). وقال ابن عبد البر: والمحفوظ والصواب إن شاء الله رواية: إن بلالًا ينادي بليل. وتبعه الحافظ جمال الدين المزي. انظر البدر المنير (٣/ ٢٠٣)، وطرح التثريب (٢/ ٢١٠)، ورجح القلب ابن حجر في الفتح (٢/ ١٤٦). =
[ ١ / ٣٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال ابن الجوزي كما في البدر المنير (٣/ ٢٠٢): كأنه مقلوب، إنما هو: إن بلالًا ينادي بليل. وضعف ابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ٧٢) القول بأنهما كانا يتناوبان الأذان. وذهب بعض أهل العلم إلى القول بأن هذا كان بالتناوب بين بلال وبين ابن أم مكتوم، فكانت النوبة تارة تجعل الأذان الأول لبلال، وتارة تجعل الأذان لابن أم مكتوم، وهذا ما رجحه ابن حبان وابن خزيمة، وحجتهما رواية أبي إسحاق، عن أبي الأسود، عن عائشة. وقد روي هذا من غير طريق أبي إسحاق: فقد أخرجه أبو يعلى (٤٣٨٥) حدثنا مصعب بن عبد الله، ورواه ابن خزيمة (٤٠٦)، وابن حبان (٣٤٧٣)، وأبو عوانة في مستخرجه (٩٧٨) من طريق إبراهيم بن حمزة، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٥٦٢) من طريق يعقوب بن محمد بن عيسى، ثلاثتهم (مصعب بن عبد الله، وإبراهيم بن حمزة، ويعقوب) رووه عن الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال، فإن بلالًا لا يؤذن حتى يرى الفجر. والدراوردي صدوق يحدث من كتب غيره، فيخطئ. وقد تابع الدراوردي حماد بن سلمة، كما في مجموع أحاديث حماد جمع أبي القاسم البغوي (١٩)، حيث رواه عن عبيد الله بن عمر (هو القواريري) عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: لا تعتبروا بأذان ابن أم مكتوم -وكان أعمى- واعتبروا بأذان بلال. قال ابن مهدي: حماد بن سلمة أروى الناس عن ثلاثة: ثابت، وحميد، وهشام بن عروة. العلل ومعرفة الرجال، رواية عبد الله بن أحمد (٣/ ٢٢٨) رقم: ٤٩٩٨. وحماد بن سلمة قد تغير حفظه بآخرة، ولم يخرج له مسلم من رواية القواريري، عنه، مع أن القواريري من رجال الشيخين، وقد طلب القواريري العلم وهو كبير، فربما كانت روايته عن حماد زمن تغيره، فقد قال أبو حاتم الرازي: حماد ساء حفظه في آخر عمره. انظر: تهذيب الكمال للمزي (٣٠/ ٢٣١). كما أن مسلمًا لم يخرج من حديث حماد بن سلمة، عن هشام إلا حديثًا واحدًا في تلقيح النخل، وقوله ﷺ: لو لم تفعلوا لصلح. وقد رواه مسلم من رواية حماد، عن ثابت، عن أنس، فكان تخريجه له اعتمادًا على رواية حماد بن زيد، عن ثابت، ومن المعلوم أن حمادًا من أثبت الناس في ثابت. وعلى كل حال فقد خالف الدراوردي وحماد بن سلمة من هو أحفظ منهما، على رأسهم =
[ ١ / ٣٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وكيع ومحمد بن جعفر بن أبي كثير وغيرهم، وإليك ما وقفت عليه منهم: فقد رواه محمد بن جعفر بن أبي كثير كما في صحيح مسلم (٧٧٤)، ويحيى بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر، وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي كما في صحيح مسلم (٧٧٥)، وسنن أبي داود (٥٣٥)، ومستخرج أبي عوانة (٧٩٧)، ومستخرج أبي نعيم الأصبهاني (٨٣٩)، والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ٦٢٧). ثلاثتهم (محمد بن جعفر، ويحيى بن عبد الله، وسعيد بن عبد الرحمن) رووه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان ابن أم مكتوم يؤذن لرسول الله ﷺ، وهو أعمى. وليس فيه القدر المرفوع (إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل …). ورواه وكيع، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٢٥٠). وأبو أسامة حماد بن أسامة كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٢٥١)، كلاهما روياه عن هشام، عن أبيه، قال: إن ابن أم مكتوم كان يؤذن وهو أعمى. هذا لفظ وكيع، زاد أبو أسامة: يؤذن للنبي ﷺ. فأرسلاه عن عروة. ورواه أنس بن عياض كما في الطبقات الكبرى (٤/ ٢٠٦) عن هشام، عن أبيه، عن ابن أم مكتوم أنه كان مؤذنًا لرسول الله ﷺ، وهو أعمى. فجعله من قول ابن أم مكتوم. فهؤلاء ستة رووه عن هشام، بلفظ: (إن ابن أم مكتوم يؤذن للنبي ﷺ، وهو أعمى) بعضهم ذكره من قول عائشة، وبعضهم ذكره من قول عروة، ولم يقل واحد منهم ما قاله الدراوردي وحماد بن سلمة، عن هشام (… إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل …). وروي أذان ابن أم مكتوم بليل من حديث خبيب بن عبد الرحمن، عن عمته أنيسة بنت خبيب: رواه عن خبيب اثنان: الأول: منصور بن زاذان، عن خبيب به، ولم يختلف عليه، ولفظه، قالت: قال رسول الله ﷺ: إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان بلال. رواه أحمد (٦/ ٤٣٣)، والنسائي في المجتبى (٦٤٠)، والكبرى (١٦١٦)، والطحاوي في أحكام القرآن (١٠٢٩) وفي شرح معاني الآثار (١/ ١٣٨)، وابن خزيمة في صحيحه (٣٩٧، ٤٠٤)، وابن حبان (٣٤٧٤)، من طريق هشيم، عن منصور به. ورجاله ثقات، ولا أعلم له علة، وقد صرح هشيم بالتحديث إلا ما يمكن اعتبار متنه مقلوبًا. ورواه شعبة، واختلف عليه على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: رواه بالشك: إن ابن أم مكتوم أو بلالًا ينادي بليل. رواه عفان كما في مسند أحمد (٦/ ٤٣٣)، ومصنف ابن أبي شيبة (٨٩٤٠). ومحمد بن جعفر كما في مسند أحمد (٦/ ٤٣٣)، ووالمعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ١٩١) =
[ ١ / ٣٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ح ٤٨٢، والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (٣٣٤٥)، وصحيح ابن خزيمة (٣٩٨، ٤٠٥)، وابن حبان (٣٤٧٤). والنضر، كما في مسند إسحاق بن راهويه (٢٣٢٩). وسليمان بن حرب كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ١٩١)، والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ٥٦٢)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٧٥٢٠). وروح بن عبادة، كما في شرح معاني الآثار (١/ ١٣٨)، ومسند أحمد بن منيع كما في إتحاف الخيرة المهرة (٨٩٥)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٧٥٢٠). وعبد الرحمن بن مهدي، رواه أبو يعلى في مسنده كما في إتحاف الخيرة المهرة (٨٩٥). ووهب كما في شرح معاني الآثار (١/ ١٣٨). ويزيد بن زريع كما في الإغراب للنسائي (١٥٧)، وصحيح ابن خزيمة بإثر ح (٤٠٥)، كلهم (عفان، ومحمد بن جعفر، والنضر، وسليمان بن حرب، وروح، وابن مهدي، ويزيد بن زريع، ووهب)، ثمانيتهم رووه عن شعبة به، بالشك. الوجه الثاني: الجزم بأن الذي يؤذن بليل هو بلال، كرواية عائشة وابن عمر في الصحيحين. رواه أبو داود الطيالسي كما في مسنده (١٧٦٦)، ومن طريقه السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٥٦١) ورواه المزي في تهذيب الكمال (٣٥/ ١٣٥) من طريق عمرو بن مرزوق، كلاهما (أبو داود الطيالسي، وابن مرزوق) روياه عن شعبة بالجزم بأن المؤذن بليل هو بلال، وهي موافقة لرواية عائشة وابن عمر. الوجه الثالث: الجزم بأن الذي يؤذن بليل هو ابن أم مكتوم. رواه أبو الوليد الطيالسي