المدخل إلى المسألة:
* حكم الأذان أعم من سببه، فسبب مشروعية الأذان دعوة المصلين إلى الاجتماع لها، إلا أنه غلب على الأذان جانب الذكر فصار من أقوال الصلاة للمنفرد والجماعة.
* هل سبب عبادة الأذان دخول وقت الصلاة، أو فعلها، أو دعوة الجماعة إليها، أو كل واحد منها سبب، ويكفي أن يوجد بعضها لمشروعية الأذان؟
* ليس المقصود بالسفر هنا السفر الشرعي، وإنما المقصود أنه خارج المصر كما لو كان في فلاة من الأرض (^١).
[م-٩٢] اختلف العلماء في الأذان والإقامة للمنفرد المسافر:
فقيل: يستحبان، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والجديد من قولي الشافعي، وهو المذهب عندهم، والمشهور من مذهب الحنابلة. ونص الحنفية على كراهة ترك الإقامة (^٢).
_________________
(١) شرح الخرشي (١/ ٢٣٤).
(٢) قال الجصاص في أحكام القرآن (٢/ ٦٢٧): «والمسافر يؤذن ويقيم، وإن اقتصر على الإقامة دون الأذان أجزأه، ويكره له أن يصلي بغير أذان، ولا إقامة». وانظر المبسوط (١/ ١٣٣)، الفروق للكرابيسي (١/ ٤١)، بدائع الصنائع (١/ ١٥٣)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٥٤ - ٢٥٥)، شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٥٦٢)، مواهب الجليل (١/ ٤٤٩)، الخرشي (١/ ٢٣٤)، الشرح الكبير للدردير (١/ ١٩٧)، منح الجليل (١/ ٢٠٣)، الحاوي الكبير (٢/ ٥٠)، البيان للعمراني (٢/ ٥٨)، فتح العزيز (٣/ ١٤٠ - ١٤١)، كنز الراغبين شرح منهاج الطالبين (١/ ١٥٦)، الإنصاف (١/ ٤٠٦ - ٤٠٨).
[ ٢ / ١١٨ ]
وقيل: هما فرض، وهذا رواية عن أحمد (^١).
وقيل: إن كان يرجو حضور جمع أذن وإلا فلا، اختاره بعض الشافعية (^٢).
وقيل: المنفرد لا يؤذن، بل يقيم، وهو القديم من قولي الشافعي (^٣).
* دليل من قال: يستحب للمسافر المنفرد أن يؤذن ويقيم:
الدليل الأول:
(ح-٢٣٧) ما رواه أحمد وأبو داود، قالا: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن أبا عشانة المعافري، حدثه،
عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ -يقول: يعجب ربكم من راعي غنم في رأس شظية بجبل، يؤذن بالصلاة، ويصلي، فيقول الله ﷿: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن، ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة.
[صحيح] (^٤).
الدليل الثاني:
(ح-٢٣٨) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري، عن أبيه،
أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري ﵁، قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وباديتك، فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن، ولا إنس، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة. قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ (^٥).
_________________
(١) الفروع (١/ ٣١١).
(٢) فتح العزيز (٣/ ١٤٢)، روضة الطالبين (١/ ١٩٥ - ١٩٦)، نهاية المطلب (٢/ ٤٥).
(٣) جاء في روضة الطالبين (١/ ١٩٥): «وأما المنفرد في الصحراء، أو في بلد، فيؤذن على المذهب، والمنصوص في الجديد. وقيل: لا يؤذن في القديم، وفي وجه: إن رجا حضور جماعة أذن، وإلا فلا». وانظر نهاية المطلب لإمام الحرمين (٢/ ٤٥)، الوسيط (٢/ ٤٤).
(٤) سبق تخريجه، انظر المجلد الأول (ح: ١٦٢).
(٥) صحيح البخاري (٣٢٩٦).
[ ٢ / ١١٩ ]
* ويناقش:
بأن هذا الحديث ليس نصًّا بأنه منفرد، فقد يكون الرجل في غنمه أو في باديته ومعه رفيق من خادم أو أهل.
قال إمام الحرمين: «قول الرسول ﷺ -له ليس نصًّا في حالة انفراده؛ فإنه ﷺ -لم يتعرض لذلك، وليس يبعد عن الحال أنه كان يتبدى مع عصبة من خدمه وحشمه» (^١).
الدليل الثالث:
(ح-٢٣٩) ما رواه مسلم من طريق ثابت،
عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ -يُغِيْرُ إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانًا أمسك، وإلا أغار، فسمع رجلًا يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله ﷺ: على الفطرة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ: خرجتَ من النار، فنظروا فإذا هو راعي معزى (^٢).
