المدخل إلى المسألة:
* كل ما وجب في الحضر وجب في السفر إلا لدليل.
* النصوص التي تدل على مشروعية الأذان والإقامة عامة مطلقة، وقصرها على الحضر تخصيص أو تقييد بلا دليل.
* أمر النبي ﷺ -بالأذان، والتزمه حضرًا، وسفرًا، فلا فرق بين قرية ومصر، وحضر وبدو، وسفر وإقامة.
ويمكن أن يقال:
* المسافر سقطت عنه الجمعة، فكذلك الجماعة، وإذا لم تجب الغاية التي هي الجماعة، فلا معنى لوجوب الأذان، وهو وسيلة.
[م-٨٩] علمنا حكم الأذان والإقامة في الحضر في أول الكتاب، فما حكم الأذان والإقامة على الجماعة في السفر؟
فقيل: يؤذن في السفر، قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم (^١). اه
على خلاف بينهم في حكمه:
فقيل: سنة، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وكره الحنفية ترك الإقامة (^٢).
وقيل: فرض كفاية وهو قول في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، وبه قال
_________________
(١) سنن الترمذي (١/ ٢٨٠).
(٢) تبيين الحقائق (١/ ٩٤)، الحاوي الكبير (٢/ ٥٠)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٥٤ - ٢٥٥).
[ ٢ / ٩٢ ]
داود الظاهري (^١).
وقال بعضهم: تجزئ الإقامة، إنما الأذان على من يريد أن يجمع الناس، حكاه الترمذي في سننه، وقال: والقول الأول أصح (^٢).
وقيل: يقيم إلا في الفجر، فيؤذن ويقيم، وبه قال ابن عمر ﵄، ومن الفقهاء ابن سيرين (^٣).
هذه مجمل الأقوال في المسألة:
* دليل من قال: الأذان والإقامة سنة في السفر:
الدليل الأول:
(ح-٢٢٧) روى البخاري ومسلم من طريق زيد بن وهب،
عن أبي ذر الغفاري، قال: كنا مع النبي ﷺ -في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي ﷺ: أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد، حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي ﷺ: إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة (^٤).
وكذلك ثبت الأذان في السفر من حديث أبي قتادة في الصحيحين (^٥)، ومن حديث عمران فيهما (^٦)، ومن حديث أبي هريرة في مسلم (^٧).
_________________
(١) الإقناع لابن المنذر (١/ ٨٩)، الأوسط له أيضًا (٣/ ٢٤)، كنز الراغبين شرح منهاج الطالبين (١/ ١٥٥)، المهذب (١/ ١٠٧)، الإنصاف (٤/ ٤٠٧)، وانظر قول دواد الظاهري في تفسير القرطبي (٦/ ٢٢٦).
(٢) سنن الترمذي (١/ ٢٨٠)، وقوله: تجزئ الإقامة أي لا يجب الأذان على المسافرين، ولا يريد أنه لا يشرع، فالأذان في السفر ثابت من أحاديث مقطوع بصحتها، ومن ذلك حديث أبي قتادة في البخاري (٥٩٥)، ومسلم (٦٨١)، وحديث عمران عند البخاري (٣٥٧١)، ومسلم (٦٨٢).
(٣) رواه عبد الرزاق في المصنف (١٨٩٣) عن ابن عمر بسند صحيح.
(٤) البخاري (٥٣٩)، مسلم (١٨٤).
(٥) البخاري (٥٩٥)، مسلم (٦٨١).
(٦) البخاري (٣٥٧١)، مسلم (٦٨٢).
(٧) مسلم (٦٨٠).
[ ٢ / ٩٣ ]
ولم ينقل عن النبي ﷺ -أنه ترك الأذان والإقامة في السفر، فدل على مشروعيتهما فيه، وإنما لم نقل بوجوبهما في السفر؛ لأن الحضر هو المكان الذي يختص بإقامة الجماعات، ويُنَادَى لها الناس للاجتماع على إقامتها، ويرفع فيها شعائر الإسلام غالبًا بخلاف الصحراء.
الدليل الثاني:
(ح-٢٢٨) ما رواه أحمد وأبو داود، قالا: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن أبا عشانة المعافري، حدثه،
عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ -يقول: يعجب ربكم من راعي غنم في رأس شظية بجبل، يؤذن بالصلاة، ويصلي، فيقول الله ﷿: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن، ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة (^١).
