المدخل إلى المسألة:
* الأصل في عقد الأذان أنه قام من أجل دعوة الناس لصلاة الجماعة، والنساء لا جماعة عليهن.
* الأذكار نوعان، مطلق، والأصل فيه الإباحة، ومقيد والأصل فيه المنع إلا بدليل.
* الأذان والإقامة أذكار مقيدة بوقت، وصفة، وعبادة معينة، فلا يشرعان إلا بدليل، ولا دليل على مشروعيتهما للنساء.
* قياس النساء على الرجال في مشروعية الأذان والإقامة قياس مع الفارق، فالأذان إعلام بالوقت، ولا يتحقق إلا برفع الصوت، ورفع المرأة صوتها بالعبادة غير مشروع.
* كل عبادة قام سببها على عهد النبي ﷺ، ولم تفعل، ولم يمنع من فعلها مانع فهي غير مشروعة.
[م-٨٨] لم يختلف العلماء بأن الأذان لا يجب على النساء.
وخلاف العلماء في أذان المرأة إنما هو في أذانها للنساء، وليس في أذان المرأة للرجال، إلا وجه شاذ بالجواز حكاه المتولي من الشافعية (^١).
وأما أذان المرأة للنساء وإقامتها، فاختلف في حكمهما:
فقيل: يكرهان، وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة، وللشافعية في قول:
_________________
(١) المجموع (٣/ ١٠٠)، ونسبه ابن رشد للإمام إسحاق، انظر: بداية المجتهد (١/ ١٨٨)، وأخذ به الشوكاني من المتأخرين. انظر: السيل الجرار (ص: ١٢١).
[ ٢ / ٨٥ ]
لا يستحبان (^١).
وقيل: يستحبان، وهو قول في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد ذكرها صاحب الإنصاف (^٢).
وقيل: يباحان مع خفض الصوت، وهو المنصوص عن أحمد (^٣).
وقيل: تستحب الإقامة دون الأذان، وهو المشهور من مذهب المالكية، والشافعية (^٤).
_________________
(١) الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٨٤)، الفروق للكرابيسي (١/ ٤٢)، تبيين الحقائق (١/ ١٣٥)، النهر الفائق (١/ ١٧٩)، البحر الرائق (١/ ٢٨٠)، المبسوط (١/ ١٣٣)، الجوهرة النيرة (١/ ٤٥)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٥٣)، الإقناع (١/ ٧٥)، كشاف القناع (١/ ٢٣٢)، الإنصاف (١/ ٤٠٦). وللشافعية في أذان المرأة وإقامتها ثلاثة أقوال: أحدها: لا يستحبان، ونفي الاستحباب لا يلزم منه ثبوت الكراهة، وقد يُشْعِرُ بالإباحة. وعبر الماوردي في الحاوي (٢/ ٥١) بكراهة الأذان للمرأة. وانظر المجموع (٣/ ١٠٠)، فتح العزيز (٣/ ١٤٧)، نهاية المطلب (٢/ ٤٥).
(٢) المجموع (٣/ ١٠٠)، فتح العزيز (٣/ ١٤٧)، نهاية المطلب (٢/ ٤٥)، الإنصاف (١/ ٤٠٦).
(٣) قال أحمد كما في مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج: «إن فعلن فلا بأس، وإن لم يفعلن فليس عليهن». اه ونفي البأس لا يرقى إلى الاستحباب، غايته أن يبلغ به الإباحة، وقد نقل صاحب الإنصاف (١/ ٤٠٦) رواية عن أحمد أنهما مباحان للنساء مع خفض الصوت. وانظر: مسائل عبد الله (٢٠٧)، وصالح (١/ ١٦٢)، وأبي داود (ص: ٢٩)، المغني (١/ ٣٠٦).
(٤) ذهب المالكية في المشهور أن الإقامة مستحبة للنساء، وأما الأذان فلا يطلب منهن اتفاقًا. وقال ابن القاسم من المالكية: إن أقمن فحسن. وانظر المدونة (١/ ١٥٨) وجاء في مواهب الجليل (١/ ٤٦٣): «وما ذكره المصنف من كون الإقامة في حق المرأة حسنة أي: مستحبة هو المشهور وهو مذهب المدونة، قال فيها: وليس على المرأة أذان ولا إقامة، وإن أقامت فحسن، قال ابن ناجي في شرح المدونة: المعروف من المذهب أن إقامتها حسنة». وقال خليل في شرح التوضيح (١/ ٢٩٢): وأما الأذان فلا يطلب منهن اتفاقًا. (١/ ٢٩٢). وجاء في مختصر المزني عن الشافعي أنه قال: «وأحب للمرأة أن تقيم ولا تؤذن فإن لم تفعل أجزأها». وجاء في مغني المحتاج (١/ ٣٢٠): «ويندب لجماعة النساء الإقامة بأن تأتي بها إحداهن، لا الأذان على المشهور». وانظر الحاوي الكبير (٢/ ٥١)، فتح العزيز (٣/ ١٤٦)، روضة الطالبين (١/ ١٩٦)، حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ١٤٥).
