مدخل إلى المسألة:
• العبادات الواردة على وجوه متعددة، ولا مرجح بينها فالسنة أن يُفْعَلَ هذا تارةً، وهذا تارةً؛ لإصابة السنة على جميع وجوهها، ويجوز الاقتصار على بعضها من غير كراهة لشيء ثابت بالسنة.
[م-١٠] اختلف العلماء في جمل الإقامة:
فقيل: الإقامة سبع عشرة جملة بتربيع التكبير في أولها، وتثنية سائرها، مع زيادة قد قامت الصلاة مرتين، ويختمها بلا إله إلا الله.
وهذا مذهب الحنفية، وهو رواية عن أحمد إلا أنه جعل التكبير كغيره مثنى مثنى (^١).
وقيل: جمل الإقامة عشر جمل، وذلك بإفراد الإقامة بما فيها قد قامت الصلاة إلا التكبير فإنه يكون مرتين في أولها وآخرها. وهذا قول مالك، والليث، والشافعي في القديم (^٢).
_________________
(١) جاء في فتح القدير (١/ ٢٤٣): «والإقامة مثل الأذان إلا أنه يزيد فيها بعد الفلاح قد قامت الصلاة مرتين». وفي المبسوط (١/ ٢١٩) «والإقامة مثنى مثنى كالأذان عندنا»، وانظر تبيين الحقائق (١/ ٩١)، البحر الرائق (١/ ٢٧٠)، بدائع الصنائع (١/ ١٤٨)، الإنصاف (١/ ٤١٣)، الفروع (١/ ٣١٥).
(٢) قال ابن رشد في بداية المجتهد (١/ ١١٨): «وأما صفة الإقامة: فإنها عند مالك والشافعي أما التكبير الذي في أولها فمثنى، وأما ما بعد ذلك فمرة واحدة إلا قوله: قد قامت الصلاة، فإنها عند مالك مرة واحدة، وعند الشافعي مرتين». المدونة (١/ ١٧٩)، القوانين الفقهية (ص: ٣٧)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٤)، التفريع لابن الجلاب (١/ ٢٢٢)، شرح النووي لصحيح مسلم (٤/ ٧٨)، روضة الطالبين (١/ ١١٩). = = وانظر فتح الباري لابن رجب (٥/ ٢١٢).
[ ١ / ١٢٦ ]
وقيل: جمل الإقامة إحدى عشرةَ جملةً، بإفراد جمل الإقامة عدا التكبير في أولها وآخرها، وجملة قد قامت الصلاة فإنها تقال مثنى. وهذا مذهب الشافعية في الجديد، والحنابلة (^١).
وقيل: يثني الإقامة إن رجع في الأذان، وإلا أفردها، اختاره ابن خزيمة من الشافعية، وذكر أنه قول للشافعي (^٢).
وقيل: جمل الإقامة تسع كلمات، يفرد أيضا التكبير في آخرها، قال النووي: حكاه إمام الحرمين (^٣).
وقيل: جمل الإقامة ثماني كلماتٍ، يقول في أوله الله أكبر مرة، وفي آخره الله أكبر مرة، ويقول: قد قامت الصلاة مرة، فتكون جمل الإقامة ثمانيَ كلماتٍ. وهذا قول شاذ للشافعية (^٤).
جاء في المجموع: «أنها ثمان كلمات يفرد التكبير في أولها وآخرها مع لفظ الإقامة، حكاه القاضي حسين والفوراني والسرخسي وصاحب العدة وجهًا، وحكاه البغوي قولًا» (^٥).
وقيل: يجوز إفراد الإقامة وتثنيتها.
_________________
(١) المجموع (٣/ ١٠٤)، أسنى المطالب (١/ ١٢٧)، تحفة المحتاج (١/ ٤٦٧)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ١٤٦)، الحاوي الكبير (٢/ ٥٣)، حاشية الجمل (١/ ٣٠١)، الأوسط (٣/ ١٧)، مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٤٨٧)، الإنصاف (١/ ٤١٣)، الفروع (١/ ٣١٥)، كشاف القناع (١/ ٢٧٣). وجاء في فتح العزيز: «وذكر في التهذيب أي للبغوي أنه قول للشافعي».
(٢) فتح العزيز (٣/ ١٦٣)، الأوسط (٣/ ١٩)، روضة الطالبين (١/ ١٩٩)، الإنصاف (١/ ٤١٣)، الفروع (١/ ٣١٥).
(٣) المجموع شرح المهذب (٣/ ٩٢).
(٤) التهذيب في الفقه الشافعي (٢/ ٥١)، شرح النووي لصحيح مسلم (٤/ ٧٨)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٦٥٤).
(٥) المجموع (٣/ ٩٢، ٩٣).
[ ١ / ١٢٧ ]
قال ابن عبد البر: «ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وداود بن علي ومحمد بن جرير إلى إجازة القول بكل ما روي عن رسول الله في ذلك وحملوه على الإباحة والتخيير وقالوا كل ذلك جائز لأنه قد ثبت عن النبي ﵇ جواز ذلك وعمل به أصحابه فمن شاء ثنى الإقامة، ومن شاء أفردها إلا قوله قد قامت الصلاة فإن ذلك مرتان مرتان على كل حال» (^١).
هذه مجمل الأقوال في صفة الإقامة.
• أدلة الحنفية على تثنية الإقامة:
الدليل الأول:
(ح-٣٩) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: أخبرنا عفان، قال: أخبرنا همام ابن يحيى، عن عامر الأحول، أن مكحولًا، حدثه أن عبد الله بن محيريز، حدثه،
أن أبا محذورة، حدثه قال: علمني النبي ﷺ الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة، الأذان: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر وذكر بقية الأذان، والإقامة: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله (^٢).
[حسن إلا أن تربيع التكبير في الإقامة انفرد به عامر الأحول وقد اختلف عليه في ذكرها] (^٣).
_________________
(١) الاستذكار (١/ ٣٧١).
(٢) المصنف (٢١١٩).
(٣) اختلف فيه على عامر الأحول: الحديث رواه عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، وعبد الملك بن أبي محذورة، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة بذكر الأذان فقط. ورواه عامر، عن مكحول، عن ابن محيريز، واختلف فيه على عامر: فرواه هشام عن عامر، واقتصر على ذكر الأذان، ولم يذكر الإقامة كرواية عبد العزيز بن عبد الملك وعبد الملك بن أبي محذورة. =
[ ١ / ١٢٨ ]
• ونوقش هذا من وجهين:
الوجه الأول:
قال أبو عوانة في مستخرجه: «زاد همام في حديثه ذكر الإقامة فتركته؛ لأن هشامًا أحفظ وأتقن منه؛ ولأن إجماع أهل الحرمين على خلاف زيادته» (^١).
الوجه الثاني:
أن الحنفية قبلوا إقامة أبي محذورة في الوقت الذي لم يأخذوا بأذانه، فهم في الأذان يأخذون بأذان بلال، وفي الإقامة يأخذون بإقامة أبي محذورة، والحديث واحد، فإما أن يأخذوا بهما، أو يدعوهما.
الدليل الثاني:
(ح-٤٠) ما رواه النسائي من طريق حجاج، عن ابن جريج، عن عثمان بن السائب قال: أخبرني أبي وأم عبد الملك بن أبي محذورة،
عن أبي محذورة قال: لما خرج رسول الله ﷺ من حُنَيْنٍ خرجت عاشِرَ عشرةٍ من أهل مكة نطلبهم، فسمعناهم يؤذنون بالصلاة فقمنا نؤذن نستهزئ بهم، فقال رسول الله ﷺ: قد سمعت في هؤلاء تأذينَ إنسانٍ حسن الصوت، فأرسل
_________________
(١) = ولا أعلم أحدًا وافق عامرًا على تربيع التكبير صريحًا في الإقامة إلا من هذا الطريق. لهذه المخالفة قال أبو عوانة في مستخرجه (١/ ٢٧٥): «زاد همام في حديثه ذكر الإقامة فتركته؛ لأن هشامًا أحفظ وأتقن منه؛ ولأن إجماع أهل الحرمين على خلاف زيادته». وقد يكون الحمل في الاختلاف ليس على همام، وإنما على شيخه عامر الأحول، وهو خفيف الضبط، وله أوهام، ولم يخرج له مسلم إلا هذا الحديث، وتجنب مسلم عمدًا زيادة همام. فإذا انفرد عامر الأحول وهو خفيف الضبط بذكر التكبير أربعًا في الإقامة، وأضيف إلى ذلك الاختلاف عليه في ذكرها، فتارة يذكرها كما في رواية همام، وتارة يسقطها كما في رواية هشام عنه، وانضاف إليهما مخالفة غيره له ممن روى حديث ابن محيريز كعبد العزيز ابن عبد الملك، وعبد الملك بن أبي محذورة، لا يمكن اعتماد زيادته؛ إذ لا يمكن ترجيح رواية همام عن عامر، على رواية هشام عن عامر، وقد وافق هشامًا كل من عبد العزيز بن عبد الملك، وعبد الملك عن ابن محيريز، والله أعلم. وانظر تخريجه في مسألة جمل الأذان، فقد خرجته هناك، رقم (٢٩) والله أعلم.