كما في الطبقات الكبرى لابن سعد (٨/ ٣٦٤)، والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ٥٦٢). وأبو عمر كما في سنن البيهقي (١/ ٥٦٢) كلاهما، عن شعبة به. وخلاصة البحث: أن منصور بن زاذان رواه عن خبيب بن عبد الرحمن، عن عمته أنيسة، لم يختلف عليه بأن ابن أم مكتوم هو الذي كان يؤذن بليل. ورواه شعبة، عن خبيب فروي عنه على ثلاثة أوجه: أحدها: بالشك من الذي كان يؤذن بليل؟. والثاني: الجزم بأن الذي يؤذن هو بلال بما يوافق رواية عائشة وابن عمر. والثالث: عكسها بما يوافق رواية منصور بن زاذان. ولكل منها مرجح: أما وجه ترجيح الشك: فلأنها من رواية الأكثر، فأكثر أصحاب شعبة رووه على الشك، وكان فيهم من هو مقدم على=
[ ١ / ٣٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = غيره من أصحاب شعبة، كمحمد بن جعفر (غندر)، والشك إن كان علة فهو يؤثر على روايته وحده، ولا سبيل إلى تعليل رواية منصور، وهو لم يقع منه شك، ولم يختلف عليه في لفظه، إلا أن يقال: إن إعلال رواية منصور جاء من مخالفتها ثلاثة أحاديث، كلها في الصحيحين كحديث عائشة، وابن عمر، وحديث ابن مسعود، وهؤلاء اتفقوا على أن الذي يؤذن بليل هو بلال. وأما ترجيح رواية الجزم بأن الذي يؤذن بليل هو بلال: هذه الرواية رواها ثقتان عن شعبة، أبو الوليد الطيالسي، وعمر بن مرزوق، ويكفي في ترجيحها أنها موافقة لرواية الصحيحين، من مسند عائشة، وابن عمر، وابن مسعود، وهذا ما سلكه ابن عبد البر، وابن القيم، وابن الجوزي. قال ابن القيم في إعلام الموقعين (٢/ ٢٦٢): «وأما حديث أنيسة فاختلف عليها في ثلاثة أوجه … فذكرها، ثم قال: والصواب رواية أبي داود الطيالسي، وعمرو بن مرزوق؛ لموافقتها لحديث ابن عمر، وعائشة». وأما ترجيح رواية الجزم بأن الذي يؤذن بليل هو ابن أم مكتوم: وجه ترجيحها أنها موافقة لرواية منصور بن زاذان، ومنصور لم يختلف عليه في روايته، وشعبة ومنصور روياه عن خبيب، فكان تقديم رواية شعبة الموافقة لرواية منصور أولى من تقديم رواية شعبة الموافقة لروايات أخرى من مسند عائشة أو ابن عمر، مع اختلاف الإسناد، فالترجيح من داخل إسناد الرواية أولى من الترجيح من إسناد مختلف، فالرواية التي يتفق فيها شعبة ومنصور بالرواية عن خبيب أولى من رواية تثبت اختلافهما؛ لهذا أستطيع أن أقول: إن المحفوظ من حديث أنيسة: (إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل …)، هكذا رواه منصور جازمًا به، وهو ثقة، وأما شعبة فيقبل من روايته ما وافق رواية منصور، ويطرح الباقي لعلة الشك، والله أعلم. ثم إذا خلصنا إلى أن هذا هو المحفوظ من حديث أنيسة، وطرحنا ما خالف ذلك، فلا حرج أن يكون هناك بعد ذلك ترجيح بين رواية أنيسة: (أن ابن أم مكتوم يؤذن بليل)، وبين رواية عائشة، وابن عمر، وابن مسعود (أن بلالًا يؤذن بليل) ولا شك أن رواية أنيسة لا تقوى على مخالفة هذه الأحاديث الثلاثة، وكلها في الصحيح. هذا ما أستحسنه في طريقة تخريج حديث أنيسة، ولم أجد من الصواب إعلال الحديث بمجرد شك شعبة، مع أن منصورًا رواه بلا شك، وتوجد رواية لشعبة توافق رواية منصور، ولا من الصواب أيضًا ترجيح ما رواه شعبة موافقًا لحديث عائشة، وابن عمر، مع مخالفتها لرواية منصور، =
[ ١ / ٣٣١ ]
• ويجاب عن ذلك
أن هذا الأثر ظاهره معارض لما روته عائشة نفسها في الصحيحين مرفوعًا: (أن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)، وله شاهد من حديث ابن عمر، وابن مسعود في الصحيحين.
