[م-٩٣] عرفنا خلاف العلماء في حكم الأذان، وهل هو سنة كما هو مذهب الجمهور، أو هو فرض كفاية؟
وعلى القول بأنه فرض كفاية، إذا اجتمع أهل بلد على تركه قوتلوا حتى يفعلوه، كما يقاتلون عند الإصرار على ترك سائر الفرائض والواجبات.
وهذا قول ابن عرفة من المالكية وقد جعله هو المذهب، خلافًا لخليل وابن الحاجب وهو وجه في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (^١).
* ودليل هذا القول:
القياس على قتال مانعي الزكاة، فإن الصحابة قاتلوا المرتدين حين امتنعوا عن
_________________
(١) جاء في مواهب الجليل (١/ ٤٢٢): «وظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى (خليل) أن الأذان سنة مطلقًا، وأنه لا يجب في المصر، وهو ظاهر كلام ابن الحاجب وغيره، وظاهر كلامه في التوضيح، وهو خلاف ما جزم به ابن عرفة وجعله المذهب، ونصه: الأذان يجب على أهل المصر كافة يُقَاتَلُون لتركه». وقال في الفواكه الدواني (١/ ١٧٢): «وأما فعل الأذان في الأمصار فهو واجب وجوب الفرائض الكفائية، ويقاتلون على تركه». وانظر: منح الجليل (١/ ١٩٦)، حاشية العدوي على الخرشي (١/ ٢٢٨). ورأى بعض المالكية أن الأذان تعتريه الأحكام التكليفية سوى الإباحة، فيكون واجبًا، ومندوبًا، وحرامًا، ومكروهًا، فالوجوب كفاية في المصر. والسنية كفاية في كل مسجد وجماعة تطلب غيرها. والاستحباب لمن كان في فلاة من الأرض، سواء أكان واحدًا أم جماعة لم تطلب غيرها. وحرام قبل دخول الوقت، ومكروه للفائتة، وللجماعة التي لم تطلب غيرها، ولم تكن في فلاة من الأرض. انظر الفواكه الدواني (١/ ١٧٢)، حاشية الصاوي (١/ ٢٤٧)، الحاوي الكبير (٢/ ٥٠)، البيان للعمراني (٢/ ٥٨)، نهاية المطلب (٢/ ٣٨)، روضة الطالبين (١/ ١٩٥)، الوسيط (٢/ ٤١)، الإنصاف (١/ ٤٠٨)، الشرح الممتع للتنوخي (١/ ٢٦٦).
[ ٢ / ١٢٥ ]
دفع الزكاة.
وأما من قال: هو سنة، فقد اختلفوا على قولين:
أحدهما: أنهم يقاتلون عليه؛ لأنه من أعلام الدين، وشعائره الظاهرة، اختاره أكثر الحنفية، وبعض الشافعية. ورجح ابن تيمية وبعض الحنابلة أنهم يقاتلون حتى على القول بأنه سنة (^١).
وقال صاحب النهاية نقلًا من كتاب التنوخي في شرحه للمقنع:
«سواء أقلنا: إنهما سنة، أم واجب، متى اتفق أهل بلد على تركهما قاتلهم الإمام؛ لأنهما من أعلام الدين الظاهرة، فلا يرخص في تعطيلهما؛ لأن الشعائر المستمرة الظاهرة في الشريعة، لو خلا منها قطر، لتبادر الخلق بالإنكار، والاستنكار» (^٢).
والثاني: لا يُقَاتَلُون عليه، كسائر النوافل، وهو الصحيح من مذهب الشافعية (^٣)، والصحيح عند الحنابلة على القول بأنهما سنة (^٤).
واختار محمد بن الحسن من الحنفية أنهم يقاتلون على تركه، واختلف الحنفية في تأويل حكمه على قولين:
فذهب بعض الحنفية إلى أن هذا يعني وجوب الأذان عند محمد (^٥).
وذهب أكثر الحنفية بأن قتالهم على الترك لا يعني وجوب الأذان، وإنما يرى محمد أن ما كان من أعلام الدين فإن الإصرار على تركه استخفاف بالدين،
_________________
(١) فتح العزيز (٤/ ٢٨٦)، روضة الطالبين (١/ ١٩٥)، الإنصاف (١/ ٤٠٨).
(٢) الشرح الممتع للتنوخي (١/ ٢٦٦).
