المدخل إلى المسألة:
• القصد من الأذان إسماع الناس، فيقدَّمُ فيه رفيعُ الصوت حسنُه بلا تطريبٍ.
• وظيفة الأذان: التنبيه على دخول الوقت، ودعوة الناس إلى الصلاة، وقوي الصوت أكثر إسماعًا.
• ليس في الأذان إسرار إلا الترجيع على إحدى الصفتين.
• لا ينبغي أن يُجْهِد المؤذنُ نفسه بما فوق طاقته مبالغة في رفع الصوت.
• النفوس مجبولة على استحسان الصوت، خاصة في الأذان وقراءة القرآن.
• قوة الصوت في الأذان فيها أربع مصالح: أكثر إسماعًا للناس بدخول الوقت، كثرة من يشهد له يوم القيامة، وطرد الشيطان إلى مكان أبعد لا يسمع فيه التأذين، ويغفر له مَدَّ صوته.
• تقديم النبي ﷺ بلالًا على عبد الله بن زيد، واختيار النبي ﷺ لأبي محذورة دون أصحابه كان ذلك لحسن صوتيهما وقوتهما.
• الصوت بالذكر منه ما يشرع فيه الجهر والرفع كالأذان، والتلبية، وتكبير العيد، والتكبير في أيام العشر والتشريق، والأذكار بعد الصلوات، ومنه ما يشرع فيه الإسرار، كالنية، ودعاء الاستفتاح، والاستعاذة، والبسملة في الصلاة، وأذكار الركوع، والسجود، ونحوهما، ودعاء الطواف، وأذكار الصباح والمساء.
[ ١ / ٥٢٣ ]
[م-٦٨] من صفات المؤذن أن يكون صَيِّتًا، وقد فسره بعضهم بالارتفاع كالحطاب من المالكية، وبعضهم فسره بأمرين: الحسن والارتفاع (^١).
فأما حسن الصوت فلا يختلف في كونه مستحبًّا، بشرط أن يكون بلا تطريب.
وأما ارتفاع الصوت: فإن كان يؤذن لجماعة غائبين:
فقيل: رفع الصوت شرط،، وهو أصح الأوجه عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة، واختاره بعض الحنفية (^٢).
ولما كانت الشروط تتقدم على المشروط بخلاف الصوت في الأذان عَبَّرَ الحنابلة وبعض الشافعية بأن رفع الصوت ركن، وهو أدق.
فيجب أن يرفع صوته بالقدر الذي يحصل به إعلام البعض، حتى قال بعض الشافعية: لو أسمع واحدًا من الجماعة أجزأه، باعتبار أن الجماعة تنعقد باثنين أحدهما المؤذن، وأما الجماعة الثانية فيمكنها أن تكتفي بأذان الجماعة الأولى.
• وجه القول بالوجوب:
قول الرسول ﷺ لعبد الله بن زيد: أَلْقِهِ إلى بلال؛ فإنه أندى صوتًا منك.
فالشيء المقطوع به أن الغرض من الأذان هو الإسماع، والتنبيه على دخول المواقيت، وهذا يقتضي لا محالة رفعَ الصوت، وإذا كان كذلك، فلو لم يرفع صوته بحيث يحصل الإبلاغ، فمقتضى هذا الأصل أنه لا يُعْتَدُّ بالأذان … (^٣).
وقيل: رفع الصوت بالأذان مستحب مطلقًا، حتى ولو كان يؤذن لجماعة غائبين، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، ووجه في مذهب الشافعية (^٤).
_________________
(١) حاشية العدوي على الخرشي (١/ ٢٣٢)، مواهب الجليل (١/ ٤٣٧)، الشرح الكبير للدردير (١/ ١٩٥، ١٩٦)، الشرح الصغير (١/ ٢٥٢، ٢٥٣).
(٢) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٩٠)، مواهب الجليل (١/ ٤٢٦، ٤٣٦، ٤٣٧)، الحاوي الكبير (٢/ ٤٦)، فتح العزيز (٣/ ١٨١، ١٨٢)، إعانة الطالبين (١/ ٢٧٥)، النجم الوهاج (٢/ ٤٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٣٧)، نيل المآرب (١/ ١١٤)، المغني (١/ ٣٠٧)، النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر (١/ ٣٧)، الإنصاف (١/ ٤١٩).