فإن كان المسلك هو الترجيح، فله وجهان:
أحدهما: أن ما في الصحيحين أرجح، وقد اجتمع في الترجيح عاملان، الكثرة، وهي عامل ترجيح، وكون الرواية في صحيح البخاري ومسلم، بخلاف ما رواه أبو إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، فإن البخاري ومسلمًا أعرضا عنها.
الثاني: من وجوه الترجيح أن قولها: (وما كانوا يؤذنون حتى ينفجر الفجر) لفظ شاذ من قول عائشة، والمحفوظ أنه من قول الأسود، فلا حجة فيه، وقد بينت وجه شذوذه من خلال التخريج.
وإن كان المسلك هو الجمع، فسبيله: أن يقال: إن المنفي من قولها غير المثبت، فهي تنفي الأذان قبل الفجر لصلاة الصبح، وتثبت الأذان لبلال قبل الفجر، بدليل أن يونس وإسرائيل قد جمعا بين ما نفته وما أثبتته، فسقطت دعوى التعارض.
(ح-١٢٥) فقد رواه الإمام أحمد من طريق يونس عن أبي إسحاق، عن الأسود، قال: قلت لعائشة أم المؤمنين: أي ساعة توترين؟ لعلها قالت: ما أوتر حتى يؤذنوا، وما يؤذنون حتى يطلع الفجر، قالت: وكان لرسول الله ﷺ مؤذنان: بلال وعمرو بن أم مكتوم، فقال رسول الله ﷺ: إذا أذن عمرو فكلوا واشربوا، فإنه رجل ضرير البصر، وإذا أذن بلال فارفعوا أيديكم، فإن بلالًا لا يؤذن كذا قال: حتى يصبح (^١).
ويونس وإن كان في روايته عن والده ضعف، فقد تابعه إسرائيل عن أبي إسحاق.
فأثبتت الأذان قبل الفجر لابن أم مكتوم مع قولها: (وما يؤذنون حتى يطلع الفجر)، فكان نفيها متوجهًا للأذان الذي ينادى به للاجتماع لصلاة الصبح، وليس
_________________
(١) = ومخالفتها لما رواه عامة أصحاب شعبة حيث رووه بالشك، والله أعلم بالصواب.
(٢) انظر تخريجه في العزو السابق.
[ ١ / ٣٣٢ ]
للأذان مطلقًا، وإلا اعتبر آخر الكلام ينقض أوله.
الدليل السادس:
(ح-١٢٦) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير،
عن امرأة من بني النجار قالت: كان بيتي من أطول بيت حول المسجد وكان بلال يؤذن عليه الفجر فيأتي بسحر، فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر، فإذا رآه تمطى، ثم قال: اللهم إني أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك، قالت: ثم يؤذن، قالت: والله ما علمته كان تركها ليلة واحدة تعني هذه الكلمات (^١).
[ضعيف] (^٢).
_________________
(١) سنن أبي داود (٥١٩).