(٢) مستخرج أبي عوانة (١/ ٢٧٥).
[ ١ / ١٢٩ ]
إلينا، فأذنا رجلًا رجلًا وكنت آخرهم، فقال حين أذنت: «تعال». فأجلسني بين يديه، فمسح على ناصيتي وبرك علي ثلاث مرات، ثم قال: اذهب فأذن عند البيت الحرام». قلت كيف يا رسول الله؟ فعلمني كما تؤذنون الآن بها … فذكر الأذان بتربيع التكبير والترجيع، وفيه: قال: وعلمني الإقامة مرتين: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمَّدًا رسول الله، أشهد أن محمَّدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
قال ابن جريج، أخبرني عثمان هذا الخبر كله، عن أبيه، وعن أم عبد الملك بن أبي محذورة أنهما سمعا ذلك من أبي محذورة (^١).
[ضعيف، وله متابع من رواية عامر الأحول، عن مكحول، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة إن كانت الإقامة محفوظة في حديث ابن محيريز] (^٢).
_________________
(١) سنن النسائي المجتبى -طبعة دار التأصيل- (٦٤٣).
(٢) هذا إسناد ضعيف، فيه عثمان بن السائب مجهول الحال، قال ابن القطان: غير معروف، وذكره ابن حبان في ثقاته، وقد انفرد بالرواية عنه ابن جريج، كما أن أباه مجهول انفرد بالرواية عنه ابنه عثمان، وقال الذهبي: لا يعرف. وكذلك أم عبد الملك انفرد بالرواية عنها عثمان بن السائب، ولم يوثقها أحد. والحديث مداره على ابن جريج: رواه عبد الرزاق وأبو عاصم (الضحاك بن مخلد) وحجاج بن محمد، ثلاثتهم عن ابن جريج، عن عثمان بن السائب، عن أبيه وأم عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة. ورواه محمد بن بكر، وروح بن عبادة، كلاهما عن ابن جريج، عن عثمان بن السائب، عن أم عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة، ليس فيه والد عثمان (السائب). فصار عثمان بن السائب تارة يجمع شيخيه، وتارة يذكر أحدهما، هذا فيما يتعلق بالإسناد. وأما ما يتعلق بالمتن، وذكر الإقامة في الحديث، وهي موضع الشاهد، فالحديث مداره على ابن جريج، وله طرق إلى ابن جريج: الطريق الأول: عبد الرزاق، عن ابن جريج. رواه عبد الرزاق في المصنف (١٧٧٩) وقد ذكر الأذان مفصلًا، واختصر الإقامة، بلفظ: (وإذا أقمتَ فقلها مرتين: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة … =
[ ١ / ١٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فلم يجود عبد الرزاق ذكر الإقامة في الحديث، وكأن التثنية في الحديث عائدة إلى لفظ (قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة) فقط، وليس كذلك. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٠٨)، وأبو داود (٥٠١)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٧٣) ح: ٦٧٣٤، وابن خزيمة (٣٨٥)، والدارقطني في السنن (٩٠٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٥٧٩). وقد تفرد عبد الرزاق بحرف آخر في هذا الحديث لم يذكره غيره، وهو قوله: (فكان أبو محذورة لا يجز ناصيته، ولا يفرقها؛ لأن النبي ﷺ مسح عليها). وقد روى الحديث حجاج بن محمد، وأبو عاصم الضحاك بن مخلد، وروح، ومحمد بن بكر، وأبو قرة موسى بن طارق، ولم يذكر أحد منهم هذه اللفظة في هذا الحديث. الطريق الثاني: حجاج بن محمد، عن ابن جريج. وقد جود الحديث، وذكر الإقامة مفصلة، وحجاج من أثبت الناس في ابن جريج. أخرجه النسائي في المجتبى وفي الكبرى، عن إبراهيم بن الحسن، عن حجاج به، وذكر الإقامة مفصلة مثنى مثنى إلا أن النسخ مختلفة في عدد تكبير الإقامة ففي النسخة التي حققها أبو غدة من المجتبى (٦٣٣)، وفي السنن الكبرى للنسائي تحقيق شلبي (١٦٠٩) التكبير في الإقامة أربعًا. وفي نسخة النسائي تحقيق دار التأصيل: المجتبى (٦٤٣)، والكبرى (١٧٤٩) التكبير مثنى مثنى، ولم يذكر المحقق أن هناك اختلافًا في النسخ. وقد أخرجه الحازمي في الاعتبار من طريق النسائي (ص: ٦٧) بتثنية التكبير في الإقامة. كما أن تثنية التكبير هو المطابق لما رواه ابن جريج في جزئه (٦٠)، وهذا قرينة على أن النسخة التي فيها تربيع التكبير ربما تكون خطأ. كما رواه أبو حميد المصيصي عن حجاج بن محمد بتثنية الإقامة بما في ذلك التكبير، أخرجه الدارقطني في السنن (٩٠٣) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٦١٥). وقد توبع حجاج على تثنية الإقامة بما فيها التكبير، تابعه على ذلك ثلاثة ولم يذكر أحد منهم تربيع التكبير في الإقامة، تابعه أبو عاصم الضحاك بن مخلد، وأبو قرة موسى بن طارق، وروح بن عبادة. فأما متابعة أبي عاصم الضحاك بن مخلد: فأخرجه أبو داود مقرونًا برواية عبد الرزاق (٥٠١) ومن طريقه البيهقي كما في مختصر الخلافيات (١/ ٥١١) ومعرفة السنن والآثار (٢/ ٢٦٣)، وقد بين أبو داود الاختلاف في لفظه بين رواية أبي عاصم، ورواية عبد الرزاق في الإقامة، فذكر رواية أبي عاصم في الإقامة مفصلة، وأنها مثنى مثنى بما فيها التكبير في أوله، وذكر رواية عبد الرزاق في الإقامة كما سبق بلفظ: (وإذا أقمت فقلها مرتين: قد قامت الصلاة). =
[ ١ / ١٣١ ]
الدليل الثالث:
(ح-٤١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة،
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحاب محمد ﷺ أن عبد الله بن زيد الأنصاري جاء إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، رأيت في المنام كأن رجلًا قام، وعليه بردان أخضران على جذمة حائط، فأذن مثنى، وأقام مثنى، وقعد قعدة، فسمع ذلك بلال، فقام، فأذن مثنى، وأقام مثنى، وقعد قعدة (^١).
[الراجح فيه أنه مرسل، والمرسل ضعيف] (^٢).
_________________
(١) = ولم يجود عبد الرزاق لفظ الإقامة كما قلت. ومن طريق أبي عاصم رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٣٠) واكتفى بذكر الأذان. وكذلك رواه ابن خزيمة (٣٨٥) في صحيحه مقرونًا بروح بن عبادة، واختار ابن خزيمة لفظ روح بذكر تثنية الإقامة، ولم يذكر لفظ أبي عاصم. وليس بينهما فرق إلا من حيث إسقاط السائب، وليس ذلك علة، فإن الراوي قد ينشط فيجمع شيوخه، وقد يكتفي بذكر أحدهم. وأما متابعة أبي قرة موسى بن طارق، فأخرجها الفاكهي في أخبار مكة (١٣٠٩) من طريقه عن ابن جريج، قال: أخبرني عثمان بن السائب، قال: أخبرني أبي وأم عبد الملك بن أبي محذورة به، بلفظ حجاج بن محمد. وأما متابعة روح بن عبادة فرواها ابن خزيمة في صحيحه (٣٨٥) والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٦١٤) والمقريزي في إمتاع الأسماع (١٠/ ١٢٥) فرووها من طريقه، عن ابن جريج، أخبرني عثمان بن السائب، عن أم عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة به، ليس فيه السائب والد عثمان. ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٣٠) من طريق روح مقرونًا بأبي عاصم الضحاك ابن مخلد به، وذكر الأذان فقط، ولم يذكر الإقامة. فتبين أن الحديث في الإقامة على ذكرها مفصلة، مثنى مثنى، وأن التكبير في أولها مرتان، وذِكْرُ التربيعِ في تكبيرِ الإقامةِ لم يَرِدْ إلا في إحدى نسخ النسائي، ولعلها خطأ، والله أعلم.