(٣) انظر نهاية المطلب (٢/ ٤٣).
(٤) الأصل لمحمد بن الحسن (١/ ١٣٧)، بدائع الصنائع (١/ ١٤٩)، الجوهرة النيرة (١/ ٤٥)، المعونة (١/ ٢٠٩)، منح الجليل (١/ ٢٠١)، الشرح الكبير للدردير (١/ ١٩٥، ١٩٦)، نهاية المحتاج (١/ ٤٠٤)، روضة الطالبين (١/ ٢٠٠)، النجم الوهاج (٢/ ٤٦).
[ ١ / ٥٢٤ ]
فلو أَسرَّ بجميع الأذان لصح الأذان، كما لو أسر بالقراءة في الصلاة في موضع الجهر.
ولأن الواجب -على القول بوجوب الأذان- هو القول، والجهر صفة في القول فلا تجب.
وقيل: لا بأس بالإسرار ببعضه، ولا يجوز الإسرار بالجميع. وهذا وجه ثالث في مذهب الشافعية (^١).
باعتبار أن إسماع بعض الأذان يكفي في حصول الإعلام.
وأما إذا كان يؤذن لنفسه، أو لجماعة معه، فلا يشترط رفع الصوت إلا بالقدر الذي يُسْمِعُ نفسه، أو يُسْمِعُ من كان معه.
[م-٦٩] فإذا علمنا القدر الواجب من رفع الصوت، فما زاد فيه فإنه مستحب بالاتفاق، لأن الأذان إعلام فكل من كان الإعلام بصوته أوقع كان به أحق وأجدر (^٢).
• واستدل الفقهاء لهذا الاستحباب بأدلة منها:
الدليل الأول:
(ح-١٨٣) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي صعصعة الأنصاري، عن أبيه أنه أخبره،
أن أبا سعيد الخدري ﵁، قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وباديتك، فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن، ولا إنس، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة. قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ (^٣).
_________________
(١) المجموع (٣/ ١١٢).
(٢) الفتاوى الهندية (١/ ٥٧)، بدائع الصنائع (١/ ١٤٩)، فتح القدير (١/ ٢٤٨)، الخرشي (١/ ٢٣٢)، جامع الأمهات (ص: ٨٧)، الذخيرة (٢/ ٦٤)، مواهب الجليل (١/ ٤٣٦)، الخرشي (١/ ٢٣٢)، حاشية الدسوقي (١/ ١٩٦)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٢٥٣)، كشاف القناع (١/ ٢٣٤).
(٣) صحيح البخاري (٣٢٩٦).
[ ١ / ٥٢٥ ]
فهذا دليل على استحباب قوة الصوت، قال ابن رجب الأمر برفع الصوت من كلام أبي سعيد، وقوله: فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن مرفوع من كلام النبي ﷺ. كذا رواه ابن عيينة صريحًا (^١).
فقوله: (فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جن، ولا شيء) حَثٌّ على رفع الصوت والمبالغة فيه؛ وهذا ما فهمه أبو سعيد، وجعله يأمر برفع الصوت في الأذان، وهي واحدة من مصالح أخرى سوف نأتي على التنبيه عليها في سائر الأدلة.
الدليل الثاني:
(ح-١٨٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثني موسى بن أبي عثمان، قال: حدثني أبو يحيى، مولى جعدة، قال:
سمعت أبا هريرة، أنه سمع من فم رسول الله يقول: المؤذن يغفر له مد صوته، ويشهد له كل رطب ويابس، وشاهد الصلاة يكتب له خمس وعشرون حسنةً، ويكفر عنه ما بينهما.
[أرجو أن يكون حسنًا بشواهده] (^٢).
_________________
(١) انظر: فتح الباري (٥/ ٢٢٠).
