المدخل إلى المسألة:
* لا موالاة بين الأذان والإقامة في شيء من الصلوات بما في ذلك المغرب.
* الصلاة من الواجبات الموسعة بما في ذلك صلاة المغرب.
* ليس للمغرب سنة راتبة قبلية.
* الفصل بين الأذان والإقامة بمقدار ما يتوضأ الرجل، أو يصلي المتوضئ ركعتين خفيفتين لا ينافي تعجيل المغرب.
* يستحب للإمام ألا يصلي قبل صلاة المغرب أسوة برسول الله ﷺ.
[م-٨٢] جاء في إمامة جبريل بالنبي ﷺ -أنه صلى به المغرب في اليومين في وقت واحد، بخلاف بقية الصلوات حيث صلى في اليوم الأول في أول الوقت، وصلى في اليوم الثاني في آخره، كما في حديث جابر، وابن عباس، وسيأتي تخريجهما إن شاء الله في مباحث مواقيت الصلاة.
كما ثبت عن النبي ﷺ -أنه كان يصلي المغرب إذا وجبت (^١).
وحديث رافع بن خديج ﵁، قال: كنا نصلي المغرب مع النبي ﷺ -فينصرف أحدنا، وإنه ليبصر مواقع نبله (^٢).
_________________
(١) صحيح البخاري (٥٦٠)، وصحيح مسلم (٦٤٦).
(٢) صحيح البخاري (٥٥٩)، ومسلم (٦٣٧).
[ ٢ / ٤١ ]
ومن هنا اختلف الفقهاء في الفصل بين أذان المغرب وإقامتها بصلاة، ونحوها:
فقيل: لا يفصل بينهما لا بصلاةٍ، ولا جلوسٍ، وهذا مذهب المالكية (^١)، جاء في النوادر والزيادات: «قال أشهب: وأحب إلي في المغرب أن يصل الإقامة بالأذان، ولا يفعل ذلك في غيرها» (^٢).
وقيل: يستحب أن يفصل بينهما بسكتة، بقدر ما يقرأ ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة، أو قدر ثلاث خطوات أو أربع، ولا يفصل بينهما بصلاة، ولا جلوس، وبه قال أبو حنيفة (^٣).
وقيل: يستحب أن يفصل بين الأذان والإقامة بمقدار صلاة ركعتين خفيفتين، وإن لم يكونا من الرواتب، وهو أحد الوجهين عند الشافعية، ورجحه النووي، وقال به بعض الحنابلة (^٤).
_________________
(١) الذخيرة للقرافي (٢/ ٥١)، مواهب الجليل (١/ ٤٥٣)، شرح الخرشي (١/ ٢٣٥).
(٢) النوادر والزيادات (١/ ١٦٢).
(٣) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (١/ ٣٤٦)، تبيين الحقائق (١/ ٨٤)، بدائع الصنائع (١/ ١٥٠)، الهداية في شرح البداية (١/ ٤٤)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٤٦)، البحر الرائق (١/ ٢٧٥).
(٤) مغني المحتاج (١/ ١٣٨)، فتح العزيز بشرح الوجيز (٤/ ٢١٨)، روضة الطالبين (١/ ٣٢٧)، نهاية المطلب (٢/ ١٧)، حاشية الجمل (١/ ٤٨١)، الإنصاف (١/ ٤٢١)، وانظر مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٩/ ٤٧١٧).
[ ٢ / ٤٢ ]
وقيل: يستحب أن يفصل بينهما بمقدار جلسة خفيفة، كقعود يسير، وهذا قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، والمشهور من مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (^١).
* دليل من قال: لا يفصل بين أذان المغرب وإقامته:
الدليل الأول:
(ح-١٩٣) ما رواه البزار، قال: حدثنا عبد الواحد بن غياث قال: أخبرنا حيان بن عبيد الله، عن عبد الله بن بريدة،
عن أبيه، ﵁، أن النبي ﷺ -قال: بين كل أذانين صلاة إلا المغرب.