(٢) المصنف (٢١٣١).
(٣) انفرد وكيع بقوله: (حدثنا أصحاب محمد) والرواية عن الأعمش فيها اختلاف كثير، والراجح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى الإرسال، وعليها تحمل: (حدثنا أصحابنا) أي أصحابه من التابعين، والمحفوظ من إقامة بلال أنه كان يوتر الإقامة إلا الإقامة. =
[ ١ / ١٣٢ ]
• وأجيب:
بأن الحنفية يحتجون بالحديث المرسل، والشافعية يحتجون به إذا اعتضد بمرسل آخر، وقد اعتضد بمرسل الشعبي، ورجاله ثقات كما في الدليل الآتي.
الدليل الرابع:
(ح-٤٢) رواه أبو داود في المراسيل من طريق هشيم، عن المغيرة،
عن الشعبي، قال: اهتم النبي ﷺ للصلاة كيف يجمع الناس لها، قال: فانصرف عبد الله بن زيد مهتَمَّا لأمر النبي ﷺ، فأتاه آتٍ في المنام فقال له: مر النبي ﷺ يأمر رجلًا عند حضور الصلاة، فليؤذن فليقل: الله أكبر، الله أكبر، يذكر الأذان مرتين مرتين، فإذا فرغ، فليمهل حتى يستيقظ النائم، ويتوضأ من أراد أن يتوضأ، فإذا اجتمع الناس لصلاتهم، فليعد، فليقل مثل قوله حتى إذا بلغ: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فليقل: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله … وساق الحديث (^١).
[اختلف فيه على المغيرة في إسناده ولفظه] (^٢).
_________________
(١) = هذا إجمال ما ورد عليه، وإليك بيانه بالتفصيل: فقد اختلف فيه على الأعمش على وجوه، منها: فقيل: عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أصحابنا. وقيل: عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحاب محمد ﷺ. وقيل: عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلًا. وقيل: عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل. وقد سبق تخريج الاختلاف على الأعمش عند الكلام على تخريج حديث عبد الله بن زيد في مسألة جمل الأذان، انظر ح (٢٧).
(٢) المراسيل (١٩).
(٣) قال ابن حجر في المطالب العالية (٢٢٤): «هذا مرسل صحيح الإسناد …». وقد اختلف فيه على المغيرة بن مقسم: فرواه أبو عوانة في مستخرجه (٩٦٥) من طريق شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي، عن عبد الله ابن زيد الأنصاري ﵁: سمعت أذان رسول الله ﷺ فكان أذانه وإقامته مثنى مثنى. =
[ ١ / ١٣٣ ]
الدليل الخامس:
(ث-٧) ما رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن حماد، عن إبراهيم،
عن الأسود بن يزيد: أن بلالًا كان يثني الأذان، ويثني الإقامة، وأنه كان يبدأ بالتكبير، ويختم بالتكبير (^١).
[وهم فيه حماد بن أبي سليمان، قال ابن رجب في الفتح: هذا وهم] (^٢).
قلت: ما يدل على أن هذا وهم أمور منها:
الأمر الأول:
(ث-٨) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف من طريق منصور، عن إبراهيم،
عن الأسود، عن بلال، قال: كان آخر الأذان: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
[ومنصور أحفظ من حماد مطلقًا كيف وقد تابع الأعمش منصورًا].
فقد رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم،
عن الأسود كان آخر أذان بلال: لا إله إلا الله (^٣).
الثاني: أن هذا معارض لحديث أنس في الصحيحين أن بلالًا كان يشفع الأذان ويوتر الإقامة (^٤).
قال ابن حجر: «وهذا الحديث حجة على من زعم أن الإقامة مثل الأذان مثنى» (^٥).
_________________
(١) = وهذا منقطع بين الشعبي وبين عبد الله بن زيد. ورواه جرير كما في مسند إسحاق بن راهويه، انظر المطالب العالية (٢٢٤). وهشيم كما في مراسيل أبي داود (١٩) كلاهما، عن المغيرة، عن الشعبي مرسلًا إلا أن جريرًا خالف هشيمًا في مسألتين: الأولى: لم يذكر جرير الإقامة، وذكرها هشيم. الثانية: ذكر جرير التكبير أربعًا في الأذان، وذكره هشيم بالتثنية.
(٢) مصنف عبد الرزاق (١٧٩٠)، ومن طريق حماد بن أبي سليمان أخرجه الطحاوي شرح معاني الآثار (١/ ١٣٤)، والدارقطني (١/ ٢٤٢).
(٣) حماد بن أبي سليمان صدوق له أوهام، وهذا من أوهامه.
(٤) المصنف (٢١٥٦).
(٥) صحيح البخاري (٦٠٣)، ومسلم (٣٧٨).
(٦) فتح الباري (٢/ ٨٤).
[ ١ / ١٣٤ ]
الثالث: أن هذا النقل معارض لحديث عبد الله بن زيد (^١).
كما أنه معارض لحديث ابن عمر، قال: إنما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين وقال حجاج: يعني مرتين مرتين - والإقامة مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، وكنا إذا سمعنا الإقامة توضأنا، ثم خرجنا إلى الصلاة. قال شعبة: لا أحفظ غير هذا (^٢).
وسواء أكان المحفوظ من هذا الحديث مرفوعًا أم موقوفًا، فالحجة فيه أن الإقامة لا تثنية فيها.
الدليل السادس:
(ح-٤٣) ما رواه الطبراني من طريق محمد بن سليمان (لوين)، حدثنا محمد ابن جابر، عن أبي إسحاق، عن الأسود، قال:
سألت أبا محذورة: كيف كنت تؤذن للنبي ﷺ؟ أي شيء كنت تجعل آخر أذانك؟ قال: كنت أُثَنِّي الإقامةَ كما أثني الأذان، وأجعل آخر أذاني لا إله إلا الله (^٣).
[تفرد به محمد بن جابر عن أبي إسحاق، وهو ضعيف] (^٤).
الدليل السابع:
(ح-٤٤) ما رواه الطبراني في الأوسط والكبير من طريق زياد بن عبد الله البكائي، حدثنا إدريس الأودي، عن عون بن أبي جحيفة،
عن أبيه، أن بلالًا كان يؤذن للنبي ﷺ مثنى مثنى ويقيم مثنى مثنى (^٥).
_________________
(١) انظر: تخريجه (ح ٢٧) ..
(٢) سبق تخريجه، انظر (٣٦).
(٣) المعجم الكبير للطبراني (٧/ ١٧٥) ح: ٦٧٤٠.
(٤) وأخرجه ابن قانع في معجم الصحابة (٦٧١) من طريق فضل بن غانم. والخطيب في تاريخ بغداد (١٥/ ٦٧٩) من طريق ورد بن عبد الله، كلاهما عن محمد ابن جابر به. وذكره البيهقي في مختصر الخلافيات (١/ ٥١٣)، وقال: ليس هذا بمحفوظ، ومحمد بن جابر السحيمي لا يحتج به. اه قلت: ضعفه أبو داود وغيره، وقال العقيلي: لا يتابع على عامة حديثه.
(٥) المعجم الأوسط للطبراني (٧٨٢٠)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ١٠١) ح: ٢٤٦.
[ ١ / ١٣٥ ]
[ضعيف] (^١).
الدليل الثامن:
(ح-٤٥) ما رواه البيهقي في الخلافيات كما في المختصر من طريق أبي أسامة حدثنا أبو العميس، قال: سمعت عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري يحدث عن أبيه،
عن جده أنه رأى الأذان مثنى مثنى والإقامة مثنى مثنى، قال: فأتيت النبي ﷺ فأخبرته فقال: عَلِّمْهن بلالًا، قال: فتقدمت فأمرني أن أقيم فأقمت (^٢).
[ضعيف] (^٣).