(٢) أخرجه أبو داود الطيالسي (٢٦٦٥)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٥٨٤). ورواه أحمد (٢/ ٤١١) عن محمد بن جعفر. ورواه أحمد (٢/ ٤٢٩) حدثنا يحيى بن سعيد. ورواه أحمد (٢/ ٤٦١)، وابن خزيمة (٣٩٠) عن عبد الرحمن بن مهدي. والبخاري في خلق أفعال العباد (ص: ٥٤) عن آدم بن أبي إياس، وسليمان بن حرب، والبخاري في خلق أفعال العباد (ص: ٥٤)، وابن حبان (١٦٦٦) عن أبي الوليد. وأبو داود (٥١٥) حدثنا حفص بن عمر النميري. والنسائي في المجتبى (٦٥٤) وفي الكبرى (١٧٦٣)، والبزار في مسنده (٩٧٠٢) من طريق يزيد بن زريع. وابن ماجه (٧٢٤) من طريق شبابة. والبيهقي في شعب الإيمان (٢٧٩٤) من طريق النضر بن شميل. كلهم (الطيالسي، ومحمد، والقطان، وابن مهدي، وآدم، وابن حرب، وأبو الوليد، وحفص، وابن زريع، وشبابة، والنضر بن شميل) الأحد عشر رووه عن شعبة، حدثنا موسى بن أبي عثمان، =
[ ١ / ٥٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عن أبي يحيى به. ونسب يحيى بن سعيد القطان أبا يحيى في روايته، فقال: حدثني أبو يحيى مولى جعدة. وذكر ابن حبان في الثقات بأنه سمعان الأسلمي، والصواب ما قاله ابن القطان. وقد روى عنه اثنان: الأعمش وموسى بن أبي عثمان، ووثقه ابن معين، وروى له مسلم حديثًا واحدًا متابعة على اختلاف فيه، فالمعتمد على توثيق يحيى بن معين له. وموسى بن أبي عثمان هو المؤذن، كوفي روى عنه شعبة، والثوري، وقال الثوري: كان مؤذنًا، ونعم الشيخ كان، وذكره ابن حبان في الثقات، وفي التقريب: مقبول، يعني حيث يتابع، وقد توبع في هذا. فهذا الإسناد فيه لين، وله متابعات لا تخلو من ضعف، لكنها صالحة في المتابعات. المتابعة الأولى: رواه منصور بن المعتمر، واختلف عليه: فرواه وهيب، عن منصور، عن يحيى بن عباد، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: المؤذن يغفر له مد صوته، ويشهد له كل رطب ويابس، ولشاهد الصلاة خمس وعشرون درجة، ويكفر عنه ما بينهما. رواه أبو محمد الفاكهي في الفوائد (١٩٠) وعنه ابن بشران في الأمالي (٩٧٤)، من طريق وهيب به. وفي فتح الباري لابن رجب (٥/ ٢٢٣): وسأل وهيب منصورًا عن عطاء هذا، فقال: هو رجل، قال: وليس ابن أبي رباح ولا ابن يسار. ورواه جرير، وفضيل بن عياض، وزائدة بن قدامة، عن منصور، عن يحيى بن عباد، عن عطاء رجل من أهل المدينة، عن أبي هريرة موقوفًا. ذكره ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٥١٥)، والدارقطني في العلل (١٦١٣). ورواه عبد الرزاق في المصنف (١٨٦٣) ومن طريقه أخرجه أحمد (٢/ ٢٦٦)، وعبد بن حميد كما في المنتخب من مسنده (١٤٣٧)، وابن حبان (١٦٧٠). وأخرجه إسحاق بن راهويه (١٥٢) كلاهما (عبد الرزاق وإسحاق) عن معمر، عن منصور، عن عباد بن أنيس، عن أبي هريرة مرفوعًا. ومعمر في منصور ليس بالقوي، وحديثه عن أهل العراق فيه ضعف. وعباد بن أنيس ذكره ابن حبان في الثقات (٤٢٦٤)، ولم يوثقه أحد غيره، قال الآجري، عن أبي داود: كان منصور لا يروي إلا عن ثقة. قال الدارقطني في العلل (١٦١٣) بعد أن ذكر الاختلاف فيه: «ووهم فيه معمر …، والصحيح: قول زائدة وفضيل بن عياض وجرير». يعني الرواية الموقوفة. =
