المدخل إلى المسألة
• فعل السكران مضمون، وأقواله لا يؤاخذ بها على الصحيح.
• السكر إذا غلب على العقل حتى لا يعلم ما يقول فهو في حكم المجنون؛ لأنه لا قصد له. وإن لم يتأثر عقله بالمسكر، فهو في حكم الصاحي المكلف. وإن تأثر به، ولم يغلب عليه، فيصيب ويخطئ فهو محل الخلاف، وهو أقرب إلى الصبي الذي معه نوع تمييز منه إلى البالغ المكلف.
• إقرار السكران الذي غلب عليه السكر، وطلاقه، وعقوده لغو على الصحيح فكذلك أذانه.
• إذا نهي السكران عن الصلاة بالنص نهي عن غيرها من العبادات بالقياس.
• الحكم ببطلان أقوال السكران معلل بتأثير السكر على عقله، فإذا لم يكن له تأثير لم تبطل أقواله؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
• السكران المختلط الذي لا يعلم ما يقول غير مكلف؛ لأنه يستحيل أن يُخَاطَب من لا يفهم الخطاب.
[م-٢١] السكران تارة يكون غير معذور في سكره، فيتعلق به وصفان، كونه سكران، وكونه فاسقًا بتعاطيه ذلك.
وسوف أناقش حكم أذان الفاسق، واشتراط العدالة في المؤذن في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.
وإن كان معذورًا في سكره تعلق به وصف واحد، وهو حكم أذانه حال سكره.
والسكران على ثلاثة أقسام:
[ ١ / ٢٢٤ ]
الأول: إذا لم يختلط عقله، ولم يتأثر بالسكر، فهذا لم يدخل في حد السكران، وإن كان فعله محرمًا، فإن أذن صح أذانه؛ لأنه لو صلى لصحت صلاته، فأذانه من باب أولى.
قال تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].
فجعل غاية النهي أن يعلم ما يقول.
جاء في شرح التحرير: «إن ميز السكران بين الأعيان، فحكمه حكم سائر العقلاء، بلا نزاع؛ لأنه عاقل يفهم، مكلف، كغيره من العقلاء» (^١).
وجاء في حواشي الشرواني: «يصح أذان سكران في أوائل نشوته؛ لانتظام قصده» (^٢).
ولأن بطلان أقوال السكران معلل بتأثير السكر على عقله، فإذا لم يُغَطِّ عقلَه لم تبطل أقواله؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
الثاني: سكران لا يعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة، فهذا لا اختلاف في أنه كالمجنون، لا عبرة بأقواله؛ لأنه لا يصح له قصد صحيح (^٣).
جاء في مدارج السالكين: «قيل للإمام أحمد: بماذا يُعْلَمُ أنه سكران؟
فقال: إذا لم يعرف ثوبه من ثوب غيره، ونعله من نعل غيره.
ونقل عن الشافعي: إذا اختلط كلامه المنظوم، وأفشى سره المكتوم. قاله الشيخ محمد التيمي» (^٤).
قال ابن تيمية: «صلاة السكران الذي لا يعلم ما يقول لا تجوز باتفاق» (^٥).
_________________
(١) التحبير شرح التحرير (٣/ ١١٨٣)، وانظر البيان والتحصيل (٣/ ٢٧٠، ٢٧١)، (٤/ ٢٥٨)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ٩٠)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (٣/ ١٥)، أسنى المطالب (١/ ١٢٩)، فتح العلي المالك (٢/ ٨).
(٢) حواشي الشرواني مع تحفة المحتاج (١/ ٤٧٠)، وانظر نهاية المحتاج (١/ ٤١٤).
(٣) انظر: الإشراف لابن المنذر (٥/ ٢٢٧)، اختلاف الفقهاء للمروزي (١/ ٢٧٣)، المحلى (٦/ ٢١٥).
(٤) مدارج السالكين، ط عطاءات العلم (٤/ ٢٣١)، ومنار السبيل (٢/ ٢٣٢).
(٥) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٦).
[ ١ / ٢٢٥ ]
فأبطل صلاة السكران الذي لا يعلم ما يقول، والأذان مقيس عليها، ولا فرق
الثالث: سكران معه بقية من التمييز إلا أنه ناقص، فيخطئ ويصيب، فهو ليس كالأول الذي لم يتأثر، وليس كالمختلط الذي لا يميز شيئًا، فيحصل له قدر من الإدراك والمعرفة إلا أنها مضطربة، فهذا قد اخْتُلِف في أذانه:
فقيل: يكره، وتستحب إعادته في ظاهر الرواية، وقيل: بل تجب. وهما قولان في مذهب الحنفية (^١).
وقيل: لا يصح أذانه، ولا يجزئ، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، واختاره بعض الحنفية (^٢).
جاء في مواهب الجليل: «قال الفاكهاني: فلا يصح أذان المجنون، ولا السكران، ولا الصبي الذي لم يميز، ولا خلاف في ذلك» (^٣).
• حجة من أبطل أَذَانَه:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].
قال ابن تيمية: «صلاة السكران الذي لا يعلم ما يقول لا تجوز باتفاق» (^٤).
وإذا كانت لا تجوز صلاته، فلا يصح أذانه، ولا يجزئ.