[ ٢ / ٨٦ ]
وقيل: يحرمان من المرأة، وهو اختيار ابن حزم الظاهري (^١).
هذه مجمل الأقوال في المسألة.
* حجة من قال: لا تؤذن المرأة ولا تقيم:
الدليل الأول:
وجاء في الجامع لابن وهب، قال: قرئ على ابن وهب: أخبرك عبد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله بن عمر؛ أنه ليس على النساء أذان ولا إقامة.
[ضعيف] (^٢).
وروى ابن عدي ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى من طريق الحكم بن موسى، قال: حدثنا يحيى بن حمزة، عن الحكم، عن القاسم،
عن أسماء، قالت: قال رسول الله ﷺ: ليس على النساء أذان، ولا إقامة، ولا جمعة، ولا اغتسال جمعة، ولا تقدمهن امرأة ولكن تقوم في وسطهن.
[موضوع] (^٣).
الدليل الثاني:
أن الأذان إنما شرع لدعوة الجماعة للصلاة، والنساء ليس عليهن جماعة.
_________________
(١) المحلى، مسألة (٣٢٣).
(٢) رواه ابن وهب في الجامع (٤٧٨ - ٤٥٣)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٦٠٠). وعبد الرزاق في المصنف، ط: التأصيل (٥١٦٦)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٩١). والوليد بن مسلم كما في مسائل حرب الكرماني، ت: السريع (٥٠٨)، كلهم عن عبد الله بن عمر، عن نافع به. والعمري: عبد الله بن عمر المكبر ضعيف عند أهل العلم. وقد ثبت عن ابن عمر ما يخالفه، وسوف أسوقه في أدلة القول الآخر إن شاء الله تعالى.
(٣) الكامل في الضعفاء (٢/ ٤٧٩)، والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ٦٠٠). في إسناده: الحَكَمُ بن عبد اللَّه بن سعد الأَيْلِيُّ. وقال أحمد: أحاديثُهُ كلُّها موضوعةٌ. لسان الميزان (٢٦٩٠). وقال البخاري: تركوه. التاريخ الكبير (٢٦٩٥). وقال أبو حاتم: ذاهب متروك الحديث، لا يكتب حديثه، كان يكذب. الجرح والتعديل (٣/ ١٢١).
[ ٢ / ٨٧ ]
* ويناقش:
بأن هذا في الجملة، وإلا فالأذان مشروع حتى للمنفرد في البادية ممن لا يرجو جماعة.
الدليل الثالث:
أنه لا يوجد دليل في مشروعية الأذان للنساء، ولو كان الأذان مشروعًا في حقهن لفعل؛ لحرص الصحابيات على فعل الخير، ولم ينقل فعله عن أزواج النبي ﷺ -وهُنَّ القدوة.
الدليل الرابع:
أن الأذان مشروع فيه رفع الصوت، والمرأة لا يستحب لها رفع صوتها، ولهذا تصفق في الصلاة إذا ناب الإمام شيء، ولا تسبح، ولا يشرع لها رفع صوتها بالتلبية بخلاف الرجال.
الدليل الرابع:
أن الأحاديث التي تأمر بالأذان إنما أمرت الرجال، ولم تأمر النساء، قال ﷺ -في الصحيح: فليؤذن لكم أحدكم، وسبق تخريجه.
وقول بعض المتأخرين: ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء هذا صحيح في الجملة بشرط ألا يدل العمل على خلافه.
* حجة من قال: يستحب الأذان والإقامة للنساء:
الدليل الأول:
(ث-٥٣) روى ابن أبي شيبة في المصنف من طريق ابن عجلان، عن وهب ابن كيسان، قال:
سئل ابن عمر، هل على النساء أذان؟ فغضب، وقال: أنا أنهى عن ذكر الله (^١).
وإسناده حسن.
_________________
(١) المصنف (٢٣٢٤).
[ ٢ / ٨٨ ]
* ويجاب عن أثر ابن عمر من وجوه:
الوجه الأول:
كونه ﵁ لا ينهى عن الشيء فهذا لا يعني أنه يأمر به، ولو كان في المسألة دليل خاص لاستشهد به ابن عمر ﵄.