(٢) الحديث رواه أبو داود في سننه (٥١٩)، ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٦٢٥)، حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، حدثنا إبراهيم بن سعد به. وقد انفرد به أبو داود، ولم يروه غيره من أصحاب الكتب التسعة. وقال المزي في التحفة (١/ ١٢١)، وفي تهذيب الكمال (١/ ٤٣٣): «رواه أبو سعيد بن الأعرابي، عن أبي داود، قال: حدثت عن إبراهيم بن سعد». ورواه ابن هشام في السيرة (٣/ ٤٢) عن زياد بن عبد الله البكائي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن جعفر. فصرح محمد بن إسحاق بالتحديث، والسبيل في ترجيح أحد الطريقين العنعنة أو التصريح كالترجيح بين الوصل والإرسال، والزيادة والنقص، يقدم الأوثق على الثقة، والثقة على الصدوق، والصدوق على الضعيف، ولا شك أن إبراهيم بن سعد له عناية خاصة بالطريقة التي يحدث بها محمد بن إسحاق، كما سيأتي إن شاء الله تعالى عند النقل عنه. وسكت عليه أبو داود، وحسنه ابن دقيق العيد كما في نصب الراية (١/ ٢٨٧)، وابن حجر في الفتح (٢/ ٨١). وضعفه النووي في المجموع (٣/ ١١٤)، والخلاصة (٨٢٥). ولهذا الحديث أكثر من علة، وبعضها أقوى من بعض. العلة الأولى: هذا الحديث تفرد به أحمد بن محمد بن أيوب، وفيه غفلة، عن إبراهيم بن سعد، ولا أعلم أحدًا تابع أحمد بن محمد بن أيوب في روايته عن إبراهيم بن سعد. قال يعقوب بن شيبة: ليس من أصحاب الحديث، ولا يعرفه أحد بالطلب، إنما كان وراقًا. =
[ ١ / ٣٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال فيه الحافظ في التقريب: صدوق، كانت فيه غفلة، لم يدفع بحجة، قاله أحمد. فأحسن أحواله أن يكون صالح الحديث، ويتجنب ما ينفرد به، خاصة أن ابن عدي قال في الكامل ت السرساوي (١/ ٣٩٨): «روى عن إبراهيم بن سعد المغازي وأنكرت عليه، وحدث عن أبي بكر بن عياش بالمناكير». وهذا يعني أن المناكير ليست خاصة فيما روى عن أبي بكر بن عياش، بل حتى فيما رواه عن إبراهيم ابن سعد، فما تفرد به عن إبراهيم مما لم يتابع عليه يعتبر من منكراته، ولم يرو له أصحاب الكتب الستة إلا أبو داود روى عنه هذا الحديث فهو من مفرداته، واختلف عليه، فتارة يقول: حدثنا أحمد ابن محمد بن أيوب، وتارة يقول أبو داود: حدثت عن إبراهيم بن سعد، ويسقطه. وقد قال ابن سعد في الطبقات (٧/ ٣٥٣): «كان وراقًا يكتب للفضل بن يحيى بن جعفر بن برمك، فذكر أنه سمع المغازي من إبراهيم بن سعد مع الفضل بن يحيى، وذكر أنه سمع من أبي بكر بن عياش ما حدث به الفضل بن يحيى». وفي الجرح والتعديل (٢/ ٧٠): «قال يعقوب بن إبراهيم بن سعد: كان أبي كتب نسخة للفضل بن يحيى، فلم يقدر أن يسمعها». وقال يعقوب بن إبراهيم بن سعد كما في الكامل تحقيق السرساوي (١/ ٣٩٩) «قال إبراهيم بن هاشم، قلت ليعقوب بن إبراهيم بن سعد: كيف سمعت المغازي؟ قال: قرأها علي أبي وعلى أخي سعد بن إبراهيم، وقال: يا بني ما قرأتها على أحد». وساق ابن عدي بإسناده إلى إسحاق بن أبي إسرائيل، يقول: «قد أتيت أحمد بن محمد بن أيوب، وأنا أريد أن أسمعها منه -يعني المغازي- فقلت له: كيف أخذتها، سماعًا أو عرضًا؟ قال: فقال لي: سمعتها، فاستحلفته، فحلف لي، فسمعت منه، ثم رأيت شيئًا اطلعت منه فيه على سماعه فيما ادعى، فتركتها، فلست أحدث عنه شيئًا». والعبارة في تاريخ بغداد تحقيق بشار (٦/ ٦٢): «ثم رأيت أشياء اطعلت منه فيها على أشياء فيما ادعى، فتركتها». وقال يحيى بن معين كما في سؤالات ابن الجنيد (٨٦٣): «سئل يحيى، وأنا أسمع عن أحمد بن محمد بن أيوب صاحب مغازي إبراهيم بن سعد، فقال: لص كذاب، ما سمع هذه الكتب قط». وسئل عنه أحمد كما في ضعفاء العقيلي (٤/ ٩): فقال: ما أعلم أحدًا يدفعه بحجة. اه وهذه العبارة ليست توحي بالمعرفة، وإنما غايتها نفي الجرح، ونفي الجرح ليس توثيقًا، ويحيى جرحه مفسر، إذا أضفت إليه كلام يعقوب بن إبراهيم بن سعد، وكلام إسحاق بن =