_________________
(١) ومن طريق زياد بن عبد الله أخرجه الدارقطني في السنن (١/ ٢٤٢). وزياد بن عبد الله البكائي ثبت في المغازي، وحديثه عن غير ابن إسحاق فيه لين. قال الذهبي: من مناكيره حدثنا إدريس الأودي، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، وذكر الحديث في تثنية الإقامة. ميزان الاعتدال (٢/ ٩١). قال ابن معين: لا بأس به في المغازي، وأما في غيرها، فلا. وقال ابن المديني: ضعيف، كتبت عنه، وتركته. وقال النسائي: ضعيف. وقال مرة: ليس بالقوي. وقال ابن سعد: كان عندهم ضعيفًا وقد رووا عنه. وقال أبو زرعة: صدوق.
(٢) مختصر خلافيات البيهقي (١/ ٥٠٥)، وانظر لفظه كاملًا في نصب الراية (١/ ٢٧٠).
(٣) في إسناده عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد، ليس له في الكتب التسعة إلا هذا الحديث رواه أحمد وأبو داود كما سيأتي في التخريج. وذكره ابن حبان في الثقات، ولم أقف على أحد أنه وثقه، وقد ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وسكت عليه. وفي الكامل لابن عدي (٥/ ٣٨٧): «سمعت ابن حماد يقول: قال البخاري عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، عن أبيه، عن جده فيه نظر». وكلمة فيه نظر: قد فسرها البخاري كما التاريخ الكبير (٥/ ١٨٣) بأن المقصود لم يثبت عنده سماع بعضهم من بعض، ولا يقصد به الجرح في الرواة كعادته، وهي على كل حال لا يؤخذ منها توثيق. وهل تعني التصريح بعدم السماع مطلقًا، بحيث يعني ذلك أن كل واحد منهم لم يثبت سماعه ممن فوقه، بما في ذلك رواية محمد بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن زيد، وأن روايته عن أبيه =
[ ١ / ١٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = على الانقطاع، وهذا يعني أن رواية محمد، عن عبد الله بن زيد رؤيا الأذان مرسلة، أو يعني أن هذه الصيغة فقط: عبد الله بن محمد بن عبد الله، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد هي التي لم يثبت للبخاري فيها سماع بعضهم من بعض؟ فيه احتمال، وإذا ثبت أن محمد بن عبد الله بن زيد قد سمع من عبد الله بن زيد تعين أنه يقصد هذه الصيغة فقط، والله أعلم. فعلى أي الاحتمالين فإن عبد الله بن محمد لم يثبت تعديله، وقد اختلف عليه في لفظه، واختلف عليه في إسناده، أما الاختلاف في لفظه: فرواه أبو العميس: عتبة بن عبد الله المسعودي، واختلف عليه في لفظه: فرواه أبو أسامة، كما في إسناد الباب. وعبد الرحمن بن قيس كما في معرفة الصحابة لأبي نعيم (٤١٥٧) كلاهما عن أبي العميس، عن عبد الله بن محمد، عن أبيه، عن جده به بذكر صفة الأذان والإقامة مثنى مثنى. وعبد الرحمن بن قيس فيه جهالة. ورواه عبد السلام بن حرب الكوفي كما في التاريخ الكبير (٣/ ١٨٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٤٢)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (٢/ ٢٩٦)، والدارقطني (١/ ٢٤٢، ٢٤٣) وابن شاهين في الناسخ والمنسوخ (١٧٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٥٨٧)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ١١٢)، رواه عن أبي العميس به، واقتصر على أن بلالًا أذن، وعبد الله بن زيد أقام، ولم يذكر صفة الأذان والإقامة. قال الحاكم كما في مختصر الخلافيات للبيهقي (١/ ٥٠٥): «عبد السلام بن حرب أعلم الكوفيين بحديث أبي العميس، وأكثرهم عنه رواية، وقد روى عنه هذا الحديث، ولم يذكر فيه تثنية الإقامة». قال العقيلي: «الرواية في هذا الباب فيها لين، وبعضها أفضل من بعض». وأما الاختلاف في إسناده: فرواه أبو العميس، عن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد، عن أبيه، عن جده. ورواه أبو سهيل محمد بن عمرو الواقفي واضطرب فيه: فقيل: عنه، عن عبد الله بن محمد عن جده. وقيل: عنه، عن عبد الله بن محمد، عن أبيه، عن جده. وقيل: عنه، عن عبد الله بن محمد، عن عمه عبد الله بن زيد. وقيل: عنه عن محمد بن عبد الله (انقلب اسم عبد الله بن محمد) وقيل: عنه عن ابن سيرين عن عبد الله بن محمد مرسلًا. =
[ ١ / ١٣٧ ]
الدليل التاسع:
(ث-٩) ما رواه الطحاوي من طريقين عن شريك، عن عمران بن مسلم،
عن سويد بن غفلة، قال: سمعت بلالًا، يؤذن مثنى ويقيم مثنى (^١).
[شريك سيئُ الحفظ]
الدليل العاشر:
(ح-٤٦) ما رواه الطبراني من طريق عبد العزيز بن عبيد الله، عن عبادة بن نُسَيٍّ، عن جنادة بن أبي أمية،
عن بلال، أنه كان إذا أذن جعل أصبعيه في أذنيه، وكان يجعل الأذان والإقامة سواء مثنى مثنى (^٢).
[ضعيف، عبد العزيز بن عبيد الله ضعيف، وشيخ الطبراني مجهول الحال، وقد اختلف فيه على عبد العزيز بن عبيد الله] (^٣).
الدليل الحادي عشر:
(ح-٤٧) ما رواه الشاشي في مسنده من طريق أبي عبد الله، أخبرنا علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة،
عن أبيه، أن رجلًا من الأنصار يقال له عبد الله بن زيد دخل على رسول الله ﷺ ذات يوم، فرآه حزينًا، وذاك أنه اهتم للصلاة، فأراد أن يجعل ناقوسًا، أو بوقًا، فلما رأى من حال رسول الله ﷺ ما رأى انصرف، فقال لأهله: دونَكُم طعامَكم فلا حاجة لي فيه، وأقبل على صلاته حتى أدركه النوم فأتاه آتٍ في منامه فقال: إن الذي رأيت من رسول الله ﷺ ما رأيت منه إنما ذاك من أجل الناقوس فائت رسول الله ﷺ فقل
_________________
(١) = وقد خرجت هذه الطرق عند الكلام على مسألة: إذا أذن مؤذن وأقام غيره، فانظره هناك، نفع الله بك أيها المبارك.
(٢) شرح معاني الآثار (١/ ١٣٤).
(٣) مسند الشاميين (١٣٣٤)، وشيخ الطبراني هو: الحسن بن علي بن خلف الدمشقي، له ترجمة في تاريخ دمشق (١٣/ ١٥٢) ولم ينقل عن أحد توثيقه.
(٤) انظر تخريجه ضمن شواهد ح (١٦٥).
[ ١ / ١٣٨ ]
له، ووضع يديه في أذنيه ثم قال: الله أكبر الله أكبر مرتين، حتى أتى على الأذان ثم قال في الإقامة أيضًا مثلها مرتين مرتين، فأصبح عبد الله غاديًا على رسول الله ﷺ فوجد أبا بكر عنده، فلما قضى أبو بكر حاجته دخلتُ فقصصتُ على رسول الله ﷺ الذي رأيت فقال: بذاك دخل أخوك أبو بكرٍ فانطَلِقَا إلى بلالٍ فعلماه (^١).
[رجاله ثقات إلا أن ذكر أبي بكر في الحديث لا يعرف إلا من هذا الطريق، وهو مخالف لكل من روى قصة منام عبد الله بن زيد فقد ذكروا أن عمر ﵁ هو من شارك عبد الله بن زيد في رؤيا الأذان، والله أعلم] (^٢).
الدليل الثاني عشر:
(ث-١٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن عبيد مولى سلمة بن الأكوع (^٣)، أن سلمة بن الأكوع كان يثني الإقامة (^٤).
_________________
(١) مسند الشاشي (١٠٨٥).
