المدخل إلى المسألة
* ما اتخذ للحاجة فإنه يقدر بقدرها، ويزول بزوالها.
* الأصل في تعدد المؤذنين أذان ابن أم مكتوم مع أذان بلال للصبح في وقتين مختلفين، ثم قاسوا عليهما بقية الصلوات للحاجة.
* الاستئناس بزيادة عثمان في الجمعة أذانًا ثانيًا حين اتسعت المدينة، وكثر الناس.
* تعدد المؤذنين قائم على الحاجة إلى تعدد الأذان لاستكمال الإعلام إلا في الفجر والجمعة لكون التعدد فيهما في أوقات مختلفة.
* لا توجد حاجة إلى تعدد المؤذنين في مسجد واحد في وقت واحد مع وجود مكبرات الصوت إلا في الفجر والجمعة لاختلاف وقت الأذانين.
* إذا تزاحم المؤذنون على الأذان، ولم يوجد في أذان أحدهم ما يدعو لتفضيله استهموا عليه.
[م-٧٧] ذهب الفقهاء إلى جواز تعدد المؤذنين في المسجد الواحد، وقال باستحبابه الشافعية والحنابلة (^١).
_________________
(١) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٩٧)، فتح القدير (١/ ٢٤٩)، البحر الرائق (١/ ٢٧٣)، شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٢٨٨)، مواهب الجليل (١/ ٤٥٢)، الشرح الكبير للدردير (١/ ١٩٨)، التاج والإكليل (١/ ٤٥٢)، شرح الخرشي (١/ ٢٣٥)، إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ٢٠٧)، شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٨٢)، المجموع (١/ ١٢٩)، البيان للعمراني (٢/ ٨٦)، المقدمة الحضرمية (ص: ٦١)، المغني (١/ ٢٥٦)، شرح العمدة لابن تيمية (٤/ ١٤٢)، الإنصاف (١/ ٤٠٨)، الكافي لابن قدامة (١/ ١٠٣).
[ ٢ / ١٥ ]
والمستند في هذا حديث ابن عمر وعائشة في الصحيحين:
إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم.
والحديث دليل على استحباب اتخاذ مؤذنَيْنِ اثنين، وأما الزيادة عليهما فليس في الحديث تعرض لها.
والاقتصار على مؤذن واحد غير مكروه، لحديث مالك بن الحويرث: إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم.
ونص الجمهور على تعدد المؤذنين في جميع الصلوات.
وقال ابن مفلح في الفروع: «ويتوجه في الفجر فقط كبلال وابن أم مكتوم» (^١).
قلت: ويؤيده أن النبي ﷺ -لم يكن له إلا مؤذن واحد يوم الجمعة قبل أن يزيد فيه عثمان ﵁ في عصره حين اتسعت المدينة، مما يدل على أن اتخاذ مؤذنين كان في الليل خاصة، أحدهما قبل الفجر، والآخر عند طلوع الفجر.
والمستحب عند الشافعية ألا يزيد عن اثنين إلا أن تدعو الحاجة إلى الزيادة عليهما.
والمستحب في مذهب الحنابلة ألا يزيد عن اثنين على الصحيح (^٢).
وذهب الرافعي إلى أنه لا يستحب الزيادة على أربعة.
قال الرافعي في فتح العزيز: «الأحب أنه لا يزاد على أربعة فقد اتخذ عثمان ﵁ أربعة من المؤذنين، ولم يزد الخلفاء الراشدون على هذا العدد» (^٣).
وتعقبه النووي، فقال: «هذا الذي ذكره من استحباب عدم الزيادة على أربعة، قاله أبو علي الطبري، وأنكره كثيرون من أصحابنا، وقالوا: إنما الضبط بالحاجة، ورؤية المصلحة، فإن رأى الإمام المصلحة في الزيادة على أربعة فعله، وإن رأى
_________________
(١) نقلًا من الإنصاف (١/ ٤٠٨).
(٢) الإنصاف (١/ ٤٠٨).