قال البزار: «هذا الحديث لا نعلم أحدًا يرويه إلا بريدة، ولا نعلم رواه عن عبد الله بن بريدة إلا حيان بن عبيد الله، وحيان رجل من أهل البصرة مشهور ليس به بأس» (^٢).
[شاذ أو منكر سندًا ومتنًا] (^٣).
_________________
(١) بدائع الصنائع (١/ ١٥٠)، المحيط البرهاني (١/ ٣٤٦)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٤٤)، تبيين الحقائق (١/ ٩٢)، البحر الرائق (١/ ٢٧٥)، مغني المحتاج (١/ ١٣٨)، فتح العزيز (٤/ ٢١٨)، أسنى المطالب (١/ ١٣٠)، تحفة المحتاج (١/ ٤٨٣)، نهاية المحتاج (١/ ٤١٦)، الغرر البهية في شرح البهجة الوردية (١/ ٢٧٦)، حاشية الجمل (١/ ٢٩٦)، المغني (١/ ٢٤٧)، الإنصاف (١/ ٤٢١)،.
(٢) مسند البزار (٤٤٢٢).
(٣) الحديث رواه عبد الله بن بريدة، واختلف عليه فيه: فرواه البزار (٤٤٢٢) عن عبد الواحد بن غياث، والدارقطني في السنن (١/ ٢٦٤) من طريق عبد الغفار بن داود، كلاهما عن حيان بن عبيد الله، أخبرنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه، وقال: بين كل أذانين صلاة إلا المغرب. وخالفه سعيد الجريري كما في صحيح البخاري (٦٢٤)، ومسلم (٨٣٨). وكهمس كما في صحيح البخاري (٦٢٧)، ومسلم (٣٠٤)، فروياه عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل، بلفظ: بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، ثم قال في الثالثة: لمن شاء. فخالفاه سندًا ومتنًا، فكان المعروف في هذا الإسناد أنه من مسند عبد الله بن مغفل، وكان استثناء المغرب زيادة منكرة باعتبار أن حيان بن عبيد الله قد اختلط. قال البيهقي في معرفة السنن (٤/ ٨): وهذا منه خطأ في الإسناد والمتن جميعًا، وكيف يكون ذلك صحيحًا، وفي رواية عبد الله بن المبارك، عن كهمس في هذا الحديث، فكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين ». قال الذهبي كما في تلخيص المستدرك، حيان فيه ضعف، وليس بحجة. قلت: مختلف فيه، قال فيه أبو حاتم الرازي: صدوق. الجرح والتعديل (٣/ ٢٤٦). وذكره ابن حبان في الثقات. (٦/ ٢٣٠). وذكره صاحب الجوهر النقي (٢/ ٥٧٥، ٥٧٦) عند الكلام على حديث (بين كل أذانين صلاة لمن شاء إلا المغرب) قال: أخرج البزار هذا الحديث، ثم قال: حيان رجل من أهل البصرة، مشهور، ليس به بأس ». وذكره العقيلي في الضعفاء (١/ ٣١٩). وقال البخاري: ذكر الصلت منه الاختلاط. المرجع السابق. وقال ابن عدي: ولِحَيَّان غير ما ذكرت من الحديث، وليس بالكثير، وعامة ما يرويه إفرادات ينفرد بها. الكامل (٢/ ٤٢٦). وقال الحافظ: قال إسحاق بن راهويه: حدثنا روح بن عبادة، ثنا حيان بن عبيد الله، وكان رجل صدق. لسان الميزان (٢/ ٣٧٠). فإن كان هذا القول من روح بن عبادة، فهو بصري من بلد حيان بن عبيد الله، فيكون أعرف به من غيره. وإن كان من إسحاق فحسبك به إمامًا من أئمة المسلمين. فالرجل إن كان صدوقًا، كان تفرده هذا من باب الشذوذ، وإلا كان منكرًا، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٣ ]
الدليل الثاني:
(ح-١٩٤) ما رواه البخاري من طريق محمد بن عمرو بن الحسن بن علي، قال: قدم الحَجاج، فسألنا جابر بن عبد الله، فقال:
كان النبي ﷺ -يصلي الظهرَ بالهاجرة، والعصرَ، والشمسُ نقيةٌ، والمغربَ إذا وجبت … (^١).