[صحيح] (^٢).
وجه الاستدلال:
دل الحديث على مشروعية الأذان للمنفرد في الصحراء، فجماعة المسافرين مثله أو أولى.
قال في المستوعب: «والصحيح أنه لا فرق فيهما يعني الأذان والإقامة بين المصر والقرى، ولا بين الحاضرين والمسافرين، ولا بين الواحد والجماعة» (^٣).
الدليل الثالث:
(ث-٥٦) ما رواه ابن المنذر في الأوسط من طريق يعلى بن عطاء، عن أبيه،
قال: كنت مع عبد الله بن عمرو في سفر، فقلت له: أُؤَذِّن؟ قال: نعم، وارفع صوتك (^٤).
[عطاء العامري لم يوثقه إلا ابن حبان، ولم يرو عنه أحد غير ابنه يعلى، وفي
_________________
(١) المسند (٤/ ١٥٨)، وسنن أبي داود (١٢٠٣).
(٢) سبق تخريجه، انظر، المجلد الأول: (ح: ١٦٢).
(٣) المستوعب (٢/ ٥٠).
(٤) الأوسط (٣/ ٤٧).
[ ٢ / ٩٤ ]
التقريب مقبول، أي حيث يتابع] (^١).
الدليل الرابع:
كل دليل استدل به الجمهور على أن الأذان والإقامة سنة في الحضر، فهو دليل على سنية الأذان في السفر، لأن ما لا يجب في الحضر لا يجب في السفر من باب أولى؛ لأن السفر مظنة التخفيف، وقد سبق أن ذكرنا أدلة الجمهور على أن الأذان والإقامة سنة في الحضر، في المبحث السادس من التمهيد، فارجع إليها إن شئت.
قال العراقي في طرح التثريب: «وجمهور العلماء على أنه غير واجب في الحضر، فالسفر الذي قصرت فيه الصلاة عن هيئتها أولى بذلك» (^٢).
* حجة من قال: الأذان والإقامة فرض كفاية:
الدليل الأول:
أن النبي ﷺ -أمر بهما مالك بن الحويرث ومن معه، وهم كانوا على سفر، والأصل في الأمر الوجوب.
(ح-٢٢٩) فقد روى البخاري، قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا سفيان، عن خالدٍ الحَذَّاءِ، عن أبي قِلَابَةَ،
عن مالك بن الحويرث، قال أتى رجلان النبي يريدان السفر، فقال النبي: إِذَا أنتما خرجتما، فَأَذِّنا، ثُمَّ أَقِيمَا، ثم لِيَؤُمَّكُمَا أكبرُكما (^٣).
ورواه الترمذي والنسائي من طريق وكيع، عن سفيان به، بلفظ: إذا سافرتما فأذنا وأقيما.
[انفرد بهذا اللفظ خالد الحذاء، عن أبي قلابة، وقد رواه أيوب عن أبي قلابة، وخالفه في لفظه، وظاهره أن النبي أمرهم بذلك في حال رجوعهم إلى أهلهم، فلا دلالة فيه على السفر].
_________________
(١) قيل لأحمد وقد ذكر يعلى بن عطاء: حدث عن أبيه أحد غيره من أصحابه؟ قال: لا. انظر سؤالات أبي داود (٢٤٢).
(٢) طرح التثريب (٢/ ١٦٠).
(٣) سبق تخريجه، انظر: (ح: ٢٣).
[ ٢ / ٩٥ ]
الدليل الثاني:
ثبت في الصحيح أن الرسول أمر بلالًا بالأذان والإقامة حال السفر، والأصل في الأمر الوجوب.
فأمَّا أَمْرُه بالأذان في السفر:
(ح-٢٣٠) فقد روى البخاري من طريق عبد الله بن أبي قتادة،
عن أبيه، قال: سرنا مع النبي ﷺ -ليلة، فقال بعض القوم: لو عرست بنا يا رسول الله، قال: أخاف أن تناموا عن الصلاة. قال بلال: أنا أوقظكم، فاضطجعوا، وأسند بلال ظهره إلى راحلته، فغلبته عيناه فنام، فاستيقظ النبي ﷺ، وقد طلع حاجب الشمس، فقال: يا بلال، أين ما قلت؟ قال: ما ألقيت علي نومة مثلها قط، قال: إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها عليكم حين شاء، يا بلال، قم فأذن بالناس بالصلاة، فتوضأ، فلما ارتفعت الشمس وَابْيَاضَّتْ، قام فصلى.
