المدخل إلى المسألة
• الأذان من الأذكار المقيدة لا يزاد فيه، ولا ينقص منه إلا بدليل، ولم تثبت زيادة (حي على خير العمل) في حديث مرفوع صحيح.
• في المشروع ما يغني عن المحدث، فكل معنى في لفظ: (حي على خير العمل) فهو موجود في لفظ (حي على الفلاح)، بل هو أبلغ؛ لأن الفلاح هو المقصود من العمل.
• حي على خير العمل قد اجتمع فيه وصفان: عدم المشروعية، واختصاصه بطائفة من أهل البدع المغلظة، وهذا كافٍ في تحريمه.
• المؤذنون الذين كانوا يؤذنون بأمر النبي ﷺ أربعة: بلال وابن أم مكتوم، وأبو محذورة، وسعد القرظ، ولم ينقل عن أحد منهم أنه قال في أذانه: (حي على خير العمل).
[م-١٥] الأذان الراتب الذي كان يؤذن به بين يدي النبي ﷺ كما هو أذان بلال، وكذلك الأذان الذي علمه النبي ﷺ لأبي محذورة ليس في شيء منه: (حي على خير العمل).
قال الشوكاني: «لم يثبت رفع هذا اللفظ إلى رسول الله ﷺ في شيء من كتب الحديث على اختلاف أنواعها» (^١).
فدواوين الحديث في الصحيح وغيرها ليس في شيء منها ما يدل على ثبوت هذا اللفظ عن المعصوم ﷺ.
وما ورد مرفوعًا على ضعفه فإنه يدل على أنه منسوخ:
_________________
(١) السيل الجرار (١/ ١٢٦).
[ ١ / ٢٠٤ ]
(ح-٨٥) فقد روى الطبراني في الكبير من طريق عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد، عن عبد الله بن محمد، وعمر، وعمار، ابني حفص، عن آبائهم، عن أجدادهم،
عن بلال ﵁، أنه كان يؤذن بالصبح، فيقول: حي على خير العمل، فأمر رسول الله ﷺ أن يجعل مكانها: الصلاة خير من النوم، وترك حي على خير العمل (^١).
[ضعيف] (^٢).
قال الشوكاني: «ففي هذا التصريح بأن النبي ﷺ أمر بلالًا أن يترك ذلك فلو قدرنا ثبوته لكان منسوخًا» (^٣).
وقد صح عن بعض الصحابة أنه ربما فعل ذلك:
(ث-١٩) فقد روى مالك في الموطأ من رواية محمد بن الحسن، قال: أخبرنا مالك، أخبرنا نافع،
عن ابن عمر أنه كان يكبر في النداء ثلاثًا، ويتشهد ثلاثًا، وكان أحيانًا إذا قال: حي على الفلاح، قال على إثرها: حي على خير العمل (^٤).
[صحيح].
قال ابن تيمية: «كما يعلم أن (حي على خير العمل) لم يكن من الأذان الراتب،
_________________
(١) المعجم الكبير للطبراني (١/ ٣٥٢) ح ١٠٧١.
(٢) ومن طريق عبد الرحمن بن سعد رواه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٦٢٥). جاء في الضعفاء الكبير (٢/ ٣٠٠): عن عثمان بن سعيد قال: قلت ليحيى بن معين: عبد الله ابن محمد بن عمار بن سعد، وعمار، وعمر ابني حفص بن عمر بن سعد، عن آبائهم، عن أجدادهم، كيف حال هؤلاء؟ قال: ليسوا بشيء.
(٣) السيل الجرار (١/ ١٢٦).
(٤) الموطأ (٩٢)، ورواه عبد الرزاق (١٧٩٧) عن ابن جريج. ورواه ابن أبي شيبة من طريق ابن عجلان. ورواه ابن أبي شيبة أيضًا حدثنا أبو أسامة. ورواه البيهقي (١/ ٤٢٤) من طريق الليث بن سعد. ورواه البيهقي (١/ ٤٢٤) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، كلهم عن نافع به.
[ ١ / ٢٠٥ ]
وإنما فعله بعض الصحابة لعارض تحضيضًا للناس على الصلاة» (^١).
وحمله الشيخ بكر أبو زيد يرحمه الله على أن ابن عمر لم يكن يؤذن في السفر، وكان ينبه للصلاة بعدة ألفاظ منها هذا في غير الأذان.
قال في معجم المناهي اللفظية: «وبالجملة: فلا يصح من المرفوع، ولا من الموقوف على الصحابة ﵃ في هذه اللفظة شيء، وكله باطل لا أصل له سوى أثر ابن عمر ﵄، رواه عبد الرزاق والبيهقي، وقد فهمه جمع من العلماء على غير وجهه، فإن ابن عمر ﵄ لم يكن يؤذن في السفر، وإنما كان ينبه لها بعدة ألفاظ ليست في الأذان؛ تحضيضًا للناس على الصلاة، فليفهم، والله أعلم» (^٢).
