في اشتراط أن يكون الأذان بالعربية
المدخل إلى المسألة
• كل متعبَّد بلفظه كالأذان والتكبير في الصلاة، والتشهد، ونحوها لا يصح من القادر على العربية أن يبدل ألفاظها، ولو بلفظ عربي من معناها، الأصل فيه قول النبي ﷺ للصحابي الذي قال: آمنت بكتابك الذي أنزلْتَ وبرسولك الذي أرسلْتَ، فقال له النبي ﷺ: قل: وبنبيك الذي أرسلت. متفق عليه.
• ألفاظ الأذان توقيفية، متعبد بلفظها، ومقصود معناها، فلا تغير بزيادة، ولا نقص، ولا تبديل إلا من عاجز.
• ما كان المقصود منه لفظه ومعناه، فإن كان لإعجازه امتنعت ترجمته مطلقًا، وإن لم يكن لإعجازه امتنعت ترجمته في حق القادر على العربية، كالأذان، وتكبيرة الإحرام، والتشهد، والأذكار المقيدة، ونحوها. وما كان مقصودًا معناه دون لفظه فيجوز بأي لغة مطلقًا، للقادر وغيره، كالبيع، ونحو ذلك، ومنه رواية الحديث بالمعنى بشرطه.
[م-٣٩] اختلف الفقهاء في اشتراط العربية في الأذان:
فقيل: يصح إن عَلِمَ الناس أنه أذان، وإلا لم يصح، وهذا قول أبي حنيفة (^١).
وجهه: أن الناس إذا علموا أنه أذان فقد حصل الإعلام، وهو المقصود، وإذا لم يعلموا أنه أذان لم يحصل به الإعلام، ولأن الأذان ذكر، وهو حاصل بكل لسان.
وقيل: العربية شرط لصحة الأذان، وهو الأصح في مذهب الحنفية، ومذهب
_________________
(١) المبسوط (١/ ٣٧)، بدائع الصنائع (١/ ١١٣)، فتح القدير (١/ ٢٨٦).
[ ١ / ٣٦٣ ]
الشافعية والحنابلة (^١).
واستثنى الشافعية، والحنابلة في قول: العاجز الذي يؤذن لنفسه (^٢).
وألحق به الشافعية العاجز إذا أذن لجماعة ليس فيهم من يحسن العربية (^٣).
ولم يذكر المالكية من شروط الأذان أن يكون بالعربية، فأكثر من ذكر الشروط هو صاحب الجواهر، نقلًا من الذخيرة، ولم يذكر منها أن يكون بالعربية،
قال: «يشترط أن يكون مسلمًا، عاقلًا، مميزًا، ذكرًا، بالغًا، عدلًا، عارفًا بالأوقات، صيتًا، حسن الصوت» (^٤).
وبعض هذه الشروط قد تكون شروط كمال، وليست شروط صحة، مثل كونه
_________________
(١) جاء في الجوهرة النيرة (١/ ٤٥): «ويصح الأذان بالفارسية إذا علم أنه أذان، وأشار في شرحه للكرخي إلى أنه لا يصح، وهو الأظهر والأصح». وانظر النهر الفائق (١/ ٢٠٦)، منحة الخالق على البحر الرائق (١/ ٣٢٤)، نور الإيضاح ونجاة الأرواح (ص: ٤٧)، حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ١٥٠)، المنثور للزركشي (١/ ٢٨٢)، نهاية المحتاج (١/ ٤١٩)، حاشية الجمل (١/ ٣٠٤)، الإقناع في فقه الإمام أحمد (١/ ٧٧)، الإنصاف (١/ ٤١٣)، كشاف القناع (١/ ٢٣٧).
(٢) المنثور للزركشي (١/ ٢٨٢)، وجاء في الإنصاف (١/ ٤١٣): «لا يشرع الأذان بغير العربية مطلقًا على الصحيح من المذهب. وقيل: لا يجوز بغير العربية إلا لنفسه مع عجزه، قاله أبو المعالي، ذكره عنه في الفروع في آخر باب الإحرام».
(٣) قال الماوردي كما في الحاوي (٢/ ٥٨): «إن أذن بالفارسية، فإن كان أذانه لصلاة جماعة لم يجز، سواء أكان يحسن العربية أم لا؛ لأن غيره قد يحسن، وإن كان أذانه لنفسه، فإن كان يحسن العربية لم يجزه، كأذكار الصلاة، وإن كان لا يحسن العربية أجزأه، وعليه أن يتعلم». ونقل هذا النص النووي في المجموع (٣/ ١٣٧)، وقال: «وهذا الذي قاله من أن مؤذن الجماعة لا يجزئه بالفارسية وإن لم يحسن العربية محمول على ما إذا كان في الجماعة من يحسن العربية، فإن لم يكن صح، وقد أشار إليه في تعليقه». ونقل السبكي في الأشباه والنظائر (٢/ ١٠٨) عن الشيخ الإمام قوله: «إن قلنا الأذان سنة فهو كأذكار الصلاة فليجر فيه الخلاف الذي فيها، أو فرض كفاية، وقام به غيره فكذلك، وإلا فينبغي أن يجوز للعاجز قطعًا كالتكبير. قلت (السبكي): أي يتعين حينئذ على القادر فإن امتنع جاز للعاجز».
(٤) الذخيرة للقرافي (٢/ ٦٤).
[ ١ / ٣٦٤ ]
صيتًا حسن الصوت، والله أعلم.
• وجه القول باشتراط العربية:
أن الأذان، وإن كان المقصود منه الإعلام، إلا أننا متعبدون بلفظه.
قال العلماء: الألفاظ المتعبد بلفظها، كالأذان، والإقامة، والتكبير، والتشهد في الصلاة لا يجوز نقله بالمعنى؛ لأننا متعبدون بلفظه (^١).
وإذا كان لا يصح من العربي تبديل ألفاظ الأذان بغيرها، ولو كانت بلفظ عربي له نفس المعنى، فكذلك لا يجوز للقادر على العربية من باب أولى أن يبدله بلغة أعجمية.
والقاعدة في هذا: أن ما كان المقصود منه لفظه ومعناه، فإن كان لإعجازه كالقرآن الكريم امتنعت ترجمته. وإن كان يقصد لفظه ومعناه، ولكن لا يقصد منه الإعجاز امتنع للقادر كالأذكار، والأذان، والتشهد، وجاز للعاجز. وما كان المقصود معناه دون لفظه فجائز ترجمته مطلقًا، عن العاجز وغيره.
_________________
(١) قواعد ابن رجب، القاعدة العاشرة (ص: ١٣)، المنثور للقواعد الفقهية (١/ ٢٨٣)، مذكرة أصول فقه للشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ص: ١٦٧).
[ ١ / ٣٦٥ ]