المدخل إلى المسألة
• زيادة: (صلوا في رحالكم) إن كانت في أثناء الأذان فذلك بمنزلة الكلام في الأذان، وهو مباح عند الحاجة، وإن كان بعد الفراغ من الأذان فهو أولى بالجواز.
• إذا شرع للمنفرد أن يقول: (حي على الصلاة) مع أنه لا يرجو حضور أحد، جاز أن يجمع المؤذن بين قوله: (حي على الصلاة) وبين قوله: (صلوا في رحالكم) لغلبة التعبد في ألفاظ الأذان على معناه.
• إذا جاز أن تقال الحيعلتان في الأذان الأول قبل الفجر، مع أن هذا النداء لم يكن لفعل الصلاة؛ لكونه قبل وقتها، ولم يكن لصلاة الليل؛ لأنه لا يشرع الأذان للنفل ولا جماعة لها، جاز أن تقال الحيعلتان مع قوله: (صلوا في رحالكم) لغلبة جانب التعبد.
[م-١٤] يجوز للمؤذن في الليلة المطيرة أن يقول: ألا صلوا في رحالكم (^١).
وقيد بعضهم ذلك في السفر (^٢).
_________________
(١) تبيين الحقائق (١/ ١٣٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٥٥)، مراقي الفلاح (ص: ١١٣)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٩٧)، المعتصر من المختصر من مشكل الآثار (١/ ٣١)، التمهيد (١٣/ ٢٧٠)، المنتقى للباجي (١/ ١٣٩)، التاج والإكليل (١/ ٤٢٧)، (٢/ ١٨٤)، مواهب الجليل (٢/ ١٥٦)، الاستذكار (١/ ٤٠٠ - ٤٠١)، منح الجليل (١/ ٤٢٠)، الأم (١/ ٨٨، ١٥٥)، طرح التثريب (٢/ ٣١٨)، المجموع (٣/ ١٣٦)، مغني المحتاج (١/ ٢٣٤)، الحاوي الكبير (٢/ ٣٠٤)، الكافي لابن قدامة (١/ ١٧٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٨٦، ٢٩٩)، مسائل أحمد رواية أبي الفضل (٧٩)، مطالب أولي النهى (١/ ٧٣٤)، المحلى، مسألة (٤٨٦).
(٢) المنتقى للباجي (١/ ١٣٩)، الفروع (٢/ ٤١)، فتح الباري لابن رجب (٦/ ٨٤).
[ ١ / ١٩٧ ]
قال ابن عبد البر: «والسفر عندي والحضر في ذلك سواء؛ لأن السفر إن دخل بالنص دخل الحضر بالمعنى؛ لأن العلة من المطر والأذى قائمة فيهما» (^١).
وخصه بعضهم في صلاة الليل دون النهار.
وقد فعله ابن عباس في نداء الجمعة، وهذا في النهار.
قال ابن رجب: «أكثر أهل العلم على أن المطر والطين عذر يباح معه التخلف عن حضور الجمعة والجماعات، ليلًا ونهارًا».
وقال أيضًا: «روي عن جماعة من الصحابة أنه يعذر في ترك الجمعة بالمطر والطين. منهم: ابن عباس وعبد الرحمن بن سمرة، وأسامة بن عمير والد أبي المليح، ولا يعرف عن صحابي خلافهم، وقولهم أحق أن يتبع» (^٢).
واختار كثير من الحنابلة أن الريح الشديدة الباردة لا تكون عذرًا في ترك الجماعة إلا في الليلة المظلمة خاصة (^٣).
وألحق بعضهم كل ما أذهب الخشوع كالحر الشديد (^٤).
وسوف أتعرض لهذه المسألة إن شاء الله تعالى في مظانها عند الكلام على الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة، ولكن الذي يهمنا هنا هو الزيادة على صيغة الأذان في مثل هذه الظروف.
• والحجة في هذا:
(ح-٨١) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع،
أن ابن عمر، أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، ثم قال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر، يقول: ألا صلوا في الرحال (^٥).
_________________
(١) الاستذكار (١/ ٤٠١).
(٢) فتح الباري لابن رجب (٦/ ٨٥).
(٣) فتح الباري لابن رجب (٦/ ٨٧).
(٤) كشاف القناع (١/ ٤٩٥).
(٥) صحيح البخاري (٦٦٦)، ومسلم (٦٩٧).
[ ١ / ١٩٨ ]
(ح-٨٢) وروى البخاري من طريق عبد الحميد، صاحب الزيادي، قال: حدثنا عبد الله بن الحارث ابن عم محمد بن سيرين،
قال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، فكأن الناس استنكروا، قال: فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة وإني كرهت أن أحرجكم فتمشوا في الطين والدحض (^١).
واختلف الفقهاء ﵏ في موضع جملة: (صلوا في رحالكم) من الأذان على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
أن هذه الجملة تقال بعد الفراغ من الأذان، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، واختاره إمام الحرمين من الشافعية (^٢).
