المدخل إلى المسألة
• كل من صحَّت إمامته صح أذانه وإقامته؛ لأن الصلاة هي الغاية والمقصد، والأذان شرع من أجل الصلاة، وعناية الشارع بالغاية أكثر من عنايته بوسائلها ومكملاتها.
• من جاز أن يتحمل الضمان في الإمامة جاز أن يتحمل الأمانة في الأذان، فالإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، والضمان أعلى شأنًا من مجرد الأمانة.
• الأذان إن كان عبادة، فالصبي المميز تصح منه العبادة، وإن كان خبرًا، فالأخبار التي طريقها المشاهدة والحس يقبل فيها قول الصبي كالإخبار عن القبلة، ودلالة الأعمى، وعدم وجود الماء للمتيمم، وطلوع الفجر، وغياب الشمس، وأما الأخبار التي طريقها الاجتهاد والفهم كالإفتاء فلا يقبل فيها قول الصبي.
وقيل:
• الأذان خبر، ويشترط في المخبر أن يكون عدلًا، والصبي لا يوصف بعدالة ولا فسق؛ لعدم مسؤوليته.
• الأذان فرض كفاية على الصحيح، وأذان الصبي نفل، فهل يحصل الفرض بأذان الصبي؟ (^١).
يمكن بحث أذان الصبي تحت اشتراط العدالة، باعتبار أن الصبي لا يحكم له بالعدالة قبل تكليفه.
ويمكن بحثه تحت اشتراط العلم بالوقت، فإن من شروط المؤذن أن يكون
_________________
(١) المحلى (١/ ١٧٩).
[ ١ / ٢٣٤ ]
عالمًا بالوقت، والصبي عند بعضهم لا يمكن الوثوق بعلمه بالوقت بحيث يبنى على علمه الصلاة، والصيام، والإفطار، فإن إدراكه ومعرفته فيها نقص عن البالغ.
[م-٢٢] لهذا إذا أذن الصبي لنفسه، أو لمثله من الصبيان فلا إشكال في صحة أذانه.
وهل خلاف الفقهاء في أذان الصبي إذا كان تبعًا لغيره، أو الخلاف في أذان الصبي إذا كان يُعْتَمد عليه في دخول الوقت، والإمساك والإفطار؟
قال ابن عابدين: «من حيث الإعلام بدخول الوقت، وقبول قوله لا بد من الإسلام، والعقل، والبلوغ والعدالة ومن حيث إقامة الشعار النافية للإثم عن أهل بلدة، فيصح أذان الكل يعني من الصبي والمرأة والفاسق سوى الصبي الذي لا يعقل» (^١).
وهذا رأي لابن عابدين، وإلا فالحنفية كما قدمنا يصححون أذان المجنون والصبي الذي لا يعقل، إذا أمكن منه الأذان، وكان بالوقت، ويمكن الاعتداد به، كما سبق، ونقلت نصوصهم في مبحث مستقل في اشتراط العقل للمؤذن.
قال ابن راشد المالكي نقلًا من مواهب الجليل: «إن كان محل الخلاف في كونه واحدًا من المؤذنين فلا ينبغي أن يختلف في الجواز؛ لأنه ممن يخاطب بالسنة.
وإن كان محل الخلاف كونه موقتًا يعتمد على إخباره بدخول الوقت فلا ينبغي أن يختلف في المنع؛ لأن الخبر، وإن صح من واحد فلا بد من عدالته، والصبي غير محكوم له بالعدالة انتهى» (^٢).
فقول ابن راشد: إن كان محل الخلاف كونه أحد المؤذنين … وإن كان محل الخلاف كونه مؤقتًا … يشعرك بأنه لم يجزم في تنزيل خلاف الفقهاء على أي المسألتين.
وقال ابن اللحام نقلًا عن ابن تيمية: «أما صحة أذانه في الجملة، وكونه جائزًا إذا أذن غيره، فلا خلاف في جوازه، قال: ومن الأصحاب من أطلق الخلاف … والأشبه أن الأذان الذي يسقط الفرض عن أهل القرية، ويعتمد في وقت الصلاة،
_________________
(١) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٩٤).
(٢) مواهب الجليل (١/ ٤٣٥).