(٣) فتح العزيز (٣/ ٢٠٠)، قال ابن حجر في التلخيص (١/ ٥٢٢): «حديث: أن عثمان اتخذ أربعة من المؤذنين … لا يعرف له أصل».
[ ٢ / ١٦ ]
الاقتصار على اثنين لم يزد، وهذا هو الأصح المنصوص، والله أعلم» (^١).
وفي شرح صحيح مسلم: «قال أصحابنا: يستحب أن لا يزاد على أربعة إلا لحاجة ظاهرة» (^٢).
وفي الإنصاف: «قال القاضي: لا يستحب الزيادة على أربعة لفعل عثمان إلا من حاجة» (^٣).
قلت: قيد الحاجة معتبر، ويدل على ذلك حديث (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه).
فدل الحديث على أن المؤذنين إذا تزاحموا على الأذان، ولم يكن هناك ما يدعو إلى تقديم أحدهم على الآخر احتاجوا إلى القرعة لمعرفة الأحق، ولو كان تعدد المؤذنين مفتوحًا لم يكن هناك حاجة إلى التزاحم عليه والاستهام لمعرفة الأحق.
فهذا كالنص على أن تعدد المؤذنين إنما يكون بقدر الحاجة، والله أعلم.
وقد كان أبو محذورة يؤذن في مكة، وسعد بن عائذ يؤذن بقباء، ولم يكن معهم أحد يؤذن، والله أعلم.
فالقصد من الأذان إعلام الناس بدخول وقت الصلاة، فربما كان المسجد واسعًا فإذا أذن مؤذن في ناحية من المسجد لم يبلغ ذلك أهل الناحية الأخرى، فَيُتَّخَذُ مؤذنٌ آخر من أجل الإعلام.
وهذا كان محتاجًا إليه في الزمن الماضي، أما اليوم فإن مكبر الصوت يتوزع على كل الجهات الأربع، فيبلغ أهلها بما لم يكن يبلغه تعدد المؤذنين.
وأما الكلام على صفة أذانهم، فهل يؤذنون في وقت واحد، أو يؤذن الواحد تلو الآخر؟
فالمالكية يختلف عدد المؤذنين عندهم باختلاف أوقات الصلاة سعة وضيقًا،
_________________
(١) روضة الطالبين (١/ ٢٠٦).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٨٣).
(٣) الإنصاف (١/ ٤٠٨).
[ ٢ / ١٧ ]
فوقت المغرب يختلف عن الأذان للفجر قبل وقته، والذي يبدأ عندهم من السدس الأخير من الليل حسب المشهور من المذهب.
والسنة عند المالكية الترتيب، وذلك بأن يؤذنوا واحدًا بعد واحد إلا في المغرب فلا يؤذن لها إلا واحد.
فإن كثر المؤذنون، وكان ذلك منهم ابتغاء الثواب، وخافوا إن أذنوا واحدًا بعد آخر أن يخرج الوقت فمن سبق منهم كان أولى، فإن تزاحموا فيجوز أن يؤذنوا جماعة بشرط أن يؤذن كل واحد منهم لنفسه من غير أن يمشي على صوت غيره.
قال ابن الحاج المالكي في المدخل: «أما ما اعتاده المؤذنون اليوم من الأذان جماعة متراسلين نسقًا واحدًا مجتمعين فلم يعرف عن أحد جوازه، وها هو اليوم هو المعهود المعمول به، ومن فعل غيره أو تكلم به كأنه ابتدع بدعة في الدين، وأتى بشيء لا يعرف، ولا يعهد» (^١).
ولأنهم لو أذنوا بصوت واحد، لا بد أن يتنفس أحدهم، فيجد غيره قد سبقه، فيحتاج أن يمشي على صوت من تقدمه، فيترك ما فاته من الأذان، فلا يأتي به كاملًا (^٢).
وجاء في النوادر والزيادات: «قال ابن حبيب: … رأيت بالمدينة ثلاثة عشر مؤذنًا، وكذلك مكة، يؤذنون معًا في أركان المسجد، إلا أن كل واحد لا يقتدي بأذان صاحبه. ولا بأس أن يؤذن واحد بعد واحد، مثل الخمسة والعشرة، فيما وقته واسع، كالصبح، والظهر، والعشاء، وفي العصر مثل الثلاثة إلى الخمسة، ولا يؤذن في المغرب إلا واحد» (^٣).