(ح-١٩٥) ورواه الشيخان من حديث سلمة: كنا نصلي مع النبي ﷺ -المغرب إذا توارت بالحجاب (^٢).
وجه الاستدلال:
دل الحديثان على أن الصحابة كانوا يصلون المغرب إذا سقطت الشمس أي غابت، وهو معنى قوله: (إذا توارت بالحجاب)، وهو أوان دخول وقتها، والجلوس والصلاة ركعتين بعد الأذان يؤخران ذلك.
الدليل الثالث:
(ح-١٩٦) ما رواه البخاري في صحيحه من طريق غندر، عن شعبة، عن عمرو بن عامر الأنصاري،
عن أنس بن مالك، قال: كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي ﷺ
_________________
(١) صحيح البخاري (٥٦٠)، ومسلم (٦٤٦).
(٢) صحيح البخاري (٥٦١)، وصحيح مسلم (٦٣٦).
[ ٢ / ٤٤ ]
يبتدرون السواري، حتى يخرج النبي ﷺ -وهم كذلك، يصلون الركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء (^١).
وجه الاستدلال:
فقوله: (إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي ﷺ …) وقوله: (ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء) فحتى لا ينقض آخر الحديث أوله، فإن معنى: إذا أذن ليس معنى ذلك: إذا فرغ من أذانه، وإنما إذا شرع في الأذان، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ …﴾ الآية [النحل: ٩٨].
ومنه حديث أنس: كان النبي ﷺ -إذا دخل الخلاء قال: أعوذ بالله من الخبث والخبائث (^٢). أي إذا أراد الدخول.
فإذا شرع في الأذان صلى ناس من أصحاب النبي ﷺ -ركعتين حتى إذا فرغ من أذانه أقام الصلاة، وقد فرغوا من صلاتهم.
(ح-١٩٧) ويؤيد هذا ما أخرجه الإسماعيلي من حديث عثمان بن عمر: ثنا شعبة، عن عمرو بن عامر، قال:
سمعت أنس بن مالك يقول: كان المؤذن إذا أخذ في أذان المغرب قام لباب أصحاب رسول الله ﷺ -فابتدروا السواري، فكان رسول الله ﷺ -يخرج إليهم وهم يصلون، وكان بين الأذان والإقامة قريب.
قال ابن رجب: «هذه الرواية صريحة في صلاتهم في حال الأذان، واشتغالهم حين إجابة المؤذن بهذه الصلاة» (^٣).
قال ابن حجر: «حمل بعض العلماء حديث الباب على ظاهره، فقال: دل قوله (ولم يكن بينهما شيء) على أن عموم قوله: (بين كل أذانين صلاة) مخصوص بغير المغرب، فإنهم لم يكونوا يصلون بينهما، بل كانوا يشرعون في الصلاة في أثناء
_________________
(١) صحيح البخاري (٦٢٥).
(٢) صحيح البخاري (١٤٢)، ومسلم (١٢٢).
(٣) شرح البخاري لابن رجب (٥/ ٣٤٩).
[ ٢ / ٤٥ ]
الأذان، ويفرغون مع فراغه» (^١).
* وأجيب:
بأن البخاري روى معلقًا، عن عثمان بن جبلة، وداود، عن شعبة، أي به، من قوله: (ولم يكن بينهما إلا قليل).
وهو لا يعارض في المعنى ما رواه أبو عامر العقدي وغندر عن شعبة: (ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء)؛ لأن المقصود من نفي الشيء أي الشيء الكثير.