جاء في التاج والإكليل: «قال أبو عمر: مذهب أبي حنيفة كمذهب مالك أنه لا يتكلم أثناء الأذان ومن أراد أن يقولها فليقلها بعد الفراغ من الأذان» (^٣).
• احتج أصحاب هذا القول:
(ح-٨٣) بما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع،
أن ابن عمر، أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، ثم قال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر، يقول: ألا صلوا في الرحال (^٤).
ورواه مسلم من طريق عبيد الله، حدثني نافع،
عن ابن عمر، أنه نادى بالصلاة في ليلة ذات برد وريح ومطر، فقال في آخر ندائه: ألا صلوا في رحالكم، ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان
_________________
(١) صحيح البخاري (٩٠١)، ورواه مسلم (٦٩٩).
(٢) عمدة القارئ (٥/ ١٢٨)، المنتقى للباجي (١/ ١٣٩)، فتح الباري (٢/ ٩٨).
(٣) التاج والإكليل (١/ ٤٢٧).
(٤) صحيح البخاري (٦٦٦)، ورواه مسلم (٦٩٧).
[ ١ / ١٩٩ ]
يأمر المؤذن، إذا كانت ليلة باردة، أو ذات مطر في السفر، أن يقول: ألا صلوا في رحالكم (^١).
فقوله في رواية مالك: (أذن .. ثم قال) ظاهره أنه قال ذلك بعد فراغه من الأذان.
وقوله في رواية عبيد الله (فقال في آخر ندائه) أن ذلك بعد فراغه.
القول الثاني:
يقولها إذا فرغ من الأذان، وإن قالها بعد الحيعلة فلا بأس، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (^٢).
جاء في الأم: «وأحب للإمام أن يأمر بهذا يعني قوله: ألا صلوا في الرحال إذا فرغ من أذانه، وإن قاله في أذانه فلا بأس» (^٣).
وجاء في أسنى المطالب: «ويستحب للمؤذن أن يقول في الليلة المطيرة، وإن لم تكن ذات ريح، أو المظلمة ذات الريح بعد الأذان أو بعد الحيعلة ألا صلوا في رحالكم» (^٤).
فالدليل على جوازه بعد الفراغ من الأذان: حديث ابن عمر، وسبق ذكره.
والدليل على جوازه بعد الحيعلة: حديث ابن عباس، وسبق ذكره، وفيه: إذا قلت أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم
قال النووي في شرح مسلم: «في حديث ابن عباس ﵁ أن يقول: ألا صلوا في رحالكم في نفس الأذان، وفي حديث ابن عمر أنه قال في آخر ندائه، والأمران جائزان، نص عليهما الشافعي رحمه الله تعالى في الأم في كتاب الأذان، وتابعه جمهور أصحابنا في ذلك، فيجوز بعد الأذان وفي أثنائه لثبوت السنة فيهما،
_________________
(١) مسلم (٦٩٧).
(٢) الأم (١/ ٨٨)، روضة الطالبين (١/ ٢٠٨)، أسنى المطالب (١/ ١٣٣)، طرح التثريب (٢/ ٣١٩)، حاشية اللبدي على نيل المآرب (١/ ٤٨).
(٣) الأم (١/ ٨٨).
(٤) أسنى المطالب (١/ ١٣٣).
[ ١ / ٢٠٠ ]
لكن قوله بعده أحسن؛ ليبقى نظم الأذان على وضعه …» (^١).
وانتقد ذلك العراقي في طرح التثريب، فقال: «ما استدل عليه النووي بحديث ابن عباس ليس مطابقًا له؛ لأن حديث ابن عباس يدل على أنه يقول ذلك مكان حي على الصلاة، والذي قاله أصحابنا أنه يقولها بعد الحيعلة فهو مخالف لحديث ابن عباس، وما اقتضاه حديث ابن عباس من كونه يجعلها مكان حي على الصلاة هو المناسب من حيث المعنى؛ لأن قوله: (صلوا في رحالكم) يخالف قوله: حي على الصلاة، فلا يحسن أن يقول المؤذن تعالوا، ثم يقول: لا تجيئوا، ولكن البخاري قد بوب على بعض طرق حديث ابن عباس: باب الكلام في الأذان، وإذا حملناه على أنه أذان كامل، زاد فيه: (صلوا في رحالكم) فيكون تأويل قول ابن عباس، إذا قلت: أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل حي على الصلاة: أي لا تقلها بعد الشهادتين، بل قل: صلوا في بيوتكم أولًا، وأتم الأذان بعد ذلك، وفيه نظر» (^٢).
وقال الحافظ ﵀: «ويمكن الجمع بينهما، ولا يلزم منه ما ذكر بأن يكون معنى (الصلاة في الرحال) رخصة لمن أراد أن يترخص ومعنى (حي على الصلاة) نَدْب لمن أراد أن يستكمل الفضيلة، ولو تحمل المشقة، ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فمُطِرْنَا، فقال: لِيُصَلِّ من شاء منكم في رحله» (^٣).
