المدخل إلى المسألة:
* كل من يختار لغيره فتصرفه مقيد بالمصلحة.
* جهات الأوقاف عليها أن تختار الأصلح عند التَّشاحِّ في الأذان.
[م-٧٨] إذا تَشَاحَّ رجلان فأكثر في الأذان، فإن كان أحدهما مؤذنًا راتبًا فيه فليس لأحد منازعته، ويقدم على كل من ينازعه ما لم يكن هناك خلل ملحوظ.
قال النووي في المجموع: «إذا كان هناك راتب ونازعه غيره، فيقدم الراتب» (^١).
وقال ابن رجب: «والظاهر: أن مراد أحمد: التنازع في طلب الأذان ابتداء، فأما من ثبت له حق في المسجد، وهو مؤذن راتب فيه، فليس لأحد منازعته، ويقدم على كل من نازعه» (^٢).
فإن تشاحُّوا عند طلب الأذان ابتداء، وكانوا غير مُتَسَاوِيَيْنِ فإنه يقضى للأفضل، ولذلك لو جاء إلى الصف جماعة من المسلمين قُدِّمَ أولو الأحلام والنهى على غيرهم، قال النبي ﷺ: ليلني منكم أولو الأحلام والنهى. فكانوا أحق بالقرب من الإمام من غيرهم إذا تساووا في الحضور، ولا حاجة إلى استهام، إذا علم ذلك، فقد اختلفوا في الصفات التي توجب تقديم أحدهما على الآخر.
_________________
(١) المجموع (٣/ ٨٠)، وانظر درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٨٥).
(٢) فتح الباري لابن رجب (٥/ ٢٧٧).
[ ٢ / ٢١ ]
فقيل: يقضى للأفضل في الأذان من جهة الصفات المعتبرة في التأذين، من حسن الصوت، وسلامة الأداء من اللحن، والعلم بالوقت، فإن تساووا قدم الأصلح في دينه وعقله، وهذا مذهب الجمهور (^١).
ولهذا قدم النبي ﷺ -بلالًا على عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وعلل هذا بأنه أندى صوتًا منه، ويقاس باقي الخلال على حسن الصوت.
واختار النبي ﷺ -أبا محذورة دون أصحابه لحسن صوته.
وقيل: يقدم الأصلح في دينه وعقله على الأفضل في الأذان، وهو رواية عن أحمد (^٢)، وبه قال الجوزجاني. وأجاب عن تقديم بلال لصوته؛ بأنهما كانا متقاربين بالفضل والأمانة (^٣).
جاء في الهداية على مذهب أحمد: «وإذا تشاحَّ نفسان في الأذان، قدم أكملهما في دينه وعقله، وفضله …» (^٤).
ونقل ابن رجب في شرح البخاري: «قال عبد الله بن الإمام أحمد: سألت أبي عن مسجد فيه رجلان يدعيان أنهما أحق بالمسجد، هذا يؤذن فيه، وهذا يؤذن فيه، فقال: إذا استويا في الصلاح، والورع أقرع بينهما ومعنى هذا: أنه إذا تشاحَّ في الأذان اثنان، فإن امتاز أحدهما بمزيد فضل في نفسه فإنه يقدم، وهو مراد أحمد بقوله: (إن كان أحدهما أصلح في دينه فينبغي لهم ألا يختصموا) يعني: أن الأصلح أحق (^٥).
_________________
(١) شرح الزرقاني على موطأ مالك (١/ ٢٦٦)، التاج والإكليل (٢/ ٤٧٠)، أضواء البيان (٨/ ١٤٥)، القبس شرح الموطأ (١/ ٢٠٠)، المسالك شرح موطأ مالك (٢/ ٣٢٠)، الأوسط لابن المنذر (٣/ ٣٩)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٠٨)، المغني (١/ ٣١١)، الإنصاف (١/ ٤١٠)، الإقناع (١/ ٧٦، ٧٧)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص: ٩٨)، الطرق الحكمية لابن القيم (ص: ٢٧١)، المحلى (٢/ ١٨٠).
(٢) الإنصاف (١/ ٤١٠).
(٣) شرح ابن رجب للبخاري (٥/ ٢٧٨).
(٤) الهداية على مذهب أحمد (١/ ٧٥).
(٥) شرح البخاري لابن رجب (٥/ ٢٧٦).
[ ٢ / ٢٢ ]
ولأن مراعاة الدين والعقل أولى من مراعاة الصوت؛ لأن ضرر فقد الدين والعقل أشد حيث يتعدى ذلك إلى جماعة المصلين، وجيران المسجد.
وهاتان الصفتان هما ركنا كل عمل: القوة والأمانة: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِين﴾ [القصص: ٢٦].
فبلال وعبد الله بن زيد ﵄ قد توفرت فيهما الأمانة، وفاق بلال أخاه عبد الله بجانب القوة (أندى صوتًا)، وهو ما جعله يُقَدَّم على عبد الله بن زيد.
فصارت المسألة ترجع إلى قولين: أحدهما يقدم الأصلح في دينه، والآخر يقدم الأفضل فيه.
قال شيخنا ابن عثيمين: «الصحيح حسب ما يقتضيه العمل، فبعض الأعمال تكون مراعاة الأمانة فيه أولى، وبعضها تكون مراعاة القوة أولى، فمثلًا القوة في الإمارة قد تكون أولى بالمراعاة، والأمانة في القضاء قد تكون أولى بالمراعاة» (^١).
وفي الأذان أرى أن الأولى بالمراعاة هي الصفات المعتبرة في الأذان، من جهة الصوت، والسلامة من اللحن، والعلم بالوقت، فإن هذا يستفيد منه الناس أكثر من مؤذن قد يكون أكثر صلاحًا، ولكنه ذو صوت غليظ ينفر الناس من صوته، وقد لا يسلم من لحن ونحوه، وقد لا يكون عالمًا بالوقت بنفسه. والله أعلم.
_________________
(١) الشرح الممتع (٢/ ٤١).
[ ٢ / ٢٣ ]