قال الحافظ في الفتح عن قوله: (ولم يكن بين الإقامة والأذان شيء): «قوله: (شيء) التنوين فيه للتعظيم: أي لم يكن بينهما شيء كثير، وبهذا يندفع قول من زعم أن الرواية المعلقة معارضة للرواية الموصولة، بل هي مبينة لها، ونفي الكثير يقتضي إثبات القليل، وقد أخرجها الإسماعيلي موصولة من طريق عثمان بن عمر، عن شعبة، بلفظ: (وكان بين الأذان والإقامة قريب)، ولمحمد بن نصر من طريق أبي عامر، عن شعبة نحوه. وقال ابن المنير: يجمع بين الروايتين بحمل النفي المطلق على المبالغة مجازًا، والإثبات للقليل على الحقيقة» (^٢).
* دليل من قال: يستحب الفصل بركعتين:
الدليل الأول:
(ح-١٩٨) ما رواه البخاري من طريق عبد الوارث، عن الحسين (المعلم)، عن عبد الله بن بريدة،
قال: حدثني عبد الله المزني، عن النبي ﷺ -قال: صلوا قبل صلاة المغرب، قال في الثالثة: لمن شاء؛ كراهية أن يتخذها الناس سنة (^٣).
[روي بهذا اللفظ، وروي بلفظ: بين كل أذانين صلاة، ومطلقه يشمل المغرب] (^٤).
_________________
(١) فتح الباري (١/ ١٢٧).
(٢) فتح الباري (٢/ ١٠٨).
(٣) صحيح البخاري (١١٨٣).
(٤) الحديث اختلف فيه على عبد الله بن بريدة: =
[ ٢ / ٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فرواه الجريري كما في صحيح البخاري (٦٢٤)، وصحيح مسلم (٨٣٨). وكهمس بن الحسن كما في صحيح البخاري (٦٢٧) ومسلم (٨٣٨)، كلاهما عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل المزني، قال: قال النبي ﷺ -بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، ثم قال في الثالثة: لمن شاء. اتفقا على هذا اللفظ من رواية كهمس، وأما لفظ رواية الجريري عند البخاري (بين كل أذانين صلاة ثلاثًا لمن شاء) ولفظ مسلم، (قال في الرابعة: لمن شاء). ورواه حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله المزني عن النبي ﷺ -قال: صلوا قبل المغرب، قال في الثالثة: لمن شاء؛ كراهية أن يتخذها الناس سنة. فإن لم يكن ذلك حديثين فالخطأ من حسين المعلم، والثقة قد يخطئ، وقد قال أبو بكر بن خلاد: سمعت يحيى بن سعيد القطان وذكر أحاديث حسين المعلم، فقال: فيه اضطراب. وذكره العقيلي في الضعفاء (١/ ٢٥٠)، وقال: بصري، ضعيف، مضطرب الحديث. ودافع عنه الذهبي في السير (٦/ ٣٤٦)، فقال: «الرجل ثقة، وقد احتج به صاحبا الصحيحين، وذكر له العقيلي حديثًا واحدًا تفرد بوصله فليس من شرط الثقة أن لا يغلط أبدًا، فقد غلط شعبة، ومالك، وناهيك بهما ثقة ونبلًا، وحسين المعلم ممن وثقه يحيى بن معين، ومن تقدم، وهو من كبار أئمة الحديث». اه إذا انتبهت لهذا، نأتي لتخريج حديث حسين المعلم. الحديث رواه البخاري (١١٨٣) عن أبي معمر، عن عبد الوارث، عن حسين المعلم بلفظ: (صلوا قبل المغرب الحديث). ورواه ابن خزيمة في صحيحه (١٢٨٩) أخبرنا محمد بن يحيى، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٥٤٩٤) حدثنا يزيد بن سنان، كلاهما، عن أبي معمر به، بلفظ: (صلوا قبل المغرب ركعتين) فزاد حرف (ركعتين). ورواه عبيد الله بن عمر القواريري كما في مسند أبي داود (١٢٨١)، وسنن الدارقطني (١/ ٤٩٩)، وسنن البيهقي (٢/ ٦٦٦). وعفان كما في مسند أحمد (٥/ ٥٥)، والروياني (٨٩٥). وحسن بن موسى كما في مسند أحمد (٥/ ٥٥). وأبو حساب كما في الأوسط لابن المنذر (٣/ ٥٦)، أربعتهم (عبيد الله، وعفان، وحسن، وأبو حساب) رووه عن عبد الوارث بزيادة لفظ (ركعتين). ورواه عبد الصمد بن عبد الورث، عن أبيه (عبد الوارث) واختلف على عبد الصمد. فرواه أحمد (٥/ ٥٥). وهارون بن عبد الله كما في مسند السراج (٦١١)، كلاهما، عن عبد الصمد، عن عبد الوارث به، =
[ ٢ / ٤٧ ]
* وأجيب من وجهين:
الوجه الأول: أن هذا اللفظ غير محفوظ.