[ ١ / ٥٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال أبو زرعة كما في العلل لابن أبي حاتم (٢/ ٥١٦): حديث معمر وهم. كما قال أيضًا: والصحيح حديث منصور. وهذه الكلمة محتملة، فإن منصورًا رواه موقوفًا ومرفوعًا. وقد توبع منصور في رفعه، فقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٣٤٩) أخبرنا أبو أسامة، قال: حدثني الحسن بن الحكم، قال: حدثني يحيى بن عباد، أبو هبيرة، عن شيخ، عن أبي هريرة به مرفوعًا. فأبهم رَاوِيَه، ورفعه، والمعروف فيه الوقف. قال ابن رجب في الفتح (٥/ ٢٢٥): ويشهد لقول منصور -يعني رواية وهيب، عن منصور المرفوعة- أن أبا أسامة رواه عن الحسن بن الحكم، عن أبي هبيرة يحيى بن عباد، عن شيخ من الأنصار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، وخرجه عنه ابن أبي شيبة. ويكون قوله: (عن شيخ من الأنصار) هو عطاء شيخ من أهل المدينة. وإذا اعتمدنا كلام الدارقطني بأن الصحيح فيه الوقف: فإنه لا يعني الصحة المطلقة، فإن عطاءً رجل مجهول، فهو موقوف، وضعيف أيضًا، فإنه لو صح موقوفًا لكان له حكم الرفع؛ لأنه من الغيبيات التي لا تقال بالرأي. المتابعة الثانية: ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٣٥٠) أخبرنا وكيع، قال: أخبرنا أبو العنبس سعيد بن كثير، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: ارفع صوتك بالأذان، فإنه يشهد لك كل شيء سمعك. وهذا موقوف. ورواه أبو نعيم الفضل بن دكين في الصلاة (١٨٣) قال: حدثنا أبو العنبس، عن أبيه، عن أبي هريرة موقوفًا بنحوه. وهذا الإسناد رجاله كلهم ثقات إلا كثير بن عبيد، والد سعيد بن كثير، فإنه لم يوثقه أحد إلا ابن حبان حيث ذكره في ثقاته، وفي التقريب: مقبول، يعني حيث يتابع، وقد توبع في هذا الحديث، فالحديث صالح في المتابعات، إلا أنه موقوف، واقتصر فيه على بعض الحديث، فلم يذكر فيه المغفرة للمؤذن على قدر الصوت، والله أعلم. المتابعة الثالثة: رواه الأعمش، واختلف عليه فيه: فرواه حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا، بلفظ: (يُغْفَر للمؤذن مد صوته). رواه الطبراني في المعجم الأوسط (١٢١) من طريق يحيى بن سليمان الجعفي. والبيهقي في السنن (١/ ٦٣٣) من طريق سعيد بن سليمان الواسطي، كلاهما عن حفص بن غياث به. ورواه عمرو بن عبد الغفار الفقيمي، عن الأعمش، عن مجاهد، عن أبي هريرة مرفوعًا. أخرجه البيهقي (١/ ٦٣٣)، وعمرو بن عبد الغفار، قال أبو حاتم: متروك الحديث. وقال ابن عدي: اتهم بوضع الحديث. انظر ميزان الاعتدال (٣/ ٢٧٢). وخالفه ابن طهمان كما في مسند السراج (٧٤)، والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ٦٣٣)، =
[ ١ / ٥٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فرواه عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر موقوفًا بلفظ: المؤذن يغفر له مد صوته، ويصدقه كل رطب ويابس. ورواه عبد الله بن بشر كما في المعجم الكبير (١٢/ ٣٩٨) ح ١٣٤٦٩، وعمار بن رزيق كما في مسند أحمد (٢/ ١٣٦)، ومسند السراج (٧١)، والبزار كما في كشف الأستار (٣٥٥)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٣٠١)، والبيهقي (١/ ٦٣٣)، كلاهما عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر مرفوعًا، وفيه: (… ويشهد له كل رطب ويابس). ورواه زائدة كما في مسند أحمد (٢/ ١٣٦)، عن الأعمش، عن رجل، عن ابن عمر، مرفوعًا، وفيه: (… ويستغفر له كل رطب ويابس سمع صوته)، وأبهم الأعمش شيخه. ورواه وكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٣٦٥)، عن الأعمش، عن مجاهد قوله. قال الدارقطني في العلل (١٥٤٤) عند الكلام على الاختلاف علي أبي هريرة: والمرسل أشبه. وأعاد ذكره عند الكلام على الاختلاف في حديث ابن عمر، فقال في العلل (١٣/ ٢١٩): الصحيح عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر. ورواية