[ ١ / ٢٣٥ ]
والصيام، لا يجوز أن يباشره صبي قولًا واحدًا، ولا يسقط الفرض، ولا يعتمد في مواقيت العبادات، وأما الأذان الذي يكون سنة مؤكدة في مثل المساجد التي في المصر، ونحو ذلك، فهذا فيه روايتان …» (^١).
ففي الأذان تبعًا حكى الجواز بلا خلاف مستثنيًا بعض الأصحاب في كونهم يطلقون الخلاف، وإطلاق الخلاف ليس نصًّا في حكاية الخلاف، إذ يمكن حمل الكلام المطلق على المفصل، ثم رجع وحصر الخلاف في الأذان تبعًا، وجعل فيه عن الإمام روايتين نصًّا، وليس من باب إطلاق الخلاف المحتمل، فكلامه الأخير يرد كلامه السابق حسب فهمي، والله أعلم.
وابن تيمية جعل حكم الأذان على قسمين:
فرض كفاية: وهو الذي يسقط به الفرض عن القرية، ويعتمد عليه في الوقت والصيام، وهذا لا يؤذن به الصبي، ولا ينزل عليه خلاف الفقهاء في أذان الصبي.
وسنة مؤكدة: وهو الأذان الذي يكون في مساجد المصر، فإذا أذن الصبي في مثل هذه المساجد ففي أذانه روايتان.
والقائلون بأن الأذان فرض كفاية مختلفون: هل يسقط الفرض بالقيام بوظيفة الشعيرة، بحيث يكفي البلد أذان واحد مطلقًا، ولو لم يسمع في نواحي البلد؟
أو يسقط الفرض إذا كانوا في مكان يسمعون فيه الأذان، وأما نواحي البلد الذي لم يسمع فيها الأذان فلا يسقط الفرض عنهم؟
أويبقى الفرض على كل مسجد جماعة يدعى إليها المصلون، ولو سمعوا أذانًا من غيرهم؟
وسبق بحث هذه المسألة في حكم الأذان، والراجح فيه.
والذي أميل إليه: أن خلاف العلماء إنما هو في صحة أذان المميز إذا كان يعتمد على خبره في دخول الوقت، والإمساك والإفطار، وليس في أذانه إذا كان يعتمد على ثقة يخبره بدخول الوقت، أو كان يتبع في أذانه بالغًا، فإذا قلد الصبي ثقة كان بمنزلة الأعمى الذي لا علم له بالوقت، فإن أذانه صحيح إذا كان له ثقة يخبره بالوقت؛ لأن العلم بالوقت إذا صح أنه من شروط صحة الأذان فلا يعتبر فيه أن
_________________
(١) القواعد والفوائد الأصولية (ص: ٣٥).
[ ١ / ٢٣٦ ]
يكون عالمًا بنفسه، بل يصح أن يكون عالمًا بالوقت عن طريق غيره ممن يخبره.
وقد نص الحنفية والشافعية بأن الصبي المميز كالبالغ في الأذان، وهذا يجعل الخلاف إنما هو في اعتماد خبره، وليس فقط في قيامه بسنة الأذان (^١).
قال ابن نجيم: «وهو كالبالغ في نواقض الوضوء إلا القهقهة، ويصح أذانه مع الكراهة» (^٢).
وقال القفال: «ويصح أذان الصبي الذي تصح صلاته، ويُعْتَدُّ به للرجال، وقال داود: لا يعتد بأذانه للبالغين» (^٣).
وفي الهداية على مذهب الإمام أحمد: «ويجزئ أذان الصبي المميز للبالغين في إحدى الروايتين، ولا يجزئ في الأخرى» (^٤).
فهذا مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة، وهم الذين صححوا أذان الصبي لا يشترطون في صحة أذانه أن يكون تبعًا لبالغ.
[م-٢٣] إذا علم هذا، نأتي لحكاية خلاف العلماء في صحة أذان الصبي المميز:
فقيل: يصح أذان المميز، وهو مذهب الحنفية، وأحد الأقوال في مذهب المالكية، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية، وراوية في مذهب الحنابلة، هي المشهور عندهم على خلاف بين هؤلاء في كراهته (^٥).