الدليل الثاني:
(ح-٨٨) ما رواه الإمام مسلم من طريق يحيى بن يعلى -وهو ابن الحارث المحاربي- عن غيلان -وهو ابن جامع المحاربي- عن علقمة بن مرثد، عن
_________________
(١) المبسوط (١/ ١٤٠)، تحفة الفقهاء (١/ ١١١)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٩٤)، البحر الرائق (١/ ٢٧٨)، الفتاوى الهندية (١/ ٥٤)، الأشباه والنظائر لابن نجيم (٣/ ٣٣٣)، بدائع الصنائع (١/ ١٥٠)، الفروق للكرابيسي (١/ ٤٢).
(٢) تحفة الفقهاء (١/ ١١١)، مواهب الجليل (١/ ٤٣٤)، جامع الأمهات (ص: ٨٧)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٦٤)، منح الجليل (١/ ٤٢٠)، أسنى المطالب (١/ ١٢٩)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ١٤٧).
(٣) مواهب الجليل (١/ ٤٣٤).
(٤) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٦).
[ ١ / ٢٢٦ ]
سليمان بن بريدة،
عن أبيه، قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، طَهِّرني، فقال: ويحك، ارجع فاستغفر الله وتب إليه، قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء، فقال: يا رسول الله، طهرني، فقال رسول الله ﷺ: ويحك، ارجع فاستغفر الله وتب إليه، قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء، فقال: يا رسول الله، طهرني، فقال النبي ﷺ مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة، قال له رسول الله: فيم أطهرك؟ فقال: من الزنا، فسأل رسول الله ﷺ: أبه جنون؟ فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: أشرب خمرا؟ فقام رجل فاستنكهه، فلم يجد منه ريح خمر الحديث.
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ لم يأخذ بإقراره حتى علم أنه ليس بسكران، فلو كان سكران لم يصح إقراره، وإذا لم يصح إقراره علم أن أقواله كلها باطلة كأقوال المجنون.
الدليل الثالث:
التكليف منوط بالعقل، فإذا زال العقل بالسكر ارتفع التكليف، وألحق السكران بالمجنون.
الدليل الرابع:
أن الأذان ليس متوقفًا على جمل يرددها المؤذن، وإنما هو عبادة تشترط لها النية، وخبر مبني على العلم بالأوقات، والسكران المختلط لا قصد له صحيح؛ لاضطراب عقله، ولا يمكن الوثوق بخبره بدخول الوقت، فلا يقع به الإعلام.
• حجة الحنفية على صحة أذانه:
الدليل الأول:
لم يشترط الحنفية النية لصحة الأذان، ولهذا إذا أذن في الوقت على الكيفية المشروعة أجزأ، وحصل المقصود حتى ولو لم ينو السكران بأذانه الإعلام بدخول الوقت.
وقد بحثت اشتراط النية في فصل مستقل، انظره في الشرط الثاني من شروط الأذان.
[ ١ / ٢٢٧ ]
الدليل الثاني:
استدل الحنفية بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].
وجه الاستدلال:
استدل بها الحنفية على أن السكران مكلف، حيث خاطبهم الشارع، ونهاهم حال سكرهم (^١).
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الحنفية لم يجعلوا التكليف شرطًا في صحة الأذان، فصححوا أذان المجنون إذا وقع منه على الكيفية المشروعة، وهو مجمع على رفع التكليف عنه، فما بالك بالسكران، والذي في تكليفه حال سكره خلاف بين الفقهاء.
جاء في الأصل «قلت: أرأيت رجلًا أذن، وأقام، وهو سكران لا يعقل، أو مجنون مغلوب لا يعقل، فصلى القوم بذلك الأذان؟ قال: يجزيهم » (^٢).
الوجه الثاني:
لا يمكن أن يقال: إن الشرع خاطبهم حال اختلاط عقولهم بالسكر؛ لأن الذي لا يعلم ما يقول بنص الآية، لا يعلم ما يقال له من باب أولى، والعلم بالخطاب شرط من شروط التكليف، فالمقصود من الآية أنهم إن صلوا حال سكرهم لم تصح صلاتهم، ولم تجزئ، وطلب منهم الإعادة إذا أفاقوا من سكرهم، وإذا لم تصح الصلاة لم يصح الأذان.
والآية نزلت حين كان السكر مباحًا، فقد يكون فيها إشارة إلى نهيهم عن السكر قرب أوقات الصلوات باللازم؛ لأنهم مكلفون بالصلاة، وإذا سكروا في
_________________
(١) انظر الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص: ٢٦٧).
(٢) الأصل المعروف بالمبسوط للشيباني (١/ ١٤٣).
[ ١ / ٢٢٨ ]
أوقات الصلوات أدى ذلك إلى ترك الصلاة المفروضة، فإذا كان السكر سيؤدي إلى ترك الصلاة نهي عنه لا من أجله، ولكن من أجل الصلاة، والله أعلم.
• الراجح:
أن السكران المختلط ليس مكلفًا حال سكره، وأن جميع أقواله لغو، فلا تصح عقوده، ولا إقراره، وإذا أذن لم يصح، ولم يجزئ حتى يعلم ما يقول، والله أعلم.
[ ١ / ٢٢٩ ]