الأعمش عن مجاهد متكلم فيها، وقال عمرو بن علي الصيرفي: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: كتبت عن الأعمش أحاديث مجاهد كلها ملزقة، لم يسمعها. الجرح والتعديل (١/ ٢٤١). وقال أبو حاتم كما في العلل لابنه (٢١١٩): «الأعمش قليل السماع عن مجاهد، وعامة ما يروي عن مجاهد مدلس». ورواه سالم الأفطس، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: المؤذن المحتسب كالشهيد يَتَشَحَّطُ في دمه حتى يفرغ من أذانه، ويشهد له كل رطب ويابس، وإذا مات لم يُدَوَّد في قبره. أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٤٢٢) ح ١٣٥٥٤، والدارقطني في الأفراد كما في أطرافه (٣١١٤)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٧٦) من طريق محمد بن الفضل بن عطية، عن سالم الأفطس به. ومحمد بن الفضل بن عطية، قال فيه أحمد: ليس بشيء حديثه حديث أهل الكذب، العلل (٣٦٠١)، وقال غير واحد: متروك. ورواه إبراهيم بن رستم الخراساني، حدثنا قيس بن الربيع، عن سالم الأفطس، به، بلفظ: (المؤذن المحتسب كالشهيد المتشحط في دمه، يتمنى على الله ما يشتهي بين الأذان والإقامة). رواه أبو بكر المطرز في فوائده (١٤٠) حدثنا يوسف بن موسى. والطبراني في الكبير (١٣/ ٤٥٣) ح ١٤٣١١ من طريق إسماعيل بن يزيد القطان، كلاهما حدثنا إبراهيم بن رستم به. =
[ ١ / ٥٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ورواه الطبراني في الأوسط (١٢٢١) من طريق يوسف بن موسى القطان، عن إبراهيم بن رستم، به، إلا أنه جعل (سعيد بن جبير) بدلًا من مجاهد. وفي إسناده إبراهيم بن رستم، قال الدارقطني: مشهور، وليس بالقوي. العلل (١٣/ ٢١٩). وقال ابن المبارك: روى عنه أهل بلده، يخطئ. وقال أبو حاتم: ليس بذاك، محله الصدق، وآفته الرأي. الجرح والتعديل (٢/ ٩٩). وقال ابن عدي: ليس بمعروف، منكر الحديث عن الثقات. الكامل (١/ ٤٣٧). وفيه قيس بن الربيع، وقد تكلمت عليه في مسألة وضع الأصبعين في الأذنين في متابعات حديث أبي جحيفة. وله شواهد منها: الشاهد الأول: حديث ابن عمر، وهو ما سبق ذكره في الاختلاف على أبي هريرة، وأن الراجح في حديث الأعمش أنه مضطرب، اضطرب فيه الأعمش، فمرة يرويه من مسند أبي هريرة، وتارة يرويه من مسند ابن عمر، وتارة يصله، وتارة يرويه عن مجاهد مرسلًا، وتارة يرويه عن رجل، عن ابن عمر. الشاهد الثاني: حديث البراء بن عازب. رواه أبو إسحاق السبيعي، واختلف عليه في إسناده ولفظه: فقيل: عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب. رواه قتادة عن أبي إسحاق، بلفظ: إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدم، والمؤذن يغفر له مد صوته، ويصدقه من سمعه من رطب ويابس، وله مثل أجر من صلى معه. رواه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٤)، والنسائي في المجتبى (٦٤٦)، وفي الكبرى (١٦٢٢)، والروياني (٢٨٣، ٣٢٨٨)،، والطبراني في الأوسط (٨١٩٨) عن معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة به. وقد تفرد قتادة بفضل التأذين، لم يروه غيره، ولا يعرف لقتادة سماع من أبي إسحاق السبيعي إلا هذا الحديث، ولم يصرح فيه بالتحديث. وقد تابع قتادة كل من: إسرائيل كما في مسند أحمد (٤/ ٢٩٨)، ومسند السراج (٧٦١) بلفظ: إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدم. ولم يذكر فضل التأذين موضع الشاهد. وأبو سنان سعيد بن سنان، كما في مسند السراج (٧٦٢) بلفظ: إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول، ولم يذكر فضل التأذين. وقيل: عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء به، دون موضع الشاهد. =