_________________
(١) انظر الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص: ٢٦٤)، الفروق للكرابيسي (١/ ٤٢)، تحفة الفقهاء (١/ ١١١)، بدائع الصنائع (١/ ١٥٠)، والأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٢٢٠)، والأشباه والنظائر للسبكي (٢/ ١٦٥، ١٦٦)، التمهيد في تخريج الفروع على الأصول (ص: ٤٤٦)، البحر المحيط في أصول الفقه (١/ ٣٢٩)، حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للقفال (٢/ ٣٦).
(٢) انظر الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص: ٢٦٤)، والأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٢٢٠)، حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للقفال (٢/ ٣٦).
(٣) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (٢/ ٣٦).
(٤) الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٧٥).
(٥) المبسوط (١/ ١٣٨)، تحفة الفقهاء (١/ ١١١)، بدائع الصنائع (١/ ١٥٠)، حاشية الشلبي=
[ ١ / ٢٣٧ ]
وقيل: يصح من غير كراهة، وهو مذهب الحنابلة، وظاهر الرواية عند الحنفية.
وقيل: يكره، وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة، وحكاه ابن بشير قولًا في مذهب المالكية، والأصح عند الشافعية (^١).
جاء في حاشية الشلبي: «أذان الصبي العاقل صحيح من غير كراهة في ظاهر الرواية وأذان البالغ أفضل» (^٢).
وقال الشافعي: «ولا أحب أن يؤذن أحد إلا بعد البلوغ، وإن أذن قبل البلوغ مؤذن أجزأ» (^٣).
فأخذ الشافعية من قول إمامهم: ولا أحب أن يؤذن كراهَةَ أذانه.
قال السيوطي: «في صحة أذانه وجهان: الصحيح، وبه قطع الجمهور: صحته، لكن يكره» (^٤).
وقيل: لا يؤذن الصبي ولا يقيم إلا أن يكون مع نساء، أو بموضع لا يكون فيه غيره. اختاره أشهب من المالكية (^٥).
_________________
(١) = على تبيين الحقائق (١/ ٩٤)، البحر الرائق (١/ ٢٧٩)، المجموع (٣/ ١٠٨)، الوسيط (٢/ ٥٥)، روضة الطالبين (١/ ٢٠٢)، جامع الأمهات (ص: ٨٧)، التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ١/ ٢٩٦)، مواهب الجليل (١/ ٤٣٥)، الإنصاف (١/ ٤٢٣).
(٢) بدائع الصنائع (١/ ١٥٠)، وجاء في مواهب الجليل (١/ ٤٣٥): «جعل ابن بشير الخلاف في أذان الصبي إنما هو بالجواز والكراهة، فقال: وهل يجوز الأذان للجنب والصبي؟ في المذهب قولان: الكراهة، والجواز، فأما الكراهة: فلأن المؤذن داع إلى الصلاة، وهذان ليسا ممن يستحق الدعاء إليها. والجواز: لأنه ذكر، وهذان من أهله. انتهى». وانظر الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٢٢٠).
(٣) حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ٩٤)، وقال في فتح القدير (١/ ٢٤٧): «ظاهر الرواية في الصبي العاقل عدم الكراهة».
(٤) الأم (١/ ٨٤).
(٥) الأشباه والنظائر (ص: ٢٢٠)، وكيف يكون الخلاف وجهين، والإمام قد نص على المسألة في الأم، فليتأمل.
(٦) انظر مواهب الجليل (١/ ٤٣٥)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٦٤)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ٩٠).
[ ١ / ٢٣٨ ]
وقيل: يصح أذان المراهق، وهو رواية عن أحمد (^١).
وقيل: لا يؤذن مطلقًا، وهو مذهب المدونة، ووجه للشافعية، ورواية ثانية عند الحنابلة (^٢).
وقيل: يصح إن كان يعتمد في الأذان أو في دخول الوقت على بالغ، اختاره اللخمي من المالكية وبعض الحنابلة (^٣).
قال الدردير: «لا يصح من صبي مميز إلا أن يعتمد فيه، أو في دخول الوقت على بالغ» (^٤).
