في اشتراط كون الأذان من شخص واحد وكذلك الإقامة
المدخل إلى المسألة:
• شروط العبادة كالعبادة، لا يثبت شرط منها إلا بدليل صحيح، والأصل عدم الاشتراط.
• الأذان فرض كفاية، وفروض الكفايات المطلوب تحصيل الفعل بغض النظر عن الفاعل، والفعل قد وجد كاملًا.
[م-٤٠] إذا عرض للمؤذن في أثناء الأذان عذر حمله على ترك الأذان، فهل يجوز البناء على أذانه، أو إقامته، أو أنه يشترط أن يقوم بالأذان شخص واحد، وكذلك الإقامة؟
اختلف العلماء في هذا:
فقيل: يشترط أن يكون ذلك من شخص واحد، فإذا عرض للمؤذن ما حمله على قطع الأذان، استأنف الأذان شخص آخر، وكذلك الإقامة، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والأصح في مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة (^١).
وقيل: يصح البناء على أذان غيره، وهو وجه للشافعية، ووافقهم أشهب من المالكية في الإقامة (^٢).
_________________
(١) شرح معاني الآثار (١/ ١٤٢)، المبسوط (١/ ١٣٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٩٣)، الفتاوى الهندية (١/ ٥٥)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٤)، مواهب الجليل (١/ ٤٢٧)، حاشية العدوي على الخرشي (١/ ٢٣٠)، الأم (١/ ٨٦)، المجموع (٣/ ١٢٣)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٥٣٤)، المهذب (١/ ٥٨)، الإنصاف (١/ ٤١٨)، المغني (١/ ٢٥٤)، كشاف القناع (١/ ٢٤٠)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٩٢)، الكافي لابن قدامة (١/ ١٠٤).
(٢) الذخيرة (٢/ ٥٣)، مواهب الجليل (١/ ٤٢٧)، المجموع (٣/ ١٢٢)، حلية العلماء لأبي بكر القفال (٢/ ٣٩).
[ ١ / ٣٦٦ ]
• حجة من قال: لا يجوز البناء على أذان الغير:
الدليل الأول:
حكى بعض العلماء الإجماع على عدم الصحة، قال في الإنصاف: «فلو أذن واحد بعضه، وكمَّله آخر لم يصح بلا خلاف أعلمه» (^١).
• ونوقش:
بأن الخلاف محفوظ، ولعله يقصد به اتفاق أصحاب الإمام أحمد كما هي عادة كتب المذاهب، فلو عبر بالاتفاق لكان أدق.
الدليل الثاني:
(ح-١٣٧) ما رواه أبو داود من طريق عبد الله بن عمر بن غانم، عن عبد الرحمن ابن زياد يعني الأفريقي، أنه سمع زياد بن نعيم الحضرمي،
أنه سمع زياد بن الحارث الصُّدَائي، قال: لما كان أول أذان الصبح أمرني يعني النبي ﷺ فأذنت، فجعلت أقول: أقيم يا رسول الله؟ فجعل ينظر إلى ناحية المشرق إلى الفجر، فيقول: لا، حتى إذا طلع الفجر نزل فبرز، ثم انصرف إلي وقد تلاحق أصحابه - يعني فتوضأ - فأراد بلال أن يقيم، فقال له نبي الله ﷺ: إن أخا صُدَاءٍ هو أذن ومن أذن فهو يقيم، قال: فأقمت (^٢).
[ضعيف] (^٣).
وجه الاستدلال:
إذا كانت الإقامة يقوم بها من أذن، فجمل الأذان الواحد من باب أولى.
الدليل الثالث:
أن الأذان عبادة، والأصل في العبادات المنع، وصحة البناء على أذان الغير يحتاج تصحيحه إلى دليل من الشارع، وإذا لم يثبت فالأصل المنع.
_________________
(١) الإنصاف (١/ ٤١٨).
(٢) سنن أبي داود (٥١٤).