* ورد هذا:
بأن الحديث على فرض أن يكون غير محفوظ، فإن المحفوظ منه: (بين كل أذانين صلاة)، ومطلق هذا اللفظ يشمل المغرب.
الوجه الثاني:
على فرض أن تكون محفوظة، فإن الأمر بها إطلاق من محظور، فلا يفيد أكثر من الإباحة، وقد تأكد ذلك بكون النبي ﷺ -لم يثبت أنه صلاها.
* وقد يرد على ذلك:
بأن النهي ينتهي بغروب الشمس، فلا يكون هناك حاجة إلى الأمر بالصلاة للعود إلى الأصل، ولذلك كل أوقات النهي الأخرى لم يَأْتِ أمر بالصلاة بعد انتهاء وقت النهي، فلا يقال: إن الأمر بسنة الضحى للإباحة؛ لأنها تأتي بعد انتهاء وقت النهي، وكذلك لا يقال في السنة الراتبة للظهر.
الدليل الثاني:
(ح-١٩٩) ما رواه البخاري من طريق غندر، عن شعبة، قال: سمعت عمرو ابن عامر الأنصاري،
عن أنس بن مالك، قال: كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي ﷺ -يبتدرون السواري، حتى يخرج النبي ﷺ -وهم كذلك، يصلون الركعتين قبل
_________________
(١) = كلفظ الجماعة: صلوا قبل المغرب. ورواه عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه (عبد الصمد) كما في صحيح ابن خزيمة (١٥٨٨)، وصحيح ابن حبان (١٥٨٨)، ومختصر قيام الليل للمروزي (ص: ٧٧)، بلفظ: أن رسول الله صلى قبل المغرب ركعتين، ثم قال: صلوا قبل المغرب ركعتين … وقد تفرد عبد الوارث بن عبد الصمد، فزاد في الحديث سنة فعلية. ولم يتابع عبد الوارث بن عبد الصمد على هذه الزيادة، وقد خالفه إمام الحفاظ، إمام أهل السنة الإمام أحمد، وهارون بن عبد الله، كما أنه قد خالف كل من روى الحديث عن عبد الوارث من غير طريق عبد الصمد، منهم: أبو معمر عبد الله بن عمرو المنقري، وعبيد الله ابن عمر القواريري، وعفان، وحسن بن موسى، وأبو حساب محمد بن عبيد، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٨ ]
المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء.
قال عثمان بن جبلة، وأبو داود: عن شعبة، لم يكن بينهما إلا قليل (^١).
ورواه مسلم من طريق عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، وفيه: حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما (^٢).
تابعه ثابت البناني عند الدارقطني.
الدليل الثالث:
(ح-٢٠٠) ما رواه البخاري من طريق يزيد بن أبي حبيب، قال:
سمعت مرثد بن عبد الله اليزني، قال: أتيت عقبة بن عامر الجهني، فقلت: ألا أعجبك من أبي تميم يركع ركعتين قبل صلاة المغرب؟ فقال عقبة: إنا كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ، قلت: فما يمنعك الآن؟ قال: الشغل (^٣).