وصحح بعض المالكية صحة أذان الصبي إذا كان يؤذن لنفسه، أو كان أذانه لصبيان مثله (^٥).
_________________
(١) نقل هذه الرواية حنبل، قال القاضي: يصح أذان المراهق رواية واحدة. وانظر: الإنصاف (١/ ٤٢٣).
(٢) جاء في المدونة (١/ ١٥٨): «قال مالك: لا يؤذن إلا من احتلم». وظاهره سواء أكان تبعًا لغيره أم لا. قال الحطاب في مواهب الجليل (١/ ٤٣٥): «ظاهره أن أذان الصبي المميز لا يصح، ولو لم يوجد غيره وهذا مذهب المدونة». وانظر: الجامع لمسائل المدونة لابن يونس (١/ ٤٣١)، تهذيب المدونة (١/ ٢٢٨)، البيان والتحصيل (١/ ٤٨٦)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٤)، مواهب الجليل (١/ ٤٣٥)، الذخيرة (٢/ ٦٤)، الخرشي (١/ ٢٣١)، النوادر والزيادات (١/ ١٦٧)، الفروع (١/ ٣١٩)، الإنصاف (١/ ٤٢٣).
(٣) جاء في شرح التنوخي على الرسالة (١/ ١٣٤): «اختلف في جواز أذان الصبي على أربعة أقوال: فقيل: لا يؤذن قاله في التهذيب، ونصه، لا يؤذن إلا من احتلم زاد في المدونة: لأن المؤذن إمام، ولا يكون من لم يحتلم إمامًا … وقيل يؤذن رواه أبو الفرج. وقيل: كذلك إن لم يوجد غيره رواه أشهب. وقيل إن كان ضابطًا تابعًا لبالغ فإنه يؤذن، وإلا فلا، قاله اللخمي». وانظر مواهب الجليل (١/ ٤٣٥)، الخرشي (١/ ٢٣١).
(٤) الشرح الكبير (١/ ١٩٥).
(٥) قال الحطاب في مواهب الجليل (١/ ٤٣٥): «صرح صاحب الطراز: بأنه يجوز للصبي أن يؤذن لنفسه ذكره في التفريق بين المرأة والصبي على القول بأن المرأة لا تقيم، وذكر في أثناء احتجاجه أن ما يخاطب به بعد البلوغ يؤمر به قبله تمرينًا له، فيفهم من هذا أن الصبي المميز إذا سافر يؤمر بالأذان، وكذا لو كان جماعة من الصبيان، والأذان يجمعهم لأمروا بالأذان؛ لأن الجماعة مشروعة في حقهم».
[ ١ / ٢٣٩ ]
جاء في الفواكه الدواني: «فلا يصح أذان الصبي المميز للبالغين … ويصح أذانه لصبيان مثله» (^١).
وبعض هذه المسائل إنما صح فيها أذان الصبي؛ لأنه لم يعتمد عليه في دخول الوقت، فأكثر هذه التفريعات يرجع إلى اشتراط العدالة في الأذان المستلزم لاشتراط البلوغ في أذان من يعتمد عليه في دخول الوقت، ولا تعتبر أقوالًا مختلفة.
فتلخص من هذا أن الخلاف ينتهي إلى خمسة أقوال، أربعة منها في مذهب المالكية.
يصح أذان الصبي على خلاف بينهم في كراهته.
لا يصح أذانه مطلقًا، وهو ظاهر ما في المدونة.
يصح بشرط أن يعتمد في الأذان أو في دخول الوقت على بالغ، وهو اختيار اللخمي.
يصح بشرط ألا يوجد غيره، وهو اختيار أشهب.
يصح أذان الصبي إذا كان مراهقًا.
• دليل من قال: يصح أذان الصبي:
الدليل الأول:
(ح-٨٩) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة،
عن مالك بن الحويرث، أتيت النبي ﷺ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيمًا رفيقًا، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: ارجعوا فكونوا فيهم، وعلموهم، وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم (^٢).
يستدل بالحديث على صحة أذان الصبي من وجهين:
الوجه الأول:
قوله: (فليؤذن لكم أحدكم) فكلمة (أحدكم) مفرد مضاف إلى معرفة،
_________________
(١) الفواكه الدواني (١/ ١٧٤).
