المدخل إلى المسألة:
• وقوع الأذان في الوقت شرط، ومعرفة المؤذن بنفسه أمارة دخول الوقت مستحب.
• الأذان إعلام بدخول الوقت فاشترط علم المؤذن بدخوله إما بنفسه أو بخبر ثقة، أو تبعًا لأذان غيره من الثقات.
• يجوز التقليد بالمواقيت، ولو أمكن الاجتهاد، ومنه الاعتماد على الساعة والتقويم الحسابي في دخول الوقت.
• معرفة أوقات الصلوات فرض على الكفاية؛ لجواز التقليد في الأوقات.
•صحة الأذان من الأعمى دليل على أنه لا يشترط علم المؤذن بنفسه بدخول الوقت.
• إذا جاز لعامة المسلمين تقليد المؤذن في دخول الوقت، جاز تقليد المؤذن لغيره بدخول الوقت.
[م-٢٧] يشترط لصحة الأذان أن يكون في الوقت، وهذا لا خلاف فيه، فهل يشترط في المؤذن أن يكون عارفًا بطرق دخول الوقت أو يعتبر العلم بها من صفات الكمال والاستحباب؟
اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: العلم بطرق دخول الوقت من صفات الاستحباب والكمال. وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، وأحد القولين في مذهب الشافعية (^١).
_________________
(١) جاء في حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ٨٩): «والأفضل أن يكون المؤذن عالمًا =
[ ١ / ٢٦٨ ]
وقيل: يشترط في المؤذن أن يكون عالمًا بطرق دخول الوقت، وهو قول في مذهب الحنابلة، وأطلق القول بالشرطية من المالكية القرافي في الذخيرة، وابن الحاج في المدخل، وابن جزي في القوانين، والنفراوي في الفواكه الدواني (^١).
_________________
(١) = بالسنة وبمواقيت الصلاة». وجاء في بدائع الصنائع (١/ ١٥٠): «ومنها: أي من سنن الأذان أن يكون عالمًا بأوقات الصلاة، حتى كان البصير أفضل من الضرير؛ لأن الضرير لا علم له بدخول الوقت، والإعلام بدخول الوقت ممن لا علم له بالدخول متعذر». وانظر عمدة القارئ (٥/ ١٤١)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٤٤)، البحر الرائق (١/ ٢٦٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٩٣). وجاء في شرح منتهى الإرادات (١/ ١٣٣): «وسن أيضًا كونه عالمًا بالوقت ليؤمن خطؤه». وقال في المستوعب (١/ ٦١): «ويستحب أن يكون المؤذن ثقة أمينًا عالمًا بالوقت، فإن لم يكن عالمًا قلد غيره، وأجزأه أذانه». وانظر المغني (١/ ٢٤٨)، الإنصاف (١/ ٤٠٩). وقال الشافعي في الأم (١/ ١٠٣): «وإذا كان المقدم من المؤذنين بصيرًا بالوقت لم أكره أن يكون معه أعمى، وإن كان الأعمى مؤذنًا منفردًا ومعه من يعلمه الوقت لم أكره ذلك له، فإن لم يكن معه أحد كرهته؛ لأنه لا يبصر». وقال في أسنى المطالب (١/ ١٢٨): «فشرط أذان المؤذن راتبًا أو غيره معرفته الأوقات بأمارة أو غيرها، وهو الوجه فإن ابن أم مكتوم كان راتبًا مع أنه لا يعرفها بالأمارة، فإنه كان لا يؤذن للصبح حتى يقال له: أصبحت أصبحت». وانظر تحفة المحتاج (١/ ٤٧٣)، المهذب (١/ ٥٧)، نهاية المحتاج (١/ ٤١٤).
(٢) المدخل لابن الحاج (٢/ ٢٠٠)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٦٤)، القوانين الفقهية (ص: ٣٧)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٤). وحمله الحطاب في مواهب الجليل على أن هذا شرط يجب في المؤذن ابتداء: أي يجب أن يوكل بالأوقات من يفهم، ويعرف الأوقات كلها ممن يوثق به، وينهى أن يبتدئ بالأذان من لا يعلم الأوقات. ومن قال: إن العلم بالأوقات من صفات الاستحباب كالفاكهاني فإنه يحمل على أنه لو أذن تبعًا لغيره صح أذانه. انظر مواهب الجليل (١/ ٤٣٦). ولم يذكر ابن الحاجب في جامع الأمهات (ص: ٨٧)، ولا ابن شاس في الجواهر (١/ ٩٠)، ولا ابن يونس في الجامع (١/ ٤٣٠)، ولا الدميري في الشامل (١/ ٩١) لم يذكروا العلم=
[ ١ / ٢٦٩ ]
قال القرافي: «ففي الجواهر يشترط أن يكون مسلمًا عاقلًا مميزًا، ذكرًا، بالغًا، عارفًا بالمواقيت» (^١).
وقال ابن الحاج في المدخل: «والمؤذن شرطوا فيه ثمانية أوصاف: وهي أن يكون مسلمًا … عارفًا بالأوقات» (^٢).