(٢) في هذا الإسناد ثلاث مخالفات: الأولى: لا يعرف ذكر لأبي بكر ﵁ في رؤيا عبد الله بن زيد إلا من هذا الطريق. الثانية: وضع الأصبعين في الأذنين لا يعرف في رؤيا عبد الله بن زيد في جميع طرقه إلا من هذا الطريق، وإنما جاء في بعض طرق أبي جحيفة، وسوف يأتي بحثه في فصل مستقل. الثالثة: تثنية الإقامة، وهو مخالف لما رواه محمد بن عبد الله بن زيد، عن أبيه، بإيتار الإقامة. وقد تابع أبو حنيفة أبا عبد الله إدريس بن يزيد الأودي كما في الآثار لأبي يوسف (٨٥)، والمعجم الأوسط للطبراني (٢٠٢٠)، وهو في مسند أبي حنيفة رواية أبي نعيم (ص: ١٤٨). قال الهيثمي في المجمع (١/ ٣٢٩): «رواه الطبراني في الأوسط، وفيه من تكلم فيه، وهو ثقة». اه يقصد والله أعلم أبا حنفية. وروى ابن حبان في المجروحين (١/ ١٦٠) من طريق أبي بشر الفقيه، حدثني عمي، حدثنا جدي، حدثنا منصور بن عبد الحميد المروزي، عن أبي حنيفة، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان ابن بريدة، عن أبيه، أن رسول الله أمر بلالًا أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة. وآفته أبو بشر الفقيه: أحمد بن محمد بن مصعب، قال ابن حبان: كان ممن يضع المتون للآثار، ويقلب الأسانيد للأخبار حتى غلب قلبه أخبار الثقات وروايته عن الأثبات بالطامات على مستقيم حديثه، فاستحق الترك، ولعله قد قلب على الثقات أكثر من عشرة آلاف حديث … إلخ كلامه.
(٣) هكذا اسمه عبيد في مصنف بن أبي شيبة، وفي شرح معاني الآثار، وفي سنن الدارقطني يزيد بن أبي عبيد، وهو الموافق لكتب التراجم. انظر تهذيب الكمال (٣٢/ ٢٠٦).
(٤) المصنف، ت. عوامة (٢١٥٠).
[ ١ / ١٣٩ ]
[حسن، وهذا إسناد ضعيف لضعف إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وهو موقوف على سلمة بن الأكوع] (^١).
• وأجيب:
(ح-٤٨) بأن هذا مخالف لما رواه الدارقطني من طريق عمر بن علي بن بكر، حدثنا محمد بن سعدان بن عبد الله بن حيان، عن يزيد بن أبي عبيد،
عن سلمة بن الأكوع، قال: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مثنى مثنى، والإقامة فردًا.
[فيه عمر بن علي بن بكر ذكره ابن حبان في ثقاته، ولم يوثقه غيره] (^٢).
الدليل الثالث عشر:
(ح-٤٩) ما رواه ابن حبان في المجروحين عن حميد بن علي بن هارون القيسي، عن عبد الواحد بن غياث، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: الأذان والإقامة مثنى مثنى (^٣).
[ضعيف جدًّا] (^٤).
الدليل الرابع عشر:
(ث-١١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن عبد الرحمن بن
_________________
(١) ومن طريق وكيع أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٣٦). وأخرجه الدارقطني في السنن وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٦١) من طريق ابن الجنيد، أخبرنا أبو عاصم، عن يزيد بن أبي عبيد به، وهذا إسناد حسن.
(٢) سنن الدارقطني (١/ ٢٤١).
(٣) المجروحين (١/ ٢٦٣).
(٤) قال ابن حبان عن شيخه حميد بن هارون: ذهبت إليه يومًا، وجماعة من أصحابنا لأختبره، فَدُلِلْنا عليه في بني قيس، فلما أتينا إذا شيخ يظهر الصلاح والخير، فسألته أن يملي علينا شيئًا من حفظه، فأملى علينا فسمع منه مجموعة أحاديث مقلوبة، قال ابن حبان: لا يخلو أمره من أحد شيئين: إما أن يكون هو الذي يتعمد قلب هذه الأحاديث، أو قُلِبَت له، فحدث بها، فلا يجوز الاحتجاج به بعد روايته مثل هذه الأشياء عن هؤلاء الثقات الذين لم يحدثوا بهذه الأحاديث على هذا النحو، وهذا شيخ ليس يعرفه كثير أحد، وإنما ذكرته لعل من يجيء بعدنا من يحتج بشيء من رواية هذا الشيخ، ويوهم المستمعين أنه كان ثقة. انظر المجروحين (١/ ٢٦٤).
[ ١ / ١٤٠ ]
يحيى، عن الهجنع بن قيس،
أن عليًّا، كان يقول: الأذان مثنى والإقامة، وأتى عليٌّ مؤذنًا يقيم مرة مرة، فقال: ألا جعلتها مثنى لا أم للأَخِر (^١).
[ضعيف] (^٢).
هذه أدلة الحنفية وكل من قال معهم بتثنية الإقامة، وأصح دليل لهم هو حديث أبي محذورة، وقد صدرنا به أدلتهم.
• حجة من قال: يثني التكبير ويفرد سائرها بما في ذلك قد قامت الصلاة:
الدليل الأول:
(ح-٥٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق خالد الحَذَّاء، عن أبي قلابة،
عن أنس بن مالك ﵁، قال: ذكروا النار والناقوس، فذكروا اليهود والنصارى، فأمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة (^٣).
وجه الاستدلال:
الحديث صريح بأن الإقامة وتر، فيشمل ذلك حتى قوله: (قد قامت الصلاة).
• وأجيب بجوابين:
الجواب الأول:
إذا احتج المالكية على إفراد (قد قامت الصلاة) بظاهر الإطلاق في حديث أنس، فإنه يلزمهم أن يقولوا بظاهره بإفراد التكبير في أول الإقامة وآخرها، لظاهر الإطلاق أيضًا، وهم لا يقولون بذلك، ولذلك لا أعلم أثرًا صحيحًا من السنة يقول بتثنية التكبير مع إفراد جملة (قد قامت الصلاة) إلا ما احتج به مالك من أنه وجد أهل
_________________
(١) المصنف، ت. عوامة (٢١٤٩).
(٢) قال البرقاني كما في سؤالاته (٥٢٧): «سمعت الدارقطني يقول: الهجنع بن قيس، لا شيء، وهو كوفي، وله حديثان». اه وعبد الرحمن بن يحيى: الصواب: يحيى بن عبد الرحمن، وإنما كان هشيم يغلط في اسمه، قال الطبراني: كان ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. انظر تهذيب الكمال (٣١/ ٤٤٠، ٤٤١).
(٣) صحيح البخاري (٦٠٣)، وصحيح مسلم (٢ - ٣٧٨).
[ ١ / ١٤١ ]
المدينة على هذا العمل زمن التابعين، ولذلك قال ابن عبد البر المالكي: ولا خلاف بين مالك والشافعي في الإقامة إلا في قوله: (قد قامت الصلاة) فإن مالكًا يقولها مرة، والشافعي يقولها مرتين، وأكثر العلماء على ما قال الشافعي، وبه جاءت الآثار (^١).
فهذا ابن عبد البر يشهد بأن الآثار مع قول الشافعي، ومفهومه أن قول مالك ليس له ما يعضده من الآثار، والله أعلم.
الجواب الثاني:
(ح-٥١) أن البخاريَّ ومسلمًا قد روياه من طريق سماك بن عطية، عن أيوب، عن أبي قلابة،
عن أنس، قال: أُمِرَ بلالٌ أن يُشْفِعَ الأذان، وأن يُوتِرَ الإقامة، إلا الإقامة (^٢).
• ورد هذا:
بأن قوله: (إلا الإقامة) مدرجة في الحديث من قول أيوب، وليست من الحديث.
فقد رواه البخاري ومسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا خالد، عن أبي قلابة،
عن أنس بن مالك، قال: أُمِرَ بلالٌ أن يُشْفِعَ الأذان، وأن يُوتِرَ الإقامة. قال إسماعيل: فذكرت لأيوب، فقال: إلا الإقامة (^٣).
وقد ادعى ابن منده، وأبو محمد الأصيلي، أن قوله (إلا الإقامة) من قول أيوب غير مسند كما في رواية إسماعيل بن إبراهيم هذه، وأشار إلى أن في رواية سماك
_________________
(١) انظر الاستذكار (١/ ٣٦٩).
(٢) رواه البخاري (٦٠٥، ٦٠٦) م (٣٧٨) ..
(٣) قال ابن رجب في الفتح (٥/ ٢٠٦): «وقول أيوب: (إلا الإقامة)، مراده: أن الحديث فيه هذه اللفظة، ولكن لم يذكر سندها، وقد ذكر سندها عنه سماك بن عطية - على ما تقدم في الباب الذي قبله - وأن أيوب رواها عن أبي قلابة، عن أنس. وقد تابعه أيضًا معمر، عن أيوب. خرج حديثه الإسماعيلي في صحيحه من حديث عبد الرزاق: أنبأ معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: كان بلال يثني الأذان ويوتر الإقامة، ويقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة مرتين».
[ ١ / ١٤٢ ]
بن عطية هذه إدراجًا (^١).