(٢) صحيح البخاري (٦٢٨)، ورواه مسلم (٦٧٤).
[ ١ / ٢٤٠ ]
والمفرد المضاف يعم، فيشمل الصغير والكبير، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] فنعمة (كلمة مفردة) ومع ذلك قال: لا تحصوها.
الوجه الثاني:
أن الإمامة يعتبر فيها السن، فقال: وليؤمكم أكبركم، بخلاف الأذان حيث لم يعلقه على السن، فدل على صحة أذان الصبي.
الدليل الثاني:
ذكر ابن المنذر في الأوسط، قال: قال عبد الله بن أبي بكر: كان عمومتي يأمرونني أن أؤذن لهم، وأنا غلام لم أحتلم، وأنس شاهد فلم ينكر ذلك (^١).
ذكره ابن المنذر معلقًا، ولم أقف له على إسناد.
الدليل الثالث:
الصبي من أهل العبادة، بدليل صحة إمامته على الصحيح، ومن صحت إمامته صح أذانه من باب أولى؛ لأن الصلاة مقصد، والأذان وسيلة، والعناية بالمقاصد أولى من العناية بالوسائل.
(ح-٩٠) فقد روى البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة،
عن عمرو بن سلمة، قال: لما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقًّا، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا. فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ستٍّ، أو سبع سنين (^٢).
الدليل الرابع:
أن أذان الصبي يحصل به الإعلام، وهو المقصود من الأذان.
الدليل الخامس:
قال النووي في المجموع: «ولأنه يقبل خبره فيما طريقه المشاهدة، كما لو دل
_________________
(١) الأوسط (٣/ ٤١).
(٢) صحيح البخاري (٤٣٠٢).
[ ١ / ٢٤١ ]
أعمى على محراب يجوز أن يصلي» (^١).
• دليل من قال: لا يصح أذان الصبي المميز:
الدليل الأول:
(ح-٩١) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين (^٢).
[ضعيف] (^٣).
وجه الاستدلال:
أن الحديث وصف المؤذن بأنه مؤتمن، والأمانة من صفات العدل، والصبي لا يوصف بعدل ولا فسق؛ لأنه ليس مكلفًا.
الدليل الثاني:
(ح-٩٢) ما رواه ابن ماجه من طريق عبد الحميد بن سليمان، أخو فليح، قال: حدثنا أبو حازم، قال:
كان سهل بن سعد الساعدي يقدِّم فتيان قومه، يصلون بهم، فقيل له: تفعل، ولك من القدم ما لك! قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: الإمام ضامن، فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء، يعني، فعليه، ولا عليهم (^٤).
[ضعيف] (^٥).
_________________
(١) المجموع (٣/ ١٠٧).
(٢) مسند أبي داود الطيالسي ط هجر (٢٥٢٦).
(٣) سبق تخريجه، انظر: (ح: ٢١).
(٤) سنن ابن ماجه (٩٨١).
(٥) ومن طريق عبد الحميد بن سليمان أخرجه الروياني في مسنده (٢/ ٢١٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢١٦)، وابن بشران في أماليه (٨١)، قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذا اللفظ». اه. =
[ ١ / ٢٤٢ ]
الدليل الثالث:
(ح-٩٣) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني حسين -يعني ابن واقد- حدثني أبو غالب،
أنه سمع أبا أمامة يقول: قال رسول الله ﷺ: الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن (^١).
[ضعيف، والمعروف وقفه] (^٢).
_________________
(١) = وفي إسناده عبد الحميد بن سليمان، وهو ضعيف. قال ابن رجب في شرحه للبخاري (٦/ ١٨٢): «ذكر هذا الحديث الإمام أحمد، فقال: ما سمعت بهذا قط، وهذا يشعر باستنكاره له». اه إلا أن لفظة (فإن أحسن فله ولهم ) محفوظة من غير هذا الحديث.
(٢) المسند (٥/ ٢٦٠).