[ ١ / ٣٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أبي إسرائيل، وإذا كان هذا الحديث في مغازي إبراهيم بن سعد فلماذا ينفرد به أحمد بن محمد بن أيوب عن إبراهيم بن سعد، ولا يرويه ابناه: يعقوب وإبراهيم، وقد سمعا من أبيهما المغازي، وهما أوثق منه، وأقرب، وأكثر أخذًا. وقال الخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٦٢): «كان يورق الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك، وذكر أنه سمع معه من إبراهيم بن سعد مغازي محمد بن إسحاق، فأنكر ذلك يحيى بن معين عليه، وأساء القول فيه إلا أن الناس حملوا المغازي عنه، وحدث أيضًا عن أبي بكر بن عياش. وكان أحمد بن حنبل جميل الرأي فيه، وسمع ابنه عبد الله منه». قال الخطيب: «يحتمل أن يكون إبراهيم قرأها لولديه قديمًا، وقال هذا القول، ثم قرأها آخر، فسمعها من أيوب …». قلت: هذا احتمال، والاحتياط للرواية أن لا تثبت بالاحتمال، بل العلم استصحاب القديم حتى يثبت العكس، والله أعلم. وعلى فرض أن يكون قد سمعها، وأنه كما قال إبراهيم الحربي: لو قيل له: اكذبْ ما أحسن أن يكذب. تاريخ بغداد (٦/ ٦٢)، فإنه لا يَسْلَم من الآتي: أن أحمد بن محمد بن أيوب فيه غفلة، وغايته ما قال فيه ابن عدي: صالح الحديث وليس بمتروك، وقد تفرد بهذه الرواية، ولم يروها غيره ممن روى مغازي إبراهيم بن سعد، كيعقوب وسعد ابني إبراهيم ابن سعد، وقد اختلف على أبي داود، فمرة يقول: حدثنا أحمد بن محمد ابن أيوب، ومرة يقول: حدثت عن إبراهيم بن سعد، كما سيأتي بيانه في العلة الرابعة، فمثل هذا لا يكون حسنًا، والله أعلم. العلة الثانية: أن إبراهيم بن سعد، له عناية خاصة بما يرويه ابن إسحاق بالعنعنة، وما يصرح فيه بالتحديث، قال أحمد: كان ابن إسحاق، يدلس، إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد إذا كان سماع قال: حدثني، وإذا لم يكن، قال: قال. قلنا. انظر: تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٢١)، تاريخ بغداد (١/ ٢٤٥)، موسوعة أقوال الإمام أحمد (٣/ ٢٣٩). ولم أقف على تصريح ابن إسحاق بالتحديث من طريق إبراهيم بن سعد، وإن جاء التصريح من رواية زياد بن عبد الله البكائي، كما في سيرة ابن هشام (٣/ ٤٢)، وهو ثقة في مغازي ابن إسحاق، لكنه لا يقدم على إبراهيم بن سعد، خاصة مع تصريح الإمام أحمد بعناية إبراهيم بن سعد في نقل الصيغة التي يحدث بها ابن إسحاق، فلو كان التصريح بالتحديث محفوظًا لنقله إبراهيم بن سعد خاصة مع عنايته بهذا الشأن، فأخشى ألا يكون محفوظًا ما نقله زياد البكائي، والله أعلم، ولهذا السبب ضعفه النووي. العلة الثالثة: سماع عروة بن الزبير من المرأة النجارية. فقد أبهم أبو داود اسم المرأة من بني النجار، وواضح أنها تنقل أن بلالًا هو الذي يؤذن لصلاة الصبح، ومعلوم أن الأذان أول ما شرع كان بلال يؤذن وحده، حتى إذا اتسعت المدينة، وكبرت =
[ ١ / ٣٣٥ ]
وجه الاستدلال:
الحديث صريح أن بلالًا لا يؤذن حتى يدخل وقت صلاة الفجر.
• وأجيب بجوابين:
الجواب الأول:
أن بلالًا كان أول ما شرع الأذان يؤذن وحده، ولا يؤذن للصبح حتى يطلع الصبح، وإنما احتيج للأذان الثاني حين كبرت المدينة، واتسعت، واحتاج الناس إلى الأذان قبل الوقت ليتأهبوا للصلاة، كما احتاج الناس إلى إحداث الأذان الأول للجمعة قبل الصلاة.