الوجه الثاني:
أن الذكر نوعان مطلق، ومقيد، والأذان من الذكر المقيد، فهو مقيد بوقت، ومقيد بصفة، لا يجوز تغييرها بالزيادة أو النقص، ومقيد بنوع من الصلوات، وإذا كان الذكر ليس مطلقًا لم يدخل في عموم الأمر بالذكر، فيحتاج الأمر في مشروعيته إلى توقيف لاستحبابه للنساء.
الوجه الثالث:
أن الأذان لم يشرع للرجال باعتباره من الأذكار العامة، وإنما شرع في أوقات مخصوصة للدعوة للاجتماع على صلوات مخصوصة، ولذلك لو أن أحدًا أذن لغير الصلوات الخمس، كالعيد، والاستسقاء، أو أذن قبل الوقت في غير الفجر بحجة أنه ذكر لله لم يقبل منه.
الدليل الثاني:
(ث-٥٤) روى ابن أبي شيبة في المصنف، وابن المنذر في الأوسط، عن معتمر بن سليمان،
عن أبيه، قال: كنا نسأل أنسًا، هل على النساء أذان وإقامة؟ قال: لا، وإن فعلن فهو ذكر (^١).
[صحيح].
ويجاب عنه: بما أُجِيبَ عن الأثر السابق.
الدليل الثالث:
(ث-٥٥) روى ابن أبي شيبة من طريق ليث، عن عطاء، أن عائشة ﵂ كانت تؤذن وتقيم (^٢).
_________________
(١) المصنف (٢٣١٧)، الأوسط (٣/ ٥٤).
(٢) المصنف (٢٣٢٧).
[ ٢ / ٨٩ ]
[ضعيف، وسبق تخريجه] (^١).
* دليل من قال: يستحب للمرأة الإقامة دون الأذان:
الدليل الأول:
أن الأذان يطلب فيه رفع الصوت، وهو غير مشروع للمرأة، ولا يطلب ذلك في الإقامة.
* ويناقش:
بالإمكان أن تؤذن المرأة في مجتمع النساء ولا ترفع صوتها بذلك، ولا يسمعها الرجال، وإذا حدث ذلك دون قصد فصوت المرأة ليس بعورة، فهي منعت من الخضوع في القول، ولم تمنع من القول نفسه.
* ويجاب:
العبادات لا تثبت بفرض الإمكان، فهل كان ذلك سنة في مجتمع الصحابة، فما ترك في ذلك العصر فالمشروع تركه.
الدليل الثاني:
أن الإقامة تستحب؛ لأنها لاستفتاح الصلاة، واستنهاض الحاضرين فيستوي فيها الرجال والنساء بخلاف الأذان.
_________________
(١) انظر (ث-٢٢) وقد روى البيهقي في السنن ما يخالفه، فقد روى في الكبرى (١/ ٦٠٠) من طريق عمرو ابن أبي سلمة، قال: سألت ابن ثوبان هل على النساء إقامة فحدثني أن أباه حدثه قال: سألت مكحولًا فقال: إذا أذن فأقمن فذلك أفضل، وإن لم يزدن على الإقامة أجزأت عنهن. قال ابن ثوبان: وإن لم يقمن، فإن الزهري حدث عن عروة، عن عائشة قالت: كنا نصلي بغير إقامة. قال البيهقي: وهذا إن صح مع الأول فلا ينافيان لجواز فعلها ذلك مرة وتركها أخرى؛ لجواز الأمرين جميعًا، والله أعلم. فلم يجزم البيهقي في صحته، ولعله لتفرد عمرو بن أبي سلمة وفي حفظه ضعف، فقد ضعفه يحيى بن معين، وقال فيه أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال العقيلي: في حديثه وهم. ووثقه أبو سعيد بن يونس المصري. وفي التقريب: صدوق له أوهام. وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان: صدوق يخطئ.
[ ٢ / ٩٠ ]
* ويناقش:
بأن النداء قد يكون لمجموعة حاضرة، وليست غائبة كما كان ينادى بالصلاة للرسول ﷺ -في سفره، وهم حضور بين يديه.
* الراجح.
الذي أميل إليه أنه لا يشرع للمرأة أذان ولا إقامة، ولو كان مشروعًا لنقل الأمر بذلك، ولم ينقل فيه عمل، ومن أجازه من الصحابة استند إلى أنه من الذكر المطلق، وهذا لا ينطبق على الأذان والإقامة، ولو كان عندهم دليل خاص لاحتج به بدلًا من الاحتجاج بأنه من جملة الأذكار، والله أعلم.
[ ٢ / ٩١ ]