(ح-٨٤) قلت: قد روى الإمام أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، أن عمرو بن أوس أخبره،
أن رجلًا من ثقيف أخبره، أنه سمع مؤذن رسول الله ﷺ في يوم مطير، يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، صلوا في رحالكم (^٤).
_________________
(١) شرح النووي لصحيح مسلم (٥/ ٢٠٧).
(٢) طرح التثريب (٢/ ٣١٩ - ٣٢٠).
(٣) فتح الباري (٢/ ١١٣).
(٤) المسند (٥/ ٣٧٣).
[ ١ / ٢٠١ ]
[رجاله ثقات، وإبهام الثقفي لا يضر؛ فإن من سمع مؤذن رسول الله ﷺ فقد أدرك الصحبة؛ لأن مؤذن رسول الله ﷺ لم يؤذن بعد وفاته] (^١).
القول الثالث:
أنه يقولها في أثناء الأذان، وهو ظاهر مذهب الحنابلة، واختاره بعض الحنفية (^٢).
وترجم له البخاري في صحيحه: باب الكلام في الأذان.
وصفتها على قولين: أن يقولها: مكان الحيعلتين.
وقيل: يقولها بعد الحيعلتين، وقبل نهاية الأذان.
وحجة هذا القول حديث ابن عباس، وتقدم ذكر لفظه.
وحديث الرجل من ثقيف المتقدم ذكره.
• وسبب الخلاف:
هل جملة (صلوا في رحالكم) بمنزلة (الصلاة خير من النوم) هي من جمل
_________________
(١) وهو في مصنف عبد الرزاق (١٩٢٥). ورواه ابن أبي شيبة في المسند (٩٦٨). والنسائي في المجتبى (٦٥٣) أخبرنا قتيبة. وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٦١٥) حدثنا يعقوب بن حميد، ورواه ابن الجعد في مسنده (١٦١٩) حدثنا سريج بن يونس، وعمرو الناقد، وابن عباد وابن المقرئ، سبعتهم رووه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار به. ورواه أحمد من طريق مسعر، عن عمرو بن دينار به، إلا أنه خالف في لفظه أخبرني من سمع منادي رسول الله ﷺ حين قامت الصلاة، أو حين حانت الصلاة أو نحو هذا: أن صلوا في رحالكم لمطر كان. وظاهر أن مسعرًا لم يكن ضبط الحديث لشكه في لفظه، بخلاف رواية ابن جريج وسفيان. ورواه ابن الجعد في مسنده (١٦١٨) أخبرنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس، عن رجل حدثه، عن مؤذن رسول الله ﷺ أنه أصابهم مطر، فنادى منادي النبي ﷺ أن صلوا في الرحال. فأخشى أن يكون شعبة قد أفسد الحديث سندًا ومتنًا، والله أعلم
(٢) كشاف القناع (١/ ٤٩٧)، شرح العمدة لابن تيمية (٤/ ١٣١)، المعتصر من المختصر من مشكل الآثار (١/ ٣١).
[ ١ / ٢٠٢ ]
الأذان التي تشرع في بعض الأحيان، وعليه فلا إشكال إذا قيلت في أثناء الأذان؟
أو أن جملة (صلوا في رحالكم) كلام أجنبي عن الأذان، وإنما جاز الكلام به في أثناء الأذان لمصلحة الأذان، وعليه يكون تأخيره بعد الأذان أفضل من قطع الأذان، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى مسألة الكلام في أثناء الأذان، وأن ذلك جائز، وإن كان مذهب الحنفية والمالكية أضيق من مذهب الحنابلة والشافعية في هذه المسألة.
ولا أرى أن يستشكل قوله: (حي على الصلاة حي على الفلاح) مع قوله (صلوا في رحالكم) فإن المنفرد الذي لا يرجو إجابة أحد يشرع له أن يقول هذه الجملة، بل إن الأذان الأول بالليل ليس للصلاة، لأن صلاة النفل لا يشرع لها أذان، ومع ذلك جاء فيه الحيعلتان، فذكرهما يغلب عليه جانب التعبد على جانب المعنى أحيانًا.
وقد جاء الحديث عن ابن عمر وابن عباس في جواز الأمرين، وإنما النظر في أيهما يقدم، هل يقال بعد الفراغ من الأذان، أو في أثنائه، أو أن الأمرين على سواء؟ ومرده إلى ما ذكرت، فإن أخذنا بحديث ابن عمر قاله بعد الأذان، أو أخذنا بحديث ابن عباس قالها مكان الحيعلتين، وأكمل أذانه، أو أخذنا بحديث الثقفي قالها بعد الحيعلتين وقبل نهاية الأذان، وكل ذلك جائز، والله أعلم.
[ ١ / ٢٠٣ ]