_________________
(١) = احتاج الصحابة إلى أذان آخر قبل الصبح من أجل أن يتأهبوا لصلاة الصبح، فأمر بالأذان ابن أم مكتوم، وصار بلال يؤذن بليل، ومعلوم أن الأذان شرع في أول السنة الثانية من الهجرة، وهذا يعني تقدم صحبة هذه المرأة من بني النجار، بينما عروة بن الزبير ولد في أول خلافة عثمان، أو أواخر خلافة عمر، فإلى حين أن يكبر، ويتأهل للسماع يحتاج إلى سنوات، فأخشى أن يكون عروة بن الزبير لم يسمعه من هذه الصحابية، وتكون روايته عنها كروايته عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وعويم بن ساعدة، وغيرهم ممن يرسل عنهم، ولم أقف على طريق واحد يصرح به عروة بن الزبير بالسماع من هذه المرأة. وقد ذكر ابن سعد في الطبقات الكبرى أن اسمها النوار بنت مالك بن صرمة، أم زيد بن ثابت، قال ابن سعد في الطبقات (٨/ ٤١٩) أخبرنا محمد بن عمر، حدثني معاذ بن محمد، عن يحيى ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، قال: أخبرني من سمع النوار أم زيد بن ثابت تقول: كان بيتي أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يؤذن فوقه من أول ما أذن إلى أن بنى رسول الله ﷺ مسجده، فكان يؤذن بعد على ظهر المسجد، وقد رفع له شيء فوق ظهره، إلا أن هذا الإسناد ضعيف جدًّا، فيه الواقدي محمد بن عمر رجل أخباري متروك، ومعاذ بن محمد مجهول، والراوي عن النوار مبهم. العلة الرابعة: الاختلاف فيه على أحمد بن محمد بن أيوب: فرواه أبو داود في سننه (٥١٩) حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب. وقال المزي في التحفة (١/ ١٢١)، وفي تهذيب الكمال (١/ ٤٣٣): «رواه أبو سعيد بن الأعرابي، عن أبي داود، قال: حدثت عن إبراهيم بن سعد». العلة الخامسة: ذكر بعضهم أن هذا الحديث معارض لحديث: إن بلالًا يؤذن بليل، وهذا ليس بشيء. هذه خمس علل، وبعضها لا يمكن دفعه تدل على ضعف هذا الحديث، والله أعلم.
[ ١ / ٣٣٦ ]
الجواب الثاني:
أن الحديث لا يدل على نفي الأذان قبل دخول الوقت، فعلى فرض صحته فإن غايته أن يدل على صحة الأذان للفجر بعد طلوع الفجر، وهذا ليس محل خلاف، وإنما الخلاف على جواز الأذان قبل دخول الوقت، والحديث لم يتعرض له.
الدليل السابع:
أجمع العلماء على أن سائر الصلوات لا يجوز الأذان لها قبل وقتها، واختلفوا في الصبح، فواجب أن ترد الصبح إلى غيرها من الصلوات قياسًا عليها، وما ورد من خبر يجيز الأذان للصبح قبل الوقت يجب رده لمخالفته الأصول والقياس.
• ويجاب عن ذلك بثلاثة أوجه:
الوجه الأول: كل قياس في مقابل النص فهو قياس فاسد.
الوجه الثاني: أن السنة الصحيحة أصل بنفسها، فلا تعارض بغيرها.
الوجه الثالث: قياس الفجر على غيرها من الأوقات قياس غير صحيح، فالفجر يأتي على الناس، وهم في نومهم، ومنهم السريع والبطيء، والسنة التغليس فيها، والخروج منها بغلس.
فالأذان نوعان: أذان يقصد منه التأهب لفعل الصلاة كما في أذان الصبح قبل الوقت، وأذان يقصد منه الدعوة للاجتماع للصلاة، وهذا لا يصح قبل الوقت. وإذا لم تمنع الأصول والقياس اختصاص الفجر بالتثويب لم تمنع من اختصاص الفجر بأذان قبل الوقت للتأهب لفعلها.
ولهذا لما اتسعت المدينة في عهد عثمان ﵁، وكان الصحابة بحاجة إلى تنبيه الناس للصلاة حتى يرجعوا من أسواقهم ويستعدوا لصلاة الجمعة، زاد الخليفة عثمان ﵁ الأذان الأول للجمعة، ووافق على ذلك الصحابة ﵃، وهو نداء للجمعة ولكن ليس لفعلها، وإنما للتأهب لها.