وفي شرح زروق على متن الرسالة: «وشرط المؤذن كونه مسلمًا عاقلًا ذكرًا، عارفًا بالأوقات» (^٣).
وقيل: يشترط العلم بالوقت إن كان يقتدى به ويعتمد عليه في دخوله، فإن كان يؤذن تبعًا لغيره لم يشترط العلم بالوقت، وظاهره أنه لا فرق بين المؤذن الراتب وغيره، وبه قال ابن عرفة من المالكية.
وقد نص المالكية على جواز أذان الأعمى وقيده كثير من المالكية بأَنْ كان تبعًا لغيره، أو قَلَّد ثقة، وهذا يدل على أن العلم بالوقت ليس شرطًا في صحة الأذان إلا أن يقتدى به (^٤).
_________________
(١) = بالوقت من شرط الأذان. قال ابن الحاجب في جامع الأمهات (ص: ٨٧): «وشرط المؤذن أن يكون مسلمًا عاقلًا بالغًا، ذكرًا، وفي الصبي قولان». اه بل إنه ذكر صفات الاستحباب ولم يذكر منها العلم بالمواقيت. ولم يذكر خليل في مختصره أيضًا العلم بالوقت لا من شروط الوجوب، ولا من شروط الاستحباب، لكنه جوز الأذان من الأعمى، وقيده الشراح بأن يكون تابعًا لغيره، أو لمعرفة ثقة. فقال خليل في مختصره (ص: ٢٨): «وصحته بإسلام وعقل وذكورة، وبلوغ، وندب متطهر، صيت، مرتفع، قائم إلا لعذر، مستقبل إلا لإسماع». اه
(٢) الذخيرة للقرافي (٢/ ٦٤)، وبالرجوع إلى الجواهر الثمينة لابن شاس لم أجد فيه العلم بالوقت من شروط الأذان، قال ابن شاس في الجواهر (١/ ٩٠): «يشترط أن يكون مسلمًا عاقلًا مميزًا ذكرًا، فلا يعتد بأذان كافر، أو مجنون، أو سكران مخبط، أو امرأة، ولا يؤذن إلا من احتلم ». بل إن صاحب الجواهر لم يذكر العلم بالوقت حتى من صفات الاستحباب.
(٣) المدخل لابن الحاج (ص: ٢/ ٢٠٠).
(٤) شرح زروق على متن الرسالة (١/ ٢٠٧).
(٥) التاج والإكليل (٢/ ٨٨)، مواهب الجليل (١/ ٤٣٦). =
[ ١ / ٢٧٠ ]
جاء في التاج والإكليل نقلًا عن ابن عرفة: «يجب كون المؤذن عدلًا عالمًا بالوقت إن اقتدي به» (^١).
وقيل: يشترط العلم بالوقت في المؤذن الراتب، أما من يؤذن لنفسه، أو يؤذن لجماعة مرة فليس بشرط، وظاهره أنه شرط في المؤذن الراتب من غير فرق بين أن يؤذن ابتداءً، أو تبعًا لغيره، وهذا مذهب الشافعية (^٢).
وقال الرملي: «والحاصل أن شرط جواز نصب مؤذن راتب معرفته بالمواقيت» (^٣).
• وجه القول بأنه شرط مطلقًا:
الوجه الأول:
أن الأذان إعلام بدخول الوقت، فاشترط العلم به لحصول المقصود.
الوجه الثاني:
أن اعتماد المؤذن على غيره في دخول الوقت سوف يُفَوِّت على الناس فضيلة أول الوقت، وقد يتأخر الأذان عن وقت الإمساك عن الأكل لاشتغاله بمعرفة الوقت عن طريق من يقلده.
• دليل من اعتبر علم المؤذن بالمواقيت بنفسه من صفات الكمال:
الدليل الأول:
(ح-١٠٣) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،
عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم، ثم قال: وكان رجلًا أعمى، لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت (^٤).
_________________
(١) = قال ابن يونس (١/ ٤٣٢): وجائز أذان الأعمى وإمامته، وقد كان مؤذن النبي ﷺ أعمى. وقال المعونة (١/ ٢٠٥): ويجوز اتخاذ الأعمى مؤذنًا … وقيده الدردير في الشرح الكبير (١/ ١٩٨)، وصاحب منح الجليل (١/ ٢٠٣)، والخرشي (١/ ٢٣٤) بأن يكون تابعًا لغيره أو يقلد ثقة.
(٢) التاج والإكليل (٢/ ٨٨).
(٣) تحفة المحتاج (١/ ١٢٨)، نهاية المحتاج (١/ ٤١٤)، المجموع (٣/ ١٠٢).
(٤) غاية البيان شرح زبد ابن رسلان (ص: ٩١).
(٥) صحيح البخاري (٦١٧)، ورواه مسلم (١٠٩٢) دون قوله: (أصبحت أصبحت).
[ ١ / ٢٧١ ]
وجه الاستدلال:
صحة الأذان من الأعمى إذا كان له من يخبره بالوقت دليل على أنه لا يشترط عَلِم المؤذن بنفسه بدخول الوقت، وإنما يشترط ألا يؤذن حتى يعلم أنه قد دخل الوقت، سواء أعَلِم ذلك بنفسه، أم كان ذلك عن تقليد مؤذن ثقة، أم كان له ثقة يخبره بدخول الوقت، وسوف يأتي البحث إن شاء الله في حكم أذان الأعمى وإقامته.