• وأجيب على هذا الرد:
بأن الأصل عدم الإدراج، وأن ما كان في الخبر فهو منه حتى يقوم دليل على خلافه، ولا دليل في رواية إسماعيل على الإدراج، غايته أن خالدًا الحذاء كان لا يذكر الزيادة، وكان أيوب يذكرها، وكل منهما روى الحديث عن أبي قلابة عن أنس فكان في رواية أيوب زيادةٌ من حافظٍ فتقبل.
ولم ينفرد سماك بن عطية في رفعها عن أيوب، بل تابعه على ذلك معمر.
فقد روى عبد الرزاق في المصنف قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة،
عن أنس قال: كان بلال يثني الأذان، ويوتر الإقامة، إلا قوله قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة (^٢).
الدليل الثاني:
(ح-٥٢) ما رواه أبو عوانة في مستخرجه من طريق سعيد بن المغيرة الصياد قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مثنى مثنى، والإقامة فرادى.
ورواه البزار والطحاوي والدارقطني بلفظ: والإقامة مرة مرة (^٣).
• ويجاب:
بأن الحديث قد اختلف في وقفه ورفعه، كما تبين هذا في تخريج سابق (^٤).
وقد اختلف على عيسى بن يونس في لفظه:
فرواه سعيد بن المغيرة، عن عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر بذكر الإقامة مرة مرة.
وأخرجه ابن الجارود في المنتقى عن علي بن خشرم، قال: أخبرنا عيسى بن
_________________
(١) فتح الباري (٢/ ٨٣)، شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٢٣٣).
(٢) المصنف (١٧٩٤).
(٣) مستخرج أبي عوانة (٩٥٩)، ومسند البزار (٥٧٤١)، وسنن الدارقطني (١/ ٢٣٩) وفوائد تمام (٣٠٩).
(٤) انظر: (ح: ٣٤).
[ ١ / ١٤٣ ]
يونس، عن شعبة، عن أبي جعفر، عن أبي المثنى
عن ابن عمر، بلفظ: كان الأذان على عهد النبي ﷺ مثنى مثنى، والإقامة واحدة غير أنه إذا قال: قد قامت الصلاة ثنى بها، فإذا سمعناها توضأنا وخرجنا إلى الصلاة (^١).
الدليل الثالث:
(ح-٥٣) ما رواه الدارقطني من طريق الحميدي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد بن عائذ القرظ، حدثني عبد الله بن محمد بن عمار، وعمار وعمر ابنا حفص بن عمر بن سعد، عن عمر بن سعد،
عن أبيه سعد القرظ، أنه سمعه يقول: إن هذا الأذان أذان بلال الذي أمره رسول الله ﷺ وإقامته وهو: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر … وذكر الأذان بالترجيع، والإقامة واحدة واحدة ويقول: قد قامت الصلاة مرة واحدة (^٢).
_________________
(١) المنتقى لابن الجارود (١٦٤)، وهذا هو الموافق لرواية الجماعة: فقد أخرجه أبو داود الطيالسي (١٩٢٣). وأحمد (٢/ ٨٥) وأبو داود (٥١٠)، وابن خزيمة في صحيحه (٣٧٤)، وابن حبان (١٦٧٤)، والحاكم من طريق محمد بن جعفر. وأخرجه أحمد أيضًا (٢/ ٥٨) والنسائي في المجتبى (٦٦٨) وفي الكبرى (١٦٤٤)، والدولابي في الكنى والأسماء (١٧٢٥) عن حجاج بن محمد. وأخرجه أحمد (٢/ ٨٧) والدارقطني (١/ ٢٣٩) والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٤١٣)، عن عبد الرحمن بن مهدي. وأخرجه النسائي في المجتبى (٦٢٨) وفي الكبرى (١٦٠٥)، وابن خزيمة في صحيحه بإثر ح (٣٧٤) من طريق يحيى بن سعيد القطان. وأخرجه الدارمي (١١٩٣) عن سهل بن حماد. وأخرجه ابن الجارود في المنتقى (١٦٤) من طريق أبي عامر العقدي. وأخرجه ابن حبان في صحيحه (١٦٧٧) وابن المنذر في الأوسط، من طريق آدم بن أبي إياس. وأخرجه ابن المنذر في الأوسط من طريق خالد بن الحارث. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٤١٣) من طريق أبي النضر، كلهم رووه عن شعبة، عن أبي جعفر، عن أبي المثنى به بذكر الإقامة مرتين.
(٢) سنن الدارقطني (١/ ٢٣٦).
[ ١ / ١٤٤ ]
• وأجيب:
أولًا: الحديث ضعيف (^١).
ثانيًا: قال ابن الجوزي: «لا يختلف في أن بلالًا كان لا يرجِّع، وإنما الحديث الذي ذكره الدارقطني من رواية عبد الله بن محمد بن عمار بن سعد القرظ، قال يحيى بن معين: ليس بشيء».
ثالثًا: أن قوله: (الإقامة مرة مرة) يقتضي إفراد التكبير في الإقامة، ولا يقول بذلك المالكية.
الدليل الرابع:
(ح-٥٤) روى ابن ماجه، قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا عبد الرحمن ابن سعد بن عمار بن سعد مؤذن رسول الله ﷺ، قال: حدثني أبي، عن أبيه،
عن جده، أن أذان بلال كان مثنى مثنى، وإقامته مفردة (^٢).
[ضعيف] (^٣).
فقوله: (وإقامته مفردة) ظاهره بما في ذلك قد قامت الصلاة.
• ويجاب:
بأن هذا الحديث على ضعف إسناده لا يقدم على الحديث الصحيح الصريح
_________________
(١) في إسناده عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد القرظ، وهو ضعيف. كما أن في إسناده عبد الله بن محمد بن عمار، له ترجمة في ميزان الاعتدال، وفيها: «قال عثمان بن سعيد: قلت ليحيى: كيف حال هؤلاء؟ قال: ليسوا بشيء». وفي إسناده أيضًا عمر بن حفص بن عمر بن سعد القرظ، قال ابن حجر: فيه لين. وقال ابن معين: ليس بشيء. كما أن عمار بن حفص، قال فيه ابن معين كما في ميزان الاعتدال (٣/ ١٦٤): عمار بن حفص عن آبائه، ليس بشيء. وقد رواه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٥٨٠) من طريق الحميدي به.
(٢) سنن ابن ماجه (٧٣١).
(٣) ضعيف قال البوصيري في الزوائد: «ضعيف؛ لضعف أولاد سعد، ومعناه في صحيح البخاري». ومن طريق هشام بن عمار أخرج بعضه الطبراني في الكبير (٦/ ٣٩).
[ ١ / ١٤٥ ]
بأن بلالًا كان يوتر الإقامة إلا قد قامت الصلاة، فإطلاق الإفراد باعتبار الأغلب.
الدليل الخامس:
احتج المالكية بأن إفراد قوله: (قد قامت الصلاة) هو عمل أهل المدينة، نقله التابعون عن الصحابة، نقلًا متواترًا يقطع العذر، وهم عدد كثير، لا يجوز على مثلهم التواطؤ، ولا يصح على جميعهم النسيان والسهو عما ذكر بالأمس من الإقامة، ولا يجوز عليهم ترك الإنكار على من أراد التبديل، أو التغيير، ولأن كل مسألة طريقها النقل كالأذان، والإقامة، والصاع، والمد، ونحوها المعول فيه على نقل أهل المدينة؛ لأن ما نقل نقلًا مستفيضًا أو متواترًا أولى مما نقل آحادًا، والله أعلم (^١).
هذا هو الدليل الذي يمكن أن يعتمده المالكية حجةً لقولهم، وأما الآثار فلا أعلم حديثًا صحيحًا جمع بين تثنية التكبير في الإقامة وإفراد جملة (قد قامت الصلاة)، والله أعلم.
• ونوقش:
بأن عمل أهل المدينة قد تغير بعد وفاة النبي ﷺ، بدليل أن مالكًا أدرك أهل المدينة، وهم يؤذنون بالترجيع، وإنما الترجيع لم يعرف إلا في أذان أهل مكة بما علمه النبي لأبي محذورة، وكان بلال يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة، ومات النبي ﷺ، وأذان بلال على هذه الحال، فالذي يظهر أن أهل المدينة قد نقلوا أذان مكة وإقامتها إلى المدينة بعد وفاة النبي ﷺ، والله أعلم.