وأمَّا أَمْرُه بالإقامة في السفر:
(ح-٢٣١) فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ -حين قفل من غزوة خيبر، سار ليله حتى إذا أدركه الكرى عرس، وقال لبلال: اكلأ لنا الليل، فصلى بلال ما قدر له، ونام رسول الله ﷺ -وأصحابه، فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالًا عيناه، وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ -أولهم استيقاظًا، ففزع رسول الله ﷺ، فقال: أي بلال! فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ - بأبي أنت وأمي يا رسول الله - بنفسك، قال: اقتادوا، فاقتادوا رواحلهم شيئًا، ثم توضأ رسول الله ﷺ، وأمر بلالًا، فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] (^١).
_________________
(١) رواه مسلم (٦٨٠).
[ ٢ / ٩٦ ]
وجه الاستدلال من الحديثين:
ثبت الأمر بالأذان في حديث أبي قتادة، وثبت الأمر بالإقامة من حديث أبي هريرة، وإذا أمر بهما المسافر في حال القضاء، كان مأمورًا بهما في حال الأداء؛ لأن القضاء يحكي الأداء، والأصل في الأمر الوجوب.
* ونوقش:
بأن الكلام ليس في مشروعية الأذان للمسافرين، فهذا فيه نصوص صحيحة، مُجْمَعٌ على صحتها في البخاري ومسلم، وإنما النقاش في وجوبه عليهم، والاستدلال بأن الأصل في الأمر الوجوب فيه نزاع معلوم في كتب أصول الفقه، والقائلون به يصرفون الأمر عن الوجوب لأدنى صارف، والصارف هنا عن الوجوب: أن الجمعة إذا كانت لا تجب على المسافر، فكذلك الجماعة من باب أولى، وإذا لم تجب الجماعة لم يكن هناك معنى لوجوب التأذين، فإن أذنوا فحسن، كما يستحب لمن يصلي منفردًا أن يؤذن، ولا يقال بوجوبه عليه، وإنما الوجوب يكون حيث تجب الجماعة التي ينادى لها، والله أعلم.
* ورد هذا:
بأن الجمعة لا تجب على المسافر بنفسه، وأما وجوبها عليه في غيره إذا أقيمت، وكان في البلد، ولم يكن قد جد به السير فليس ممتنعًا؛ لعموم قوله: تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فعموم الآية يشمل الحاضر، كما يشمل المسافر.
ولحديث: أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب، وهو مطلق، ومن قَيَّده بالحاضر فقد قَيَّده بلا برهان، ومثل الجمعة الجماعة.
الدليل الثالث:
أن النصوص التي تأمر بالأذان عامة، أو مطلقة، والقول بأنها للحاضر فقط تخصيص، أو تقييد بلا دليل.
* دليل من قال: لا يؤذن إلا في الفجر خاصة:
(ث-٥٧) ما روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع،
[ ٢ / ٩٧ ]
أن ابن عمر كان يقيم في السفر إلا في صلاة الفجر، فإنه كان يؤذن ويقيم.
[صحيح].
ولعل ابن عمر كان يؤذن للفجر خاصة في السفر؛ لأن صلاة الفجر يسبقها نوم، فيريد من الأذان لأصحابه أن يستيقظوا، ويستعدوا للصلاة، بخلاف غيرها من الصلوات، فإن المسافرين غالبًا ما يكونون مجتمعين، فلا حاجة إلى الدعوة لاجتماعهم.
* ويجاب:
بأن قول الصحابي لا يكون دليلًا مع مخالفته للسنة المرفوعة، فقد أمر النبي بلالًا بالأذان والإقامة في السفر، والأصل في الأمر الوجوب.
كما أنه مخالف للقياس، فالتفريق بين صلاة الفجر وغيرها للمسافر يحتاج إلى دليل، ولم تكن السنة تُفَرِّق بين صلاة وغيرها.
* الراجح:
الخلاف في المسألة قوي، وليس في وجوب الأذان على المسافر دليل خاص، وحديث مالك بن الحويرث قد علمتَ ما فيه، وأقوى دليل في الباب: أن النصوص الدالة على وجوب الأذان في الحضر مطلقة، فيدخل فيها حال السفر، والأصل أن ما وجب في الحضر وجب في السفر إلا بدليل، والله أعلم.
[ ٢ / ٩٨ ]