* دليل من قال: يفصل بسكوت أو جلسة خفيفة:
الدليل الأول:
أن الرسول ﷺ -لم يثبت عنه أنه صلى قبل المغرب ركعتين، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
وكان النبي ﷺ -قد أقر الصحابة على صلاة ركعتين قبل المغرب، ومواظبته على تركها يدل على أن الأفضل الترك، وما اختاره رسول الله ﷺ -لنفسه مقدم على غيره، وأن من صلى قبل المغرب ففعله مباح، ولا يقال بالاستحباب، وإنما المستحب الفصل اليسير بغير صلاة.
جاء في مسائل أبي داود: «سمعت أحمد، وسئل عن الركعتين قبل المغرب، قال: أنا لا أفعله، فإن فعله رجل لم يكن به بأس، وقد سمعته قبل ذلك بزمان، يستحسنه ويراه» (^٤).
وفي الحديث، قال ﷺ: صلوا قبل صلاة المغرب، قال في الثالثة: لمن شاء
_________________
(١) صحيح البخاري (٦٢٥).
(٢) صحيح مسلم (٣٠٣).
(٣) صحيح البخاري (١١٨٤).
(٤) مسائل أبي داود (ص: ١٠٤).
[ ٢ / ٤٩ ]
كراهية أن يتخذها الناس سنة.
وكراهية اتخاذها سنة، يدل على الإذن والإباحة.
* ويناقش:
بأن كون النبي ﷺ -لم يفعله، لا يعارض أنه أمر به، ولم يكتف بالإقرار، فقال: صلوا قبل المغرب، ثم قال في الثالثة لمن شاء، فإن قيل: لعله غير محفوظ، يقال: المحفوظ كاف في الاستدلال فيه، كقوله: (بين كل أذانين صلاة) فمطلقه يشمل المغرب، نعم يدل تركها منه ﷺ -على أنها ليست من السنن الرواتب، ولا يحافظ عليها محافظته على السنن الرواتب، وهو معنى قوله: كراهية اتخاذها سنة: أي سنة راتبة.
الدليل الثاني:
«أجمع العلماء على أن تعجيل المغرب في أول وقتها أفضل، ولا خلاف في ذلك مع الصحو في الحضر» (^١).
لهذا إذا كان الفاصل يسيرًا بمقدار جلسة خفيفة تحقق تعجيلها أكثر، فكان أفضل، وكلما عجل كلما أصاب السنة.
* ويجاب:
بأن التعجيل لا ينافي الفصل القليل بمقدار الوضوء، أو بمقدار ركعتين خفيفتين لمن كان على وضوء، حتى يجتمع الناس لها.
* الراجح:
أنه يستحب الفصل بين الأذان والإقامة بمقدار ما يتوضأ الناس، أو بمقدار ما يصلي المتوضئ منهم ركعتين خفيفتين، وهذه الصلاة ليست سنة راتبة، وإنما يصليها المرء أحيانًا، ولو ترك الإمام فعلها كان أحسن، فقد قال ابن القيم في الهدي: «وأما الركعتان قبل المغرب فإنه لم ينقل عنه ﷺ -أنه كان يصليهما، وصح عنه أنه أقر أصحابه عليهما، وكان يراهم يصلونها، فلم يأمرهم ولم ينههم …» (^٢). اه
ولو كان النبي ﷺ -يصليها بالبيت لحفظ ذلك، ونُقِلَ لنا، إلا أن يصليها الإمام
_________________
(١) فتح الباري لابن رجب (٤/ ٣٥٥).
(٢) زاد المعاد (١/ ٣٠٢).
[ ٢ / ٥٠ ]
رغبة منه باكتمال حضور المصلين، وأما المأموم فإذا حضر للصلاة، ولم تقم بعد فإنه سوف يصلي ركعتين، سواء أكان ذلك بنية النافلة بين الأذان والإقامة، أم كان بنية تحية المسجد، أم كان بنية سنة الوضوء، والله أعلم.
[ ٢ / ٥١ ]