• دليل من قال: الإقامة إحدى عشرة جملة:
الدليل الأول:
(ح-٥٥) ما رواه أحمد من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال:
حدثني عبد الله بن زيد، قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس؛ ليضرب به للناس في الجمع للصلاة طاف بي، وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده، فقلت له
_________________
(١) انظر المنتقى للباجي (١/ ١٣٤)، شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٢٣١).
[ ١ / ١٤٦ ]
: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: ما تصنع به؟ قال: فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قال: فقلت له: بلى، قال: تقول الله أكبر الله أكبر … وذكر الأذان. ثم استأخر غير بعيد ثم قال: تقول: إذا أقيمت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فَأَلْقِ عليه ما رأيت، فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك.
[حسن إن سلم من تفرد ابن إسحاق، وثبت سماع محمد بن عبد الله بن زيد من أبيه] (^١).
الدليل الثاني:
(ح-٥٦) ما رواه أحمد عن محمد بن جعفر وحجاج، كلاهما عن شعبة، سمعت أبا جعفر - يعني المؤذن يحدث عن مسلم أبي المثنى، يحدث
عن ابن عمر قال: إنما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين وقال حجاج: يعني مرتين مرتين - والإقامة مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، وكنا إذا سمعنا الإقامة توضأنا، ثم خرجنا إلى الصلاة. قال شعبة: لا أحفظ غير هذا (^٢).
[رواه أبو جعفر عن أبي المثنى مرفوعًا وتابعه ابن أرطاة، وخالفهما إسماعيل ابن أبي خالد فرواه عن أبي المثنى عن ابن عمر موقوفًا، وهو المحفوظ] (^٣).
الدليل الثالث:
(ح-٥٧) ما رواه الشيخان، من طريق سماك بن عطية، عن أيوب، عن أبي قلابة،
عن أنس، قال: أمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة إلا الإقامة (^٤).
_________________
(١) سبق تخريجه، انظر: (ح: ٢٧).
(٢) المسند، وقول شعبة: لا أحفظ غير هذا يعني أنه لم يسمع منه إلا هذا الحديث، هكذا عند أبي داود وغيره.
(٣) سبق تخريجه، انظر ح: (٣٦).
(٤) رواه البخاري (٦٠٥، ٦٠٦) م (٣٧٨).
[ ١ / ١٤٧ ]
وجه الاستدلال:
فقوله: (يوتر الإقامة) يأتي بها وترًا.
وقوله: (إلا الإقامة) أي قوله: قد قامت الصلاة فإنه يثنيها.
• اُعْتُرِضَ على ذلك بما يلي:
الاعتراض الأول:
أن الحديث نص على إيتار الإقامة، ولم يُسْتَثْنَ من ذلك إلا قولُهُ (قد قامت الصلاة)، والاستثناء معيار العموم -كما يقول أهل الأصول- ومقتضاه: إفراد التكبير في أوله وآخره، وعليه تكون جمل الإقامة تسع جمل.
وأجاب الشافعية:
بأن التكبير وإن كانت صورته في الإقامة مثنى، فهو بالنسبة إلى الأذان إفراد، فالتكبير أربع في الأذان، وفي الإقامة مرتان، وهذا نوع من الإفراد، والشهادتان والحيعلة مثنى في الأذان يقابلها إفراد في الإقامة، ولا يستثنى من ذلك شيء إلا التكبير في آخره فإنه مثنى في الأذان والإقامة، ولهذا استحب النووي من الشافعية أن يقول المؤذن كل تكبيرتين بِنَفَس واحدٍ، فيقول في أول الأذان الله أكبر الله أكبر بِنَفَسٍ واحد ثم يقول: الله أكبر الله أكبر بِنَفَسٍ آخر والله أعلم (^١).
حتى تكون صورة التكبير في الأذان مثنى، وفي الإقامة إفرادًا.
قال ابن حجر: «وهذا إنما يتأتى في أول الأذان لا في التكبير الذي في آخره، وعلى ما قال النووي ينبغي للمؤذن أن يفرد كل تكبيرة من اللتين في آخره بِنَفَس» (^٢).
الاعتراض الثاني:
حمل بعضهم حديث: (أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة) على أن يؤذن بصوتين، ويقيم بصوت.
• ورد هذا الاعتراض:
بأن هذا ليس بشيء؛ لأن في الخبر إضافة الشفع والإيتار إلى الأذان والإقامة،
_________________
(١) شرح النووي لصحيح مسلم (٤/ ٧٩).
(٢) فتح الباري (٢/ ٨٣).
[ ١ / ١٤٨ ]
والأذان والإقامة هي الكلمات لا الصوت المسموع فيهما، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن حديث عبد الله بن زيد جاء مفصلًا، وفيه: وتقول: (إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله) (^١).
الاعتراض الثالث:
أن قوله: (أمر بلال) يحتمل أن الآمر رسول الله ﷺ، ويحتمل أن يكون غيره حتى ظن بعض الناس أن الآمر بعض أمراء بني أمية؛ لأنهم هم الذين غيروا الإقامة ونقصوا منها.
• وأجيب من وجوه:
الوجه الأول:
أن الصحيح من أقوال أهل العلم أن الصحابي إذا قال: أُمِرْنا بكذا، أو نُهِينَا عن كذا، فإنه يعني إضافة ذلك إلى رسول الله ﷺ، فإنه صاحب الأمر والنهي الشرعي، كما أنه لو قال: رُخِّصَ لنا في كذا، ونُسَخَ عنا كذا، كان بمنزلة قوله: رَخَّصَ لنا رسول الله ﷺ، ونَسَخَ عنا رسول الله ﷺ، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩].
ولأن العادة أن من له رئيس معظم، فإذا قال: أُمِرْنا بكذا، إنما يريد أمر رئيسه، ولا يفهم عنه إلا ذلك، ورسول الله ﷺ هو عظيم الصحابة وهو الذي يرجعون إليه في أمورهم.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث يتضمن شرح ابتداء الأذان والإقامة، لأنه قال: ذكروا أن يوروا نارًا، أو يضربوا ناقوسًا، فَأُمِر بلالٌ، والأمر في الابتداء لا يكون إلا من الرسول ﷺ.
الوجه الثالث:
أن بلالًا لم يؤذن بعد وفاة رسول الله ﷺ لأحد، إنما أذن بعد وفاته قبل أن يُقْبَر، فانتحب الناس وبكوا عند قوله: أشهد أن محمَّدًا رسول الله، فلما دفن رسول الله ﷺ
_________________
(١) سبق تخريجه، انظر ح (٢٧).
[ ١ / ١٤٩ ]
قال له أبو بكر: أَذِّنْ، فقال: إن كنت أعتقتني لأكون معك فسبيل ذلك، وإن كنت أعتقتني لله فخلني ومن أعتقتني له، فقال: ما أعتقتك إلا لله، قال: فإني لا أؤذن لأحد بعد رسول الله ﷺ قال: فذاك إليك، فأقام بلال حتى خرجت بعوث الشام، فسار معهم حتى انتهى إليها، وتوفي بدمشق (^١).
الوجه الرابع: لو قدرنا أن بلالًا أمر بذلك، فكيف يظن به أن يترك ما يعلمه من سنة رسول الله ﷺ لقول أحد من الناس (^٢).
الوجه الخامس: أن أنسًا ﵁ لم يكن حاضرًا عند أمر النبي ﷺ بلالًا ﵁، وإنما رآه فيما بعد يشفع ويوتر، فحمل على أنه لا يمكن إلا أن يكون فيه عنده أمر من جهة النبي ﷺ (^٣).
الدليل الرابع:
الاحتجاج بعمل أهل مكة، فإن إقامتهم كانت إحدى عشرة جملة، وهي وإن كانت غير مسندة، إلا أنها من العمل الموروث، الذي أخذه أحفاد أبي محذورة، عن آبائهم، وأخذه آباؤهم عن جدهم أبي محذورة، ومثل هذا يستغنى به عن الإسناد.
(ح-٥٨) قال الشافعي: أدركت إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة يؤذن كما حكى ابن محيريز وسمعته يحدث عن أبيه، عن ابن محيريز،
عن أبي محذورة عن النبي ﷺ معنى ما حكى ابن جريج. قال الشافعي ﵀: سمعته يقيم يقول: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله. قال الشافعي وسمعته يحكي الإقامة خبرًا كما يحكي الأذان (^٤).
(ث-١٢) وروى الحميدي كما في سنن الدارقطني، والبيهقي في المعرفة،
_________________
(١) ذكره ابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٣٦) عن الواقدي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبيه، قال: … وذكر الأثر.
(٢) انظر كشف المشكل من حديث الصحيحين (٣/ ٢٢٥).