(٣) جاء في روضة الطالبين (١/ ١٩٥): «إذا قلنا: سنة، فاتفق أهل بلد على تركهما، لم يقاتلوا على الأصح، كسائر السنن. وإذا قلنا: فرض كفاية، قوتلوا على تركهما بلا خلاف»
(٤) وجاء في الإنصاف (١/ ٤٠٨): «ظاهر قوله: «إن اتفق أهل بلد على تركهما قاتلهم الإمام) أما إذا قلنا: إنهما سنة، واتفقوا على تركهما، فلا يقاتلون، وهو صحيح، وهو المذهب، وعليه جماهير الأصحاب. وقيل: يقاتلون أيضا على القول بأنهما سنة، واختاره الشيخ تقي الدين».
(٥) قال ابن الهمام في فتح القدير (١/ ٢٤٠): «الأذان سنة، هو قول عامة الفقهاء، وكذا الإقامة. وقال بعض مشايخنا: واجب؛ لقول محمد: لو اجتمع أهل بلد على تركه قاتلناهم عليه».
[ ٢ / ١٢٦ ]
فيقاتلون لذلك (^١).
وذهب بعض الحنفية إلى التوفيق بين قول محمد، وقول أبي يوسف، وأنه لا تَنَافِيَ بين القولين، قال ابن الهمام: «كذا ينقله بعضهم بصورة نقل الخلاف، ولا يخفى أن لا تَنَافِيَ بين الكلامين بوجه، فإن المقاتلة إنما تكون عند الامتناع وعدم القهر لهم، والضرب والحبس إنما يكون عند قهرهم» (^٢).
وهذا الكلام من ابن الهمام مبني على التفريق بين المقاتلة والقتل، فالمقاتلة أوسع، فليس كل من جازت مقاتلته جاز قتله.
* واستدل من قال: بوجوب قتال تاركي الأذان وإن كان سنة:
الدليل الأول:
(ح-٢٤١) بما رواه البخاري من طريق حميد، ومسلم من طريق ثابت، كلاهما عن أنس ﵁ كان رسول الله ﷺ -يُغِيْرُ إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانًا أمسك وإلا أغار (^٣).
وجه الاستدلال:
قال ابن رجب: «جعل يعني النبي ﷺ الأذانً مانعًا من القتال، وتركه مبيحًا له، فدل على استباحة القتال بمجرد تركه، وإن جاز أن يكونوا قد أسلموا» (^٤).
_________________
(١) جاء في المبسوط (١/ ١٣٣): إذا أصر أهل المصر على ترك الأذان والإقامة أمروا بهما، فإن أبوا قوتلوا على ذلك بالسلاح، كما يقاتلون عند الإصرار على ترك الفرائض والواجبات. وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: المقاتلة بالسلاح عند ترك الفرائض والواجبات، فأما في السنن فَيُؤَدَّبون على تركها، ولا يُقَاتَلُون على ذلك؛ ليظهر الفرق بين الواجب وغير الواجب. ومحمد رحمه الله تعالى يقول: ما كان من أعلام الدين فالإصرار على تركه استخفاف فيقاتلون على ذلك لهذا». وانظر: فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢٤٠)، تيسير التحرير (٢/ ٢٣٠)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٣٣٨).
(٢) فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢٤٠).
(٣) صحيح البخاري (٦١٠)، ومسلم (٣٨٢).
(٤) فتح الباري لابن رجب (٥/ ٢٤٠).
[ ٢ / ١٢٧ ]
* وقد يناقش هذا:
بأن الحديث ليس نصًّا في المطلوب؛ لأن قتال النبي لهم ليس من أجل ترك الأذان، ولكن لكون الترك دليلًا على أنهم غير مسلمين، فيقاتلهم على الكفر، لا على ترك الأذان.
الدليل الثاني:
أن الأذان والإقامة من أعلام الدين الظاهرة فالإصرار على تركهما استخفاف بالدين.
* الراجح:
كنت قد رجحت أن الأذان والإقامة فرض كفاية، فإذا تركوه كلهم نال الحرج كافتهم وأصبح بمنزلة فرائض الأعيان، فلا مانع من قتالهم على تركه قياسًا على قتال تاركي الزكاة، وإن لم يكن ترك الزكاة كفرًا.
وأما على القول بأن الأذان سنة فالاحتياط في عدم سفك الدم المعصوم على ترك مسنون؛ لأن الأصل في المسنون جواز تركه، والله أعلم.
[ ٢ / ١٢٨ ]