وقال نحوه ابن الحاج في المدخل (^٤).
_________________
(١) المدخل لابن الحاج (١/ ٩٥)، وانظر مواهب الجليل (١/ ٤٢٩)، الخرشي (١/ ٢٣١)، الشرح الكبير للدردير (١/ ١٩٨)، منح الجليل (١/ ٢٠٣).
(٢) انظر مواهب الجليل (١/ ٤٥٣).
(٣) النوادر والزيادات (١/ ١٦٥).
(٤) المرجع السابق (٢/ ٢٤١).
[ ٢ / ١٨ ]
وهذا الذي ذكره المالكية هو مذهب الشافعية، والحنابلة.
جاء في مختصر المزني: «فإن كان المؤذنون أكثر أذنوا واحدًا بعد واحد» (^١).
وقال الشيرازي: في المهذب: «والمستحب أن يؤذن واحد بعد واحد، كما فعل بلال، وابن أم مكتوم، ولأن ذلك أبلغ في الإعلام» (^٢).
وقال النووي: «وإذا ترتب الأذان اثنان فصاعدًا، فالمستحب أن لا يتراسلوا، بل إن اتسع الوقت ترتبوا فيه، فإن تنازعوا الابتداء أُقْرعَ بينهم، وإن ضاق الوقت، فإن كان المسجد كبيرًا أذنوا متفرقين في أقطاره.
وإن كان صغيرًا وقفوا معًا، وأذنوا، وهذا إذا لم يُؤَدِّ اختلاف الأصوات إلى تهويش، فإن أدى لم يؤذن إلا واحد» (^٣).
قال ابن رجب: «إن كان المسجد صغيرًا أذن واحد منهم بعد واحد، وإن كان كبيرًا أذنوا جملة؛ لأنه أبلغ في التبليغ والإعلام» (^٤).
وفي الإنصاف: «الأولى أن يؤذن واحد بعد واحد، ويقيم من أذن أولًا» (^٥).
فخرجنا من هذه الأقوال بما يلي:
الأول: الأصل أن تعدد المؤذنين قائم على الحاجة إلى تعدد الأذان لاستكمال الإعلام، إلا في الفجر، فيستحب اتخاذ مؤذنين، أحدهما قبل الوقت، والآخر عند طلوع الفجر.
الثاني: مع وجود المكبرات لم تعد هناك حاجة إلى تعدد المؤذنين لاستكمال الإعلام، فتوزيع مكبرات الصوت على الجهات الأربع مغنٍ عن تكرار الأذان من أجل الإعلام.
الثالث: تكرار الأذان في الفجر والجمعة لاختلاف وظائفهما، فالأذان قبل
_________________
(١) مختصر المزني (ص: ١٣).
(٢) المهذب (١/ ٥٩).
(٣) روضة الطالبين (١/ ٢٠٦)، وانظر (٣/ ٢٠٠).
(٤) فتح الباري لابن رجب (٥/ ٢٩٠).
(٥) الإنصاف (١/ ٤٠٨).
[ ٢ / ١٩ ]
الفجر من أجل استعداد الناس للصلاة، حيث يأتي عليهم الفجر، وهم نائمون، والناس منهم السريع والبطيء، وأما أذان الجمعة الأول فمن أجل رجوع الناس من أسواقهم، واستعدادهم للصلاة، ولم يكن تكرار الأذان بسبب أن أحدهما لا يكفي لإعلام الناس.
الرابع: لا يؤذنون بنسق واحد، وصوت واحد، فإن هذه الصفة بدعة.
الخامس: إن كان المسجد واسعًا، أذنوا في وقت واحد كل واحد منهما في ناحية ما لم يشوش أحدهما على الآخر، وإن كان المكان ضيقًا أذن الواحد منهم بعد الآخر إن اتسع الوقت، وكان هناك حاجة.
[ ٢ / ٢٠ ]