(٣) سبق تخريجه، انظر (ح ١١٦).
[ ١ / ٣٦٧ ]
الدليل الرابع:
القياس على الصلاة، قال ابن قدامة: «وليس للرجل أن يبني على أذان غيره؛ لأنه عبادة بدنية، فلا يصح من شخصين كالصلاة …» (^١).
• ويجاب:
بأن البناء على الصلاة جائز على الصحيح، فلو حصل للإمام عذر، واستخلف غيره قبل خروجه من الصلاة بنى على صلاته.
فإن قيل: هذا بنى على الإمامة، وليس على الصلاة.
فالجواب: أن بعض الفقهاء يرى أن الإمام لو كان مسبوقًا بنى على نسق صلاة الإمام، وليس على صلاته هو.
الدليل الخامس:
أن الأذان من الاثنين لا يحصل به المقصود من الإعلام، فالسامع يظن أن ذلك على وجه اللهو واللعب.
• ويناقش:
بأن هذا الظن بعيد؛ لأن الأذكار من الكبار لا يتصور أنها على وجه اللهو واللعب لو وقعت خارج الأذان، فكيف والناس يتحينون الأذان.
• حجة من قال: يجوز البناء:
الدليل الأول:
شروط العبادة كالعبادة، فإذا كانت العبادة لا تثبت إلا بدليل، فكذلك شروطها لا تثبت إلا بدليل؛ لأن الشروط أوصاف فيها، ولا يوجد نص من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله ﷺ يشترط أن يكون الأذان من واحد.
الدليل الثاني:
أن الأذان فرض كفاية، وفروض الكفايات يكون المطلوب فعلها بغض النظر عن الفاعل، فإذا فعلت فقد صحت، وإفساد العبادة هو الذي يحتاج إلى دليل، ولا دليل على بطلان العبادة من الشرع.
_________________
(١) المغني (١/ ٢٥٤).
[ ١ / ٣٦٨ ]
الدليل الثالث:
إذا صح البناء على الصلاة في أصح قولي العلماء، صح البناء على الأذان من باب أولى؛ ذلك أن الأذان لا يتأثر بالكلام اليسير ولا الإغماء اليسير، بخلاف الصلاة.
• ونوقش هذا:
بأن هناك فرقًا بين الاستخلاف في الصلاة والاستخلاف في الأذان؛ لأن المستخلف في الصلاة قد أتى بها كاملة، وإن بنى على صلاة غيره، والمستخلف في الأذان إذا بنى لم يَأْتِ به كاملًا، فلم يجزه (^١).
• ويرد عليه:
بأن القياس هو على جواز البناء على نية الإمامة، وليس على أفعال الصلاة، فهو لم يَنْوِ الإمامة حين كان مأمومًا، وصح البناء على نية إمامه، وكون المستخلف قد أتى بأفعال الصلاة كاملة ذلك أن فرض الصلاة وجوبه على الأعيان، فطلبت كاملة، والأذان وجوبه على الكفاية، فصح البناء.
الدليل الرابع:
من العلماء من قاس جواز البناء على الأذان بجواز البناء على خطبة الخطيب إذا أغمي عليه في أثنائها (^٢).
• وقد يناقش:
بأن خطبة الخطيب ألفاظها غير متعينة، بخلاف الأذان، والله أعلم.
• الراجح:
ليس في المسألة نص يمكن التحاكم إليه، والأقرب أننا إذا رجحنا أن الأذان فرض كفاية، فيكون المطلوب هو قيام الفعل بغض النظر عن الفاعل، والفعل قد وجد كاملًا، وما دام أنه لا يوجد فاصل طويل لا يتصور الناس معه سماع كامل الأذان، فيصح البناء، والله أعلم.
_________________
(١) انظر الحاوي الكبير (٢/ ٤٧).
(٢) فتح العزيز (٣/ ١٨٦).
[ ١ / ٣٦٩ ]