(٣) انظر فيض الباري شرح البخاري (٢/ ٢٠٣).
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٦١٦)، ومختصر خلافيات البيهقي (١/ ٥١٠).
[ ١ / ١٥٠ ]
أخبرنا إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة قال:
أدركت جدي وأبي وأهلي يقيمون، فيقولون: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله (^١).
فإبراهيم أدرك جده عبد الملك بن أبي محذورة، وعبد الملك بن أبي محذورة أحد أبناء أبي محذورة، وقد علم النبي ﷺ أبا محذورة الأذان، وأذن له بمكة، ثم انتقل إلى ولده من بعده، ولا يتصور أن عبد الملك بن أبي محذورة وابنه عبد العزيز يُحْدِثَان إقامةً تخالف الإقامة التي كان يقيم بها أبو محذورة للمسلمين، ولو غيرا مثل هذا لَنُقِل الإنكار عليهما من عامة المسلمين، ولا يحسن رد مثل هذا بضعف إبراهيم بن عبد العزيز وأبيه، وجده؛ لأن نقلًا مثل هذا يبعد دخول الوهم فيه، والله أعلم.
يقول الشافعي: «فإن جاز أن يكون هذا غلطًا من جماعتهم، والناس بحضرتهم، ويأتينا من طرف الأرض من يعلمنا ذلك، جاز أن يسألنا عن عرفة ومنى، ثم يخالفنا في المواقيت، ولو خالفنا في المواقيت لكان أجوز له من مخالفتنا في هذا الأمر الظاهر المعمول به» (^٢).
وفي مختصر الخلافيات للبيهقي: «مما يدل على ذلك هذه الروايات الصحيحة المأثورة في تعليم رسول الله ﷺ أبا محذورة الإقامة فرادى، ثم اجتماع ولد أبي محذورة على الإفراد من أذان رسول الله ﷺ وإلى عصرنا، فإني حججت سنة إحدى وأربعين وسمعت إقامة الشيوخ من ولد ولد أبي محذورة فرادى، ثم حججت سنة خمس وأربعين، فسمعت إقامتهم بالحرمين فرادى، ثم حججت سنة سبع وستين وقد غيروا الإقامة: فسألت أبا علي الشيبي، وكان أكبر ولد بني شيبة سنًّا، فذكر أنهم أُكْرِهوا على ذلك، وفسر لي ما جرى عليهم فيه، وأن أكثر المؤذنين
_________________
(١) سنن الدارقطني (٩٠٧)، والمعرفة للبيهقي (١/ ٨٣٤).
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٦١٦).
[ ١ / ١٥١ ]
قد فارق الحرم، وانصرف إلى الطائف، وقال: لا أغير إقامة علمها رسول الله ﷺ جدنا أبا محذورة» (^١).
ويقول البيهقي: «وفي دوام أبي محذورة وأولاده على ترجيع الأذان وإفراد الإقامة ما يوجب ضعف رواية من روى تثنيتهما، أو يقتضي أن الأمر صار إلى ما بقي عليه هو وأولاده، وسعد القرظ وأولاده في حرم الله تعالى، وحرم رسول الله ﷺ إلى أن وقع التغير في أيام المصريين والله أعلم» (^٢).
ويقصد بالمصريين تسلط الرافضة العبيديين على حكم المسلمين في مصر.
• دليل من قال: الإقامة تسع جمل.
(ح-٥٩) ما رواه الشيخان، من طريق سماك بن عطية، عن أيوب، عن أبي قلابة،
عن أنس، قال: أمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة إلا الإقامة (^٣).
وجه الاستدلال:
فقوله: (يوتر الإقامة) يأتي بها وترًا.
وقوله: (إلا الإقامة) أي قوله: قد قامت الصلاة فإنه يثنيها، فالحديث نص على إيتار الإقامة، ولم يُسْتَثْنَ من ذلك إلا قولُهُ (قد قامت الصلاة)، والاستثناء معيار العموم -كما يقول أهل الأصول- ومقتضاه: إفراد التكبير في أوله وآخره، وعليه تكون جمل الإقامة تسع جمل.
• دليل من قال: إن رجع في الأذان ثنى الإقامة، وإلا أفردها:
أن المؤذن إن أخذ بأذان بلال أخذ بإقامة بلال، وإن أخذ بأذان أبي محذورة أقام بإقامة أبي محذورة، وقد علمنا أن بلالًا قد أمر أن يشفع الأذان بلا ترجيع، وأن يوتر الإقامة، فالأمر بهما جميعًا يعني ألا يفرق بينهما، وقد أمر النبي ﷺ أبا محذورة أن يرجع في الأذان، وأن يثني الإقامة، فالأمر بهما يعني ارتباط صفة الإقامة بصفة الأذان، فصار كل أذان له إقامته الخاصة، وهذا معنى قولنا: إن رجع في الأذان: أي
_________________
(١) مختصر خلافيات البيهقي (١/ ٥١٢).
(٢) السنن الكبرى (١/ ٦١٥).
(٣) رواه البخاري (٦٠٥، ٦٠٦) م (٣٧٨).
[ ١ / ١٥٢ ]
أذن بأذان أبي محذورة، ثنى الإقامة: أي أقام إقامة أبي محذورة، وإلا أفردها تبعًا لأذان بلال، أما التلفيق بين أذان بلال وإقامة أبي محذورة، أو العكس فهذا مخالف للأمر الشرعي، والله أعلم.
• ويناقش:
بأن الأمر إن كان من قبيل الاستحسان فهذا له وجه، وإن كان على سبيل الوجوب، أو شرط الإجزاء فلا دليل عليه؛ لأن الإقامة عبادة مستقلة عن الأذان، وإذا كانت مستقلة لم تربط إحداهما بالأخرى.
• دليل من قال: جمل الأذان ثمان كلمات:
(ح-٦٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق خالد الحَذَّاء، عن أبي قلابة،
عن أنس بن مالك ﵁، قال: ذكروا النار والناقوس، فذكروا اليهود والنصارى، فأمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة (^١).
• وأجيب:
بأن أيوب رواه عن أبي قلابة به، وزاد: إلا الإقامة، وهي زيادة محفوظة، وهي في الصحيحين، وسبق تخريجها أثناء ذكر أدلة هذه المسألة، والحمد لله.
• دليل من قال: يسن إفرادها وتثنيتها:
ثبت عن الرسول ﷺ الأمر بإفراد الإقامة كما ثبت عنه الأمر بتثنيتها، وهذا الاختلاف من اختلاف التنوع، وليس من اختلاف التضاد، كتنوع صفة الأذان، والاستفتاح، والقراءات، والتشهدات، وهذا يعني جواز كل ما ثبت بالسنة، كما أن المتوضئ بالخيار، إن شاء توضأ مرة مرة، وإن شاء مرتين مرتين، وليس لأحد أن يكره ما سنه رسول الله ﷺ لأمته، ولأن هجر ما وردت به السنة وملازمة غيره قد يفضي إلى أن يجعل السنة بدعةً، والمستحبَّ واجبًا، ويفضي إلى التفرق والاختلاف، فمن تمام السنة أن يفعل هذا تارة، وهذا تارة.
ولأنه لا يمكن الذهاب إلى القول بالنسخ لسببين:
أحدهما: أن من ادعى نسخ أذان بلال وإقامته بأذان أبي محذورة وإقامته بحجة
_________________
(١) صحيح البخاري (٦٠٣)، وصحيح مسلم (٢ - ٣٧٨).
[ ١ / ١٥٣ ]
أنه المتأخر، فإنه يمكن أن يعارض فيقال: بل أذان بلال هو المتأخر؛ لأن النبي ﷺ أقره عليه بعد رجوعه من فتح مكة.
السبب الثاني: أن عمل الأئمة يدل على عدم النسخ، فالشافعي أخذ بأذان أبي محذورة وإقامة بلال، وأبو حنيفة أخذ بأذان بلال وإقامة أبي محذورة، ومالك يأخذ بأذان أبي محذورة بالترجيع، ويوتر الإقامة، وهذه ليست صفة إقامة أبي محذورة، فالذي أخذ بأذان بلال وإقامته هم الحنابلة فقط، وهم لا يدَّعون نسخ أذان أبي محذورة، وإنما يرون أن المختار أذان بلال وإقامته، ولو أُذِّن بالترجيع أو بتثنية الإقامة فلا بأس، لذلك كان القول بجواز كل ذلك هو القول الراجح، والله أعلم.
[ ١ / ١٥٤ ]