[ ١ / ٥٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = رواه أحمد (٤/ ٢٩٨) وابن أبي شيبة (٣٨٠٥) من طريق عمار بن رزيق. ورواه أحمد (٤/ ٢٩٩) من طريق أبي بكر بن عياش. ورواه أحمد (٤/ ٢٩٧) وابن خزيمة (١٥٥٢) من طريق ابن وهب (مصري)، عن جرير ابن حازم، ثلاثتهم (ابن رزيق، وابن عياش، وجرير) عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب به. وليس فيه ما ذكره قتادة من فضل التأذين. وقيل: عن أبي إسحاق، عن طلحة، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء، عن النبي ﷺ. رواه الترمذي (١٩٥٧)، والسَّراج في مسنده (٧٥٢)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٧) من طريق إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي إسحاق، قال: حدثني طلحة، أنه سمع عبد الرحمن بن عوسجة، يقول: سمعت البراء بن عازب يقول: سمعت رسول الله ﷺ وذكره مطولًا، وليس فيه ما ذكره قتادة من فضل التأذين. وقد تابعه حديج بن معاوية كما في مستدرك الحاكم (٢١٠٥)، وفوائد تمام (٩٨١) وحديث أبي الفضل الزهري (٣٩٧)، فرواه عن أبي إسحاق، حدثني طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن بن عوسجة به، بلفظ: إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول. وهذا هو المحفوظ من حديث أبي إسحاق، أنه يرويه عن طلحة، عن ابن عوسجة، عن البراء بن عازب. رواه جماعة كثيرون عن طلحة متابعين لأبي إسحاق في روايته عن طلحة، منهم: منصور بن المعتمر كما في مصنف عبد الرزاق (٢٤٣١، ٢٤٤٩)، ومسند أحمد (٤/ ٢٩٦)، وسنن أبي داود (٦٦٤)، والمجتبى من سنن النسائي (٨١١)، والسنن الكبرى للنسائي (٨٨٧)، ومسند الروياني (٣٥١، ٣٥٩، ٣٦٢)، والمعجم الأوسط (٧٣٩)، ومسند السراج (٧٥٦)، وصحيح ابن حبان (٢١٦١)، وصحيح ابن خزيمة (١٥٥٦)، والحاكم في المستدرك (٢٠٩٩، ٢١٢٨)، والبيهقي في السنن (١٠/ ٣٨٧). وشعبة كما في مسند أحمد (٤/ ٢٨٥)، وسنن ابن ماجه (٩٩٧)، وسنن الدارمي (١٣٧٧)، وصحيح ابن خزيمة (١٥٥١). ومالك بن مغول كما في سنن البيهقي (٣/ ١٤٦)، وفوائد تمام (١٧٠٧). والأعمش كما في مصنف عبد الرزاق (٤١٧٥)، ومسند أحمد (٤/ ٢٩٦)، ومصنف ابن أبي شيبة (١/ ٣٧٨). وفطر كما في مسند السَّراج (٧٥٥)، ومحمد بن طلحة كما في مسند أحمد (٤/ ٢٨٥)، كلهم عن طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن بن عوسجة به. =
[ ١ / ٥٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تابعه زبيد بن الحارث اليامي كما في صحيح ابن حبان (٢١٥٧)، عن عبد الرحمن بن عوسجة به. فهذا هو المحفوظ من الحديث، وذكر فضل التأذين فيه شاذ تفرد به قتادة، عن أبي إسحاق، والله أعلم. وفي العلل لابن أبي حاتم (٢/ ٢٣٨) أنه سأل أباه عن حديث رواه ابن وهب، عن جرير ابن حازم، عن أبي إسحاق، قال: حدثني عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء وذكر الحديث، فقال: هذا خطأ، إنما يروونه عن أبي إسحاق، عن طلحة، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء، عن النبي ﷺ، وانظر العلل (٢/ ٣٢٦، ٣٢٧، ٣٢٨). والخلاصة فيه: أن ذكر فضل التأذين ليس محفوظًا تفرد به قتادة، عن أبي إسحاق، فخالف في إسناده ولفظه، والله أعلم، والشاذ لا يصلح للاعتبار والشواهد. الشاهد الثالث: حديث أبي سعيد. رواه ابن عيينة، واختلف عليه فيه: فرواه سعيد بن منصور كما في الأحكام الكبرى (٢/ ٩٤)، والغرائب للدارقطني كما في الأفراد (٤٧٢٤)، وحديث أبي علي اللحياني عن شيوخه (٦٨) مخطوط، والعسكري في تَصْحِيفَات المحدثين (١/ ٢٨٨). وأبو معمر إسماعيل بن إبراهيم الهروي كما في معجم ابن الأعرابي (٩٥٤)، والخطيب في التاريخ (١٢/ ٦١) كلاهما عن سفيان بن عيينة، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري رفعه، قال: المؤذن يغفر له مد صوته، ويشهد له كل رطب ويابس. خالفهما كل من: عبد الرزاق كما في المصنف (١٨٦٤). وهارون بن إسحاق الهمداني، كما في جزء أبي الحسن الحميري (٥٤). والحميدي وعبد الله بن المبارك وقتيبة بن سعيد كما في العلل للدارقطني (١١/ ٢٦٥) خمستهم رووه عن ابن عيينة، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ … فذكره. فهذا إسناد صحيح إلا أنه مرسل. قال الدارقطني في العلل: وهو الصحيح. يعني المرسل. فيكون المرسل بإسناد صحيح شاهدًا مقويًا لحديث أبي هريرة ﵁. الشاهد الرابع: حديث أنس بن مالك. أخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ٨٤)، والطبراني في الأوسط (١٩٨٧) من طريق أبي حفص بن عمر العبدي. وأخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٢٧٤) من طريق حفص بن أبي داود، كلاهما عن ثابت=
[ ١ / ٥٣٢ ]
الدليل الثالث:
(ح-١٨٥) ما رواه أحمد من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال:
حدثني عبد الله بن زيد، قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس ليضرب به للناس في الجمع للصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده، فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: ما تصنع به؟ قال: فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قال: فقلت له: بلى، قال: تقول الله أكبر الله أكبر وذكر الأذان والإقامة، فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرتُه بما رأيت، فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك.
[هذا إسناد حسن إن ثبت سماع محمد بن عبد الله بن زيد من أبيه] (^١).
وجه الاستدلال:
قال النووي: قوله: «ألقه على بلال فإنه أندى صوتًا منك: قيل معناه أرفع صوتًا وقيل أطيب فيؤخذ منه استحباب كون المؤذن رفيع الصوت وحسنه وهذا متفق عليه» (^٢).
وقال الخطابي في معالم السنن: «وفي قوله: (ألقه على بلال فإنه أندى صوتًا منك) دليل على أن من كان أرفع صوتًا كان أولى بالأذان؛ لأن الأذان إعلام فكل من كان الإعلام بصوته أوقع كان به أحق وأجدر» (^٣).
_________________
(١) = البناني، عن أنس. ولفظ الطبراني: (يد الرحمن على رأس المؤذن حتى يفرغ من أذانه، وإنه ليغفر له مد صوته أين بلغ). ولفظ ابن عدي: (يغفر الله للمؤذن مد صوته، ويشهد له كل رطب ويابس سمعه. وهذان الطريقان ضعيفان جدًّا، وأبو حفص بن عمر العبدي، وحفص بن أبي داود متروكان. وفي الباب حديث جابر، وهو موضوع، ولذلك لن أشتغل به، وحديث أبي أمامة عند الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٢٤١) ح ٧٩٤٢، وفي إسناده جعفر بن الزبير الباهلي متروك.
(٢) سبق تخريجه، انظر: (ح: ٢٧).
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٧٧).
(٤) معالم السنن (١/ ١٥٣).
[ ١ / ٥٣٣ ]
وإذا كان الرسول ﷺ قد قدم بلالًا على عبد الله بن زيد مع أن عبد الله بن زيد هو الأحق به لرؤيته إياها، علم من هذا استحباب أن يكون المؤذن رفيع الصوت، وأن على من يختار للمسلمين أن يختار الأصلح لهذه الوظيفة، كما اختار النبي ﷺ أبا محذورة لحسن صوته.
[ ١ / ٥٣٤ ]