(ث-٢٠) قلت: روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع،
أن ابن عمر كان يقيم في السفر إلا في صلاة الفجر، فإنه كان يؤذن ويقيم (^٣).
[صحيح].
ويشكل على هذا أن ابن عمر كان يكره التثويب ويراه بدعة، وقد خرج من المسجد عندما سمع بالتثويب بين الأذان والإقامة، إلا أن يقال إن الرواية عنه ليست بالقوية.
(ث-٢١) فقد روى أبو داود من طريق يحيى القتات، عن مجاهد، قال:
كنت مع ابن عمر فثوب رجل في الظهر أو العصر، قال: اخرج بنا؛ فإن هذه بدعة (^٤).
وفي إسناده أبو يحيى القتات فيه لين، إلا أن الإمام أحمد، قال: رواية سفيان عنه مقاربة، والله أعلم.
فلا يمكن توجيه كلام بكر أبو زيد إلا أن يقال:
_________________
(١) القواعد النورانية (ص: ١٢٧).
(٢) معجم المناهي اللفظية (ص: ٢٣٨).
(٣) المصنف (٢٢٥٨).
(٤) سنن أبي داود (٥٣٨).
[ ١ / ٢٠٦ ]
إن الأثر هذا لا يثبت عن ابن عمر، أو يقال: إن كراهته للتثويب كان في الحضر حيث يؤذن للصلاة، وأما التثويب في السفر فإن أذن لها فيكره كالحضر، وإذا لم يؤذن لها كما كان يختار ابن عمر ﵄ فيثوب للصلاة بأي لفظ يجعل الجماعة تجتمع لها، وعليه يحمل فعل ابن عمر ﵄، والله أعلم.
ولو صح هذا التوجيه فإني لا أرى أن يقال هذا اللفظ بخصوصه بعد أن أصبح شعارًا لطائفة الرافضة.
ولعل الشيخ بكرًا قد أخذ ذلك من قول ابن تيمية في منهاج السنة:
قال ابن تيمية: «وغاية ما ينقل إن صح النقل، أن بعض الصحابة، كابن عمر ﵄، كان يقول ذلك أحيانًا على سبيل التوكيد، كما كان بعضهم يقول بين النداءين: حي على الصلاة، حي على الفلاح، وهذا يسمى نداء الأمراء، وبعضهم يسميه التثويب، ورخص فيه بعضهم، وكرهه أكثر العلماء، ورووا عن عمر وابنه وغيرهما كراهة ذلك.
ونحن نعلم بالاضطرار أن الأذان الذي كان يؤذنه بلال وابن أم مكتوم في مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة، وأبو محذورة بمكة، وسعد القرظ في قباء لم يكن فيه هذا الشعار الرافضي، ولو كان فيه لنقله المسلمون ولم يهملوه، كما نقلوا ما هو أيسر منه. فلما لم يكن في الذين نقلوا الأذان من ذَكَرَ هذه الزيادة، علم أنها بدعة باطلة.
وهؤلاء الأربعة كانوا يؤذنون بأمر النبي ﷺ، ومنه تعلموا الأذان، وكانوا يؤذنون في أفضل المساجد: مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد قباء، وأذانهم متواتر عند العامة والخاصة ولا شيء أشهر في شعائر الإسلام من الأذان، فنقله أعظم من نقل سائر شعائر الإسلام» (^١). اه
ولهذا ذهب الأئمة الأربعة إلى كراهة أن يقال في الأذان: حي على خير العمل (^٢).
_________________
(١) منهاج السنة (٦/ ٢٩٤).
(٢) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣٠٣)، الشرح الكبير للدردير (١/ ١٩٣)، البيان والتحصيل (١/ ٤٣٦)، الاعتصام (٢/ ٥٥٧)، المجموع (٣/ ١٠٦)، روضة الطالبين =
[ ١ / ٢٠٧ ]
وقال النووي: «يكره أن يقال في الأذان: حي على خير العمل؛ لأنه لم يثبت عن رسول الله ﷺ، وروى البيهقي فيه شيئًا موقوفًا على ابن عمر، وعلي بن الحسين ﵃. قال البيهقي: لم تثبت هذه اللفظة عن النبي ﷺ، فنحن ننكر الزيادة في الأذان، والله أعلم» (^١).
قال الشوكاني: «إن الفقهاء الأربعة لا يختلفون في ذلك يعني في أن حي على خير العمل ليس من ألفاظ الأذان» (^٢).
_________________
(١) = (١/ ٢٠٩)، حاشية الجمل (١/ ٣٠٢)، منهاج السنة (٦/ ٢٩٤)، ونقله ابن نجيم في البحر الرائق (١/ ٢٧٥) عن بعض الشافعية مقرًّا له. وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٣/ ١٠٣)، السيل الجرار (١/ ١٢٦).
(٢) المجموع (٣/ ١٠٦).
(٣) نيل الأوطار (٢/ ٤٦).
[ ١ / ٢٠٨ ]