• ونوقش:
بأن قوله: (وكان رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت) ظاهر الحديث أنها من كلام ابن عمر، لكن ورد في الرواية ما يبين أنها من كلام الزهري، وبعضهم رواها من كلام سالم بن عمر (^١).
• ويرد:
بأن هذا الكلام سواء أكانت الزيادة من كلام ابن عمر أم من كلام سالم أم من غيرهما، لا يتغير الاستدلال بالحديث من جهة وقوع الأذان من الرجل الأعمى.
ويجاب:
بأن قوله: (لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت) يدل على جواز أن يتأخر الأذان عن وقت الإمساك قدرًا من الوقت؛ لأن ما بين تلقي الأعمى خبر دخول الوقت عن طريق من يبلغه وبين إعلانه الأذان قدر من الوقت يفوت على الناس فيه الإمساك عن الطعام، بينما إذا كان في مكان الأذان قبل الوقت ومعه من يبلغه حتى إذا طلع الفجر طلب من الأذان، ففي هذه الحالة لا فرق فيه بين الأعمى والبصير.
_________________
(١) قال ابن رجب في شرحه للبخاري (٥/ ٣٠٨): «رواه الجماعة عن القعنبي، عن مالك، فأسندوا الحديث، وجعلوا قوله: (وكان رجلا أعمى) إلى آخره من قول الزهري، منهم: عثمان ابن سعيد الدارمي والقاضي إسماعيل وأبو خليفة الفضل بن الحباب وإسحاق بن الحسن. وروى هذا الحديث ابن وهب، عن الليث ويونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه - فذكر الحديث، وزاد: قال يونس في الحديث: قال سالم: وكان رجلًا ضرير البصر، ولم يكن يؤذن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر أذِّن. أخرجه البيهقي». اه
[ ١ / ٢٧٢ ]
الدليل الثاني:
معرفة مواقيت الصلاة من فروض الكفايات، وليس من فروض الأعيان، وهذا يعني: جواز التقليد في دخول الوقت، فإذا جاز تقليد الثقة بالمواقيت صح الأذان بالتقليد، وعليه عمل المؤذنين اليوم فإن جل المؤذنين اليوم يعتمدون على الساعة وعلى التقاويم الحسابية في دخول الوقت.
الدليل الثالث:
كل من أذن بالوقت فإن أذانه صحيح، سواء أعلم المؤذن الوقت بنفسه أم بخبر الثقة، فدل على أن معرفة المؤذن الوقت بنفسه ليست بشرط.
وإنما يستحب له على معرفته أمارة دخول الوقت بنفسه، لأن معرفة الوقت عن طريق غيره ربما فوَّت على الناس فضيلة أول الوقت باشتغاله بمعرفتها.
• وجه القول بأنه شرط إن كان يعتمد عليه في دخول الوقت:
كل مؤذن يقتدى به في دخول الوقت، ويعتمد عليه في الإمساك والإفطار، كما لو كان يؤذن وحده في القرية، أو كان ممن يبتدئ بالأذان ولم يكن أذانه تبعًا لغيره فإنه يشترط له العلم بالمواقيت حتى لا يقع في الخطأ، فيؤذن قبل الوقت فيغر الناس بأذانه، وربما تأخر بالأذان طلبًا لعلم من يقلده فيأكل الناسُ في وقتٍ يجب عليهم الإمساك فيه.
• ونوقش:
بأن المؤذن ولو كان يقتدى به يمكنه تحصيل العلم بالمواقيت عن طريق التقليد بأن يكون معه ثقة يخبره بدخول الوقت، فالصحابة كانوا يدعون الأكل بمجرد سماع أذان ابن أم مكتوم، وهذا يدل على أنه يقتدى به، ومع ذلك لم يكن يعلم بطلوع الفجر إلا عن طريق خبر الثقات.
• وجه من قال: يشترط العلم بالمواقيت إن كان مؤذنًا راتبًا:
تصرف ولي الأمر بتعيين المؤذنين إنما هو نيابة عن المسلمين، ومن تصرف لغيره فيجب عليه أن يكون تصرفه للمصلحة، ومن المصلحة الظاهرة أن يولي على الأذان من كان عالمًا بالمواقيت بنفسه، وليس من المصلحة أن يولي على مصالح المسلمين
[ ١ / ٢٧٣ ]
من لا يعرف الأوقات إلا عن طريق التقليد، فقد يجد من يقلده، وربما لا يجد.
• الراجح:
أن العلم بالوقت شرط، ولكن لا يشترط تحصيله بنفسه، فيمكنه تحصيله ولو بالتقليد كما لو كان يؤذن تبعًا لثقة، أو كان له ثقة يخبره بدخول الوقت، ومن التقليد اعتماد المؤذنين اليوم على التقويم والساعة، والله أعلم.
[ ١ / ٢٧٤ ]