(٣) الحديث اختلف فيه على أبي غالب: فرواه حسين بن واقد كما في مسند أحمد (٥/ ٢٦٠)، ومسند أبي يعلى كما في إتحاف الخيرة (١٥٢٩)، والطبراني في الكبير (٨٠٩٧)، عن أبي غالب به مرفوعًا بلفظ: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن). وحسنه العراقي في تخريج الإحياء (١/ ١٢١). ورواه حماد بن سلمة، كما في سنن البيهقي الكبرى (١/ ٤٣٢) عن أبي غالب، عن أبي أمامة موقوفًا بنحوه، وزاد عليه: والأذان أحب إلي من الإمامة، المؤذنون أمناء المسلمين يفضلون الناس بطول أعناقهم. وأبو غالب ليس بالمتين، قال ابن سعد: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. وقال النسائي: ضعيف. وقال يحيى بن معين: صالح الحديث. واختلف الدارقطني، فقال ثقة، وقال في أخرى: بصري لا يعتبر به، نقل كل ذلك عنه البرقاني. وقد سئل عنه الدارقطني في العلل (١٢/ ٢٧٥) فساق الاختلاف بين رواية حماد بن سلمة، وبين رواية حسين بن واقد، ولم يرجح بينهما. وإنما لم يرجح الدارقطني؛ لأن التخليط قد يكون ليس منهما، وإنما الحمل على شيخهما أبي غالب، فهو ليس بالقوي، ذلك أن حماد بن سلمة، والحسين بن واقد كليهما من رجال مسلم، وأخرج لهما البخاري تعليقًا، فلو خرج أبو غالب من العهدة، -ولا إخاله- لكانت =
[ ١ / ٢٤٣ ]
الدليل الرابع:
الصبي غير موثوق بخبره، فقد يؤذن قبل الوقت فيتعدى خلله هذا إلى الصلاة أعظم أركان الإسلام العملية، وقد يتطرق الخلل إلى الصيام، وهو ركن من أركان الإسلام، لهذا احتاج المؤذن إلى اشتراط العدالة؛ للوثوق بخبره، والصبي غير محكوم له بالعدالة، فلا يسقط به الفرض، ولا يعتد به في مواقيت العبادات.
• ويناقش:
القائلون بالجواز يشترطون علم الصبي بالوقت، وهو علمٌ يدرك بالحس، فغياب الشمس، وزوالها، وطلوع الفجر يدرك بالحس، وكذا سائر الأوقات، وإدراك هذه العلامات اليوم تعتمد على الساعات، فلم يكن هناك فرق بين كبير وصغير، وإذا وثق بالصبي في موضع الإمامة، وهي أعلى شأنًا من مجرد الأذان، وثق بخبره من باب أولى، والله أعلم.
الدليل الخامس:
أن الأذان فرض كفاية على الصحيح، وفعل الصبي نفل، ولا يقوم النفل مقام الفرض عند بعض الفقهاء.
• ويناقش:
إذا توضأ الصبي قبل البلوغ، ثم بلغ بالوقت لم يعد الوضوء بعد بلوغه، وهو نفل قام مقام الفرض، والوضوء قبل دخول وقت الصلاة لا يجب، وإذا توضأ قبل دخول الوقت فقد قام نفل مقام الفرض، فالقول بأنه لا يقوم النفل مقام الفرض ليس دليلًا، ولا يُسلَّم، والله أعلم.
الدليل السادس:
أن الأذان ولاية، والصبي ليس من أهل الولايات.
• ويناقش:
لا نُسَلِّم أن الأذان ولاية، ولهذا يصح أن يتولاه العبد، وهو ليس من أهل
_________________
(١) = رواية حماد بن سلمة أرجح قليلًا من رواية حسين بن واقد، فهو أحفظ من حسين من جهة، ومن جهة أخرى، فحماد وأبو غالب كلاهما بصري، بينما حسين بن واقد مروزي، والله أعلم.
[ ١ / ٢٤٤ ]
الولايات، ولو سلم جدلًا فإن الولايات تتفاوت، فالإمامة أعظم ولاية من الأذان، وكان يتولاها خليفة المسلمين وخيارهم، ومع هذا صح في الشرع تولي الإمامة من الصبي المميز.
• الراجح:
أن أذان الصبي المميز يصح إذا اختبر وتأكدنا أنه عالم بالأوقات. والله أعلم.
[ ١ / ٢٤٥ ]