الدليل الرابع:
(ح-٢٤٠) روى الإمام أحمد عن محمد بن بشر، وعبد الوهاب بن عطاء، كلاهما، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي الأحوص،
عن عبد الله بن مسعود قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ، في بعض أسفاره سمعنا مناديًا ينادي: الله أكبر، الله أكبر، فقال نبي الله ﷺ: على الفطرة، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال نبي الله ﷺ: خرج من النار، قال: فابتدرناه، فإذا هو صاحب ماشية أدركته الصلاة، فنادى بها (^٣).
[منقطع ويشهد له حديث أنس في مسلم] (^٤).
_________________
(١) نهاية المطلب (٢/ ٤٦).
(٢) صحيح مسلم (٣٨٢).
(٣) المسند (١/ ٤٠٦).
(٤) قال ابن أبي حاتم في المراسيل (ص: ١٤٢): «سمعت أبي يقول: قتادة عن أبي الأحوص مرسل». اه =
[ ٢ / ١٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والحديث رواه قتادة، واختلف عليه فيه: فرواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، واختلف على سعيد: فرواه أحمد كما في إسناد الباب، وأبو يعلى في مسنده (٥٤٠٠) عن محمد بن بشر. وأخرجه الإمام أحمد كما في إسناد الباب، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٤٠٥) من طريق عبد الوهاب. وأخرجه أبو يعلى (٥٤٠٠) من طريق العباس بن الفضل مقرونًا بمحمد بن بشر. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٠٠٦٣) من طريق أبي يزيد النحوي. وأخرجه النسائي في السنن الكبرى (١٠٦٦٥) من طريق يزيد بن زريع، وشعيب بن إسحاق، وعبدة بن سليمان، وعمرو بن حمران، كما في علل الدارقطني (٥/ ١١٧) ثمانيتهم (ابن بشر، وعبد الوهاب، والعباس، وأبو يزيد، وابن زريع، وعبدة، وشعيب، وابن حمران) رووه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود. ورواه عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، (معاذ بن معاذ) واختلف على عبيد الله بن معاذ: فرواه ابن أبي داود كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٤٦). وعبدان بن أحمد، والحضرمي، كما في المعجم الكبير (١٠/ ٩٤) ح ١٠٠٦٤، والدعاء للطبراني (٤٦٥). وعبد الكريم بن الهيثم، كما في مسند الشاشي (٣٥٦)، وعبد العزيز بن الحصين، كما في العلل للدارقطني (٥/ ١١٧)، كلهم رواه عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي الأحوص، عن علقمة، عن ابن مسعود. فزاد معاذ بن معاذ في إسناده علقمة. ورواه مطين كما في العلل للدارقطني (٥/ ١١٨) عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي الأحوص، عن عبد الله لم يذكر علقمة. وهذه موافقة لرواية سعيد بن أبي عروبة. ورواه سلام بن مسكين كما في المعجم الكبير للطبراني (١٠٠٦٢) قال: سمعت قتادة يحدث عن صاحب له، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله به. وسعيد من أحفظ أصحاب قتادة، وهو مقدم على من خالفه، والله أعلم. قال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ١٧٤): وسئل أبو زرعة عن هذا الحديث، وعن ما يرويه يزيد بن زريع، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، عن النبي، بلا علقمة، فقال أبو زرعة: يزيد بن زريع أحفظ». وقال الدارقطني في العلل (٥/ ١١٨): «ويشبه أن يكون الصواب قول معاذ بن معاذ، ومن تابعه عن سعيد».
[ ٢ / ١٢١ ]
الدليل الخامس:
(ث-٦٢) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن أبي هارون الغنوي، قال: حدثنا أبو عثمان، قال:
قال سلمان: ما كان من رجل في أرض قي (^١)، فأذن، وأقام، إلا صلى خلفه من خلق الله ما لا يرى طرفاه (^٢).
[صحيح موقوف، ومثله لا يقال بالرأي، وله شاهد مقطوع] (^٣).
_________________
(١) جاء في غريب الحديث للقاسم بن سلام نقلًا عن الأصمعي (٤/ ١٣٣): «القَيُّ: هو القفر، وهو مأخوذ من القوا».
(٢) المصنف (٢٢٧٨).