• حجة من قال: لا يؤذن قبل الوقت إلا في رمضان خاصة:
(ح-١٢٧) ما رواه البخاري من طريق أبي عثمان،
عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: لا يمنعن أحدكم أذان بلال من
[ ١ / ٣٣٧ ]
سحوره، فإنه يؤذن -أو قال ينادي- ليرجع قائمكم، وَيُنبِّهَ نائمكم، وليس الفجر أن يقول هكذا -وجمع يحيى كفيه - حتى يقول هكذا. وَمَدَّ يحيى إِصْبَعَيْهِ السبابتين (^١).
• ويجاب عليه بأجوبة منها:
الجواب الأول:
أن هذا فرد من أفراد العموم، فلا يقتضي تخصيصًا، فإذا أذن المؤذن قبل الفجر في رمضان كان هذا دليلًا على جوازه في شعبان، وفي شوال، ومن خص أو قيد، أو استثنى فعليه الدليل.
الجواب الثاني:
أن السحور لا يختص في رمضان، وإنما هو من أحكام الصيام، ولم يرد في الأحاديث ذكر لرمضان، فمن أخذ من كلمة السحور أن هذا خاص في رمضان فقد أخطأ.
وقد روى ابن عباس في قصة إمامة جبريل له في ذكر أوقات الصلاة، فجاء فيه: «ثم صلى الفجر حين برق الفجر، وحرم الطعام على الصائم … وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم» (^٢).
ولا يؤخذ من هذا الحديث أن هذا كان في رمضان لذكر الصيام.
الجواب الثالث:
أن الأذان قبل الفجر وظيفته كما قال ﷺ: ليرجع قائمكم، ولينتبه نائمكم، والرجوع والانتباه من أجل التأهب لصلاة الفجر، وهذا لا يختص في رمضان.
(ح-١٢٨) وقد روى عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري،
عن ابن المسيب، أن النبي ﷺ قال: إن بلالا يؤذن بليل، فمن أراد الصيام فلا يمنعه أذان بلال، حتى يؤذن ابن أم مكتوم، قال: وكان أعمى فكان لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري (٧٢٤٧)، وصحيح مسلم (١٠٩٣).
(٢) رواه أبو داود (٣٩٣)، والترمذي (١٤٩)، وهو حسن بطرقه، وسوف يأتي تخريجه إن شاء الله تعالى عند الكلام على أوقات الصلاة، انظر: المجلد الثالث (ح: ٤٥٥).
(٣) المصنف (٧٦١٣).
[ ١ / ٣٣٨ ]
[رجاله ثقات، لكنه مرسل، ومرسلات ابن المسيب من أقوى المراسيل] (^١).
حجة من قال: لا يؤذن قبل الفجر إلا أن يكون للمسجد مؤذنان:
حديث عائشة في الصحيحين، وحديث ابن مسعود فيهما أن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت.
ولأنه إذا لم يتميز الأول عن الثاني بالشخص ربما التبس على الناس الأذان الأول بالأذان الثاني، فصلوا قبل دخول الوقت، بخلاف إذا تميز أحدهما بالشخص لم يلتبس الأمر عليهم، والله أعلم.
• الراجح:
أن الأذان قبل دخول الوقت للفجر لا يجزئ عن الأذان بعد طلوع الفجر، وأن الفجر لها أذانان، ولكل واحد منهما وظيفة، فالأذان قبل الوقت ليرجع القائم ولينتبه النائم، وهذا لا يغني عن الأذان بعد دخول الوقت، والأذان بعد دخول الوقت وظيفته دعوة المسلمين لفعل الصلاة، فكما أن سائر الأوقات لا يؤذن لها إلا بعد دخول وقتها، فكذلك الصبح يجب الأذان لها بعد دخول وقتها، وقد روى الشيخان من حديث مالك بن الحويرث: إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، فهذا عام، يدخل فيه الفجر وغيره، وما يقع قبل دخول الوقت لصلاة الصبح لم يكن للصلاة حتى يغني عن الثاني، والله أعلم.
_________________
(١) سبق تخريجه عند تخريج حديث عبد الله بن زيد، انظر ح (٢٧).
[ ١ / ٣٣٩ ]