(٣) رواه عبد الرزاق في المصنف (١٩٥٥) وابن أبي شيبة وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٠٤)، عن معتمر بن سليمان. ورواه ابن المبارك في الزهد (٣٤١)، ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (٦١٢٠). ورواه البيهقي في السنن الكبرى (١٩٠٦) من طريق عبد الوهاب بن عطاء. ورواه أيضًا (١٩٠٧) من طريق يزيد بن هارون، ورواه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٤٧) من طريق حماد يعني ابن سلمة كلهم عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي به. وهذه متابعة من سليمان التيمي، لأبي هارون الغنوي. ورواه البيهقي في السنن الكبرى (١٩٠٨) من طريق داود بن أبي هند، عن أبي عثمان النهدي به. قال البيهقي: هذا هو الصحيح موقوف وقد روي مرفوعًا ولا يصح رفعه. وله شاهد مقطوع، أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٧٤). وعبد الرزاق في المصنف (١٩٥٤) عن ابن عيينة، كلاهما (مالك وسفيان) عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه كان يقول: من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك، وعن شماله ملك، فإذا أذن، وأقام الصلاة، أو أقام، صلى وراءه من الملائكة أمثال الجبال. هذا لفظ الموطأ. وهو شاهد للموقوف، ومرسلات سعيد من أصح المراسيل كما قال الأئمة. وقد رواه الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن معاذ بن جبل موقوفًا، ورجح الدارقطني في العلل (٦/ ٦٣) الموقوف. جاء في العلل (٦/ ٦٣) ٩٨٠ وسئل عن حديث سعيد بن المسيب، عن معاذ من صلى في فلاة من الأرض، فلم يثوب بالصلاة، صلى معه ملكان، أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، وإن ثَوَّب صلى معه من الملائكة أمثال الجبال. فقال: يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري، واختلف عنه: فرواه الليث بن سعد، عن يحيى، عن ابن المسيب عن معاذ. وخالفه مالك، فرواه عن يحيى، عن ابن المسيب قوله. وقول الليث أصح، ومن عادة مالك إرسال الأحاديث، وإسقاط رجل. اه قلت: هذا صحيح لو كان الخلاف بين مالك والليث، إلا أن مالكًا لم ينفرد بروايته مرسلة، فقد تابعه ابن عيينة، فتقوى المرسل على الموقوف، على أن مراسيل سعيد بن المسيب من أصح المراسيل، وقد تقوى بقول سلمان ﵁، والله أعلم.
[ ٢ / ١٢٢ ]
* دليل من قال: هما فرض في السفر:
سبق أن ذكرنا في المسألة السابقة دليل من قال: إن الأذان والإقامة واجبان على المنفرد في الحضر، وما وجب في الحضر وجب في السفر إلا لدليل، بل قد يقال: إن حال السفر آكد، فإن المنفرد في الحضر قد يسمع الأذان بخلاف السفر.
وقد يعكس قائل فيقول: إن شأن السفر التخفيف، لهذا وُضِعَ عنه شطرُ الصلاة، والصوم.
* دليل من قال: إن رجا جماعة أذَّن، وإلا فلا:
هذا القول نظر إلى أن الأذان ليس وظيفة الوقت، ولا الصلاة، وإنما هو وظيفة الجماعة التي تدعى إلى فعل الصلاة، فإن كان يرجو حضور أحد إلى الصلاة استحب له أن يؤذن للصلاة؛ ليجيبه من يسمعه، وإن لم يَرْجُ أحدًا لم يؤذن.
* ويناقش:
لو كانت مشروعية الأذان معلقة على احتمال إجابة النداء، لم يكن هناك فرق بين المنفرد، والجماعة التي لا تطلب غيرها، ولا ترجو أن يجيبها أحد، ومع ذلك فقد كان الرسول ﷺ -يُؤَذَّن بين يديه في السفر، والجماعة حاضرة، وأمر الرسول مالك بن الحويرث وصاحبه ﵄، وهما في السفر أن يؤذن أحدهما مع حضور صاحبه، ولم يُعَلِقْ فعل الأذان على احتمال إجابة النداء، فإذا كان الأذان يطلب من الجماعة المجتمعة التي لا تطلب غيرها، فكذلك يشرع للمنفرد الذي لا يرجو غيره، لأن الأذان له وظائف، منها وظيفة الصلاة، والله أعلم.
[ ٢ / ١٢٣ ]
* دليل من قال: المنفرد لا يؤذن بل يقيم:
أن الأصل في الأذان إعلام الناس بالصلاة أو بوقتها، وهو مُنْتَفِ في حق المنفرد.
وهذا نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا.
* الراجح:
أن المنفرد يشرع له الأذان مطلقًا حضرًا وسفرًا، وهو في السفر آكد منه في الحضر، ولا يجب عليه فعل ذلك، والله أعلم.
